روضة الصائم