روضة الصائم

مهدي دهيم: إتقان تلاوة القرآن يحتاج إلى الممارسة اليومية وفهم أحكام التجويد.

الوقف والابتداء وفهم المعنى ركيزتان في سلامة الأداء القرآني

 

قدم الدكتور مهدي دهيم، أستاذ التجويد والقراءات بكلية العلوم الشرعية بمسقط، محاضرة بعنوان «وسائل العناية بالجانب الأدائي لتلاوة القرآن الكريم»، نظمها مركز القراءات بالكلية، مركزًا على ضرورة الجمع بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، لضمان سلامة النطق بالحروف وإعطائها مخارجها وصفاتها وأحكامها، مشيرًا إلى أن إتقان التلاوة يحتاج إلى تدريب يومي وممارسة مستمرة، والاستماع إلى القراء المتقنين، إلى جانب فهم القواعد اللغوية والتجويدية والاهتمام بالوقف والابتداء.

وأوضح أن الحديث عن الأداء القرآني يستمد أهميته من تعلقه بكتاب الله تعالى، وما ورد في فضل تعلمه وتعليمه، مبينًا أن تعلم القرآن يبدأ بالعناية بتلاوته وقراءته قراءة صحيحة، قبل الانتقال إلى مراحل الحفظ والتوسع في علومه.


وأشار إلى أن المسلم مطالب بأن يقرأ القرآن الكريم قراءة سليمة خالية من الأخطاء، سواء الأخطاء الجلية المتعلقة بتغيير الحركات أو الحروف، أو الأخطاء الخفية التي تتصل بالصفات والأحكام الدقيقة، وقد لا ينتبه إليها بعض القراء، مؤكدًا أن الأمة متعبدة بتلاوة القرآن على صفة مخصوصة، الأمر الذي يستدعي معرفة الوسائل التي تعين القارئ على بلوغ الأداء الصحيح.


وتناول المحاضر مجموعة من المحاور التي تمثل أساسًا للعناية بالأداء القرآني، مستهلًا حديثه بأهمية اللغة العربية وعلومها في سلامة التلاوة، موضحًا أن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، وأن قراءة كلماته قراءة صحيحة تقتضي معرفة أساسية بقواعد اللغة والنحو والصرف، حتى يتمكن القارئ من ضبط بنية الكلمة وحركاتها، والتمييز بين الاسم والفعل والحرف، ومعرفة الفاعل والمفعول به، وما يترتب على ذلك من أثر في فهم التركيب القرآني، مؤكدًا أن المقصود من ذلك ليس أن يصبح طالب القرآن متخصصًا في علوم العربية، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة اللغوية التي تمكنه من قراءة النص القرآني قراءة سليمة، مشيرًا إلى ما ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في رسالته إلى أبي موسى الأشعري: «تعلموا العربية وتفقهوا فيها»، كما أشار إلى عناية العلماء قديمًا بعلوم العربية، وجعلهم معرفة جملة منها من الشروط التي ينبغي توافرها فيمن يتصدر لتعليم القرآن الكريم.


وبيّن أن أول ما ينبغي معالجته لدى الطالب الذي يعاني ضعفًا في ضبط الكلمات هو تصحيح قراءته من حيث المبنى والتشكيل، والتمييز بين الفتح والضم والكسر، وإثبات حروف المد من الألف والواو والياء، وعدم اختلاس الحركات أو بترها، واقترح في هذا الجانب أن يخصص الطالب وقتًا يوميًا لقراءة النصوص العربية المشكولة، ولا سيما القصص التي تضبط كلماتها بالحركات، إلى جانب القراءة من المصحف ذي الخط الواضح والكبير، بما يساعده على ملاحظة الحركات وضبطها بصورة صحيحة.


وانتقل المحاضر إلى المحور الثاني المتعلق بمعرفة مخارج الحروف وصفاتها، مؤكدًا أن فهم هذا الباب يمثل ركنًا أساسيًا في إتقان التلاوة، وأن المطلوب من الطالب تجاوز مرحلة حفظ التعريفات والمسميات إلى مرحلة التطبيق العملي، بحيث يعرف موضع خروج كل حرف، وكيفية وضع اللسان وأعضاء النطق عند أدائه، واستشهد بما ذكره الإمام أبو عمرو الداني في أهمية معرفة مخارج الحروف وصفاتها، باعتبارهما أساس علم التجويد والتحقيق، موضحًا أن المخارج العامة خمسة، هي: الجوف والحلق واللسان والشفتان والخيشوم، وينبغي للطالب أن يعرف الحروف التي تخرج من كل مخرج، وأن يتدرب على أدائها بصورة متدرجة حتى تستقر لديه الملكة الصوتية.


وأضاف أن معرفة الصفات لا تقل أهمية عن معرفة المخارج، إذ يحتاج القارئ إلى التمييز بين الصفات التي لها ضد والصفات التي لا ضد لها، وإدراك أثر كل صفة في صوت الحرف، مع الحرص على تطبيقها دون تكلف أو مبالغة.

فالتجويد يقوم على إعطاء الحروف حقوقها ومستحقاتها، والمحافظة على طبيعتها الصوتية، دون ضغط زائد أو تشدق في النطق، مشددًا على أن الطالب ينبغي أن يعوّد أذنه على سماع النطق الصحيح؛ لأن الاستماع المتكرر إلى القراءات المتقنة يساعد على تكوين ملكة سمعية تعينه على اكتشاف الخلل في أدائه وتصحيحه، داعيًا إلى تخصيص وقت يومي للاستماع إلى القراء المعروفين بإتقانهم، ومنهم الشيخ محمود خليل الحصري والشيخ محمد صديق المنشاوي، إلى جانب الاستفادة من المصاحف المرتلة التي صدرت عن الهيئات والمؤسسات العلمية، وراجعتها لجان من العلماء والقراء المتخصصين.


وضرب مثالًا بالمصحف المرتل الذي سُجّل في مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، مشيرًا إلى أن تسجيل بعض المصاحف كان يتم بحضور علماء وقراء، بما يعزز مستوى الضبط والمراجعة في الأداء، ويجعل الاستماع إلى هذه التسجيلات وسيلة مهمة للطالب الذي يريد أن يتعلم النطق السليم.


وأكد أن الاستماع وحده لا يكفي ما لم يقترن بالتدريب العملي، موضحًا أن اكتساب مهارة التلاوة يشبه اكتساب المهارات الأخرى التي تحتاج إلى الممارسة المستمرة؛ فالذي يمارس السباحة أو لعب الكرة بصورة يومية يكتسب القدرة والخبرة مع مرور الوقت، وكذلك قارئ القرآن الذي يداوم على القراءة والتدريب يكتسب مرونة في اللسان وقدرة على أداء الحروف والأحكام بصورة سليمة، واستشهد بما ذكره أبو عمرو الداني من أن إدمان الدرس للقرآن والإكثار من تلاوته وعرضه يرقق اللسان ويجعله أكثر قدرة على الأداء، كما أشار إلى ما أورده أبو مزاحم الخاقاني في هذا المعنى، مبينًا أن رياضة اللسان وكثرة التكرار من أهم الوسائل التي تعين القارئ على التخلص من صعوبات النطق وترسيخ الأداء الصحيح.


وتطرق دهيم إلى أثر اللهجات المحلية واللكنات الأعجمية في أداء بعض الحروف، موضحًا أن الإنسان قد يعتاد منذ صغره نطق بعض الأصوات بطريقة معينة، ثم تنتقل هذه العادة معه إلى تلاوة القرآن الكريم، فتؤثر في سلامة الحروف ومخارجها، مشيرًا إلى أن بعض القراء قد يخلطون بين حروف متقاربة في النطق، أو يستبدلون حرفًا بآخر نتيجة الاعتياد اللهجي، ومن ذلك الخلط في أداء بعض الأصوات، كالقاف والغين والذال والزاي، أو التأثر بطريقة نطق بعض الحروف في اللهجات واللغات الأخرى.


وأضاف أن بعض المتعلمين قد يبالغون في تفخيم حروف معينة، أو يمتد أثر اللهجة إلى طريقة نطق الراء والغين والقاف وغيرها، في حين أن التلاوة الصحيحة تقتضي أن يؤدي القارئ كل حرف بحسب مخرجه وصفته، دون أن يطغى عليه أثر العادة الصوتية، داعيًا إلى أن يراقب الطالب نطقه، ويعرض قراءته على معلم متقن، حتى يتعرف على مواضع الخلل التي ربما لا ينتبه إليها بنفسه، مؤكدًا أن التخلص من العادات الصوتية يحتاج إلى صبر وتكرار وتدريب، وأن تصحيح اللسان لا يتحقق بمجرد معرفة الخطأ، وإنما بالممارسة المتواصلة حتى يستقيم النطق.


وفي حديثه عن الأحكام التجويدية، أوضح المحاضر أن معرفة مخارج الحروف وصفاتها تمثل الأساس الذي يُبنى عليه فهم الأحكام التي تنشأ عن تركيب الحروف بعضها مع بعض، مشيرًا إلى أن القارئ قد يحسن نطق الحرف منفردًا، لكنه يواجه صعوبة عندما ينتقل إلى أدائه ضمن الكلمة أو الجملة القرآنية، وعزا ذلك إلى تأثر الحروف بعضها ببعض عند التجاور، إذ قد يؤثر الحرف القوي في الحرف الضعيف، كما قد يؤثر التفخيم في الترقيق، الأمر الذي يستدعي من الطالب أن يتعلم كيفية تخليص الحروف وإعطاء كل حرف حقه عند التركيب، دون أن يطغى صوت حرف على آخر.


وبيّن أن علم التجويد يقوم على أربعة أركان أساسية، هي: معرفة المخارج، ومعرفة الصفات، ومعرفة الأحكام التي تعرض للحروف بسبب التركيب، إلى جانب رياضة اللسان وكثرة التكرار. وأشار إلى ما أورده ابن أم قاسم المرادي في شرحه على منظومة السخاوي، وما نظمه بعض العلماء في بيان هذه الأركان، مؤكدًا أن الجانب النظري لا يحقق غايته ما لم يصاحبه التدريب العملي.


ولفت إلى أهمية معرفة الأحكام التي يكثر دورانها في القرآن الكريم، ومن أبرزها الإخفاء والإدغام والإقلاب والتفخيم والترقيق، إلى جانب بقية أحكام التجويد التي يدرسها الطالب، موضحًا أن هذه الأحكام لا ينبغي أن تبقى في حدود التعريفات النظرية، وإنما يتعين عليه أن يتدرب على أدائها في مواضعها القرآنية المختلفة، مؤكدًا أن فهم هذه الأحكام يساعد القارئ على التعامل مع الحروف عند تركيبها، ويمنحه القدرة على التمييز بين الأصوات المتقاربة، وإدراك ما يطرأ على الحرف من تغيير في الأداء بسبب مجاورته لحرف آخر.


وأفرد المحاضر جانبًا مهمًا للحديث عن الوقف والابتداء، واصفًا هذا العلم بأنه من الأبواب الأساسية التي ينبغي لطالب القرآن أن يعتني بها، لما له من ارتباط وثيق بعلوم اللغة والنحو والتفسير، وتأثير مباشر في سلامة المعنى الذي تؤديه التلاوة.

وأوضح أن الوقف والابتداء لا يتعلقان بمجرد اختيار موضع يتوقف عنده القارئ لاستعادة النفس، وإنما يرتبطان بفهم تركيب الجملة القرآنية ومعناها، إذ قد يؤدي الوقف في غير موضعه إلى إيهام معنى غير مقصود، أو فصل الكلام عما يرتبط به من الناحية النحوية والدلالية، وأشار إلى أن معرفة القواعد الأساسية في النحو تساعد القارئ على تحديد مواقع الوقف والابتداء، فيميز بين المبتدأ والخبر، والفاعل والمفعول به، والجملة المستأنفة والصفة، وغيرها من التراكيب التي يتوقف عليها فهم النص، كما أكد أهمية امتلاك القارئ فهمًا إجماليًا لمعاني الآيات، مبينًا أن العربي يستطيع أن يدرك جانبًا من معاني القرآن الكريم من خلال معرفته بلغته، غير أن ذلك لا يغني عن الرجوع إلى كتب التفسير والاستفادة من أهل العلم عند الحاجة.


وضرب مثالًا بقوله تعالى في آية المواريث: «فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ»، موضحًا أن الوقف على قوله «فلهن النصف» في موضع آخر من الآية لا يصح إذا أدى إلى فصل الكلام عن بقية التركيب، وإيهام أن النصف يقسم بين البنتين والأبوين، وهو معنى غير مقصود، وأكد أن القارئ الذي لا يمتلك المعرفة الكافية بالوقف والابتداء ينبغي له الالتزام بعلامات الوقف الموجودة في المصحف، باعتبارها وسيلة إرشادية وضعها العلماء لمساعدة القارئ على اختيار المواضع المناسبة للوقف والاستئناف.


وتناول بعض العلامات المعروفة في المصاحف، ومنها الميم التي تدل على الوقف اللازم، وعلامات الوصل والوقف الجائز، وعلامة القلى وعلامة ج، إلى جانب اختلاف بعض الرموز بين المصاحف في البلدان الإسلامية، مشيرًا إلى وجود علامات خاصة في المصاحف المغربية، ومنها رموز الوقف الهبطي، وكذلك بعض العلامات المعتمدة في المصاحف التركية.


وشدد على أن القارئ ينبغي أن يتعلم دلالات هذه الرموز وألا يتجاوزها دون معرفة، فإذا لم يتقن قواعد الوقف والابتداء فعليه الالتزام بما يرشده إليه المصحف، وأن يقسم الآيات الطويلة عند الحفظ والمراجعة بما يحافظ على اكتمال المعنى، بدلًا من الوقف في مواضع تؤدي إلى اضطراب الدلالة.


وأشار إلى مجموعة من القواعد التي ينبغي مراعاتها، ومنها تجنب الوقف على المبتدأ دون الخبر، والابتداء بالخبر دون المبتدأ في المواضع التي يختل فيها المعنى، وكذلك عدم الفصل بين الفعل وفاعله، وعدم الابتداء بالجار والمجرور دون متعلقه، أو بجملة جواب الشرط دون جملة الشرط، أو بالحال دون صاحبها والعامل فيها، وضرب مثالًا بقوله تعالى: «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ»، موضحًا أن الوقف على «محمد» وحدها يقطع المبتدأ عن خبره، كما أشار إلى قوله تعالى: «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ»، مبينًا أن الابتداء بقوله «للذين كفروا» دون ما يرتبط به من فعل وفاعل يخل بالتركيب والمعنى.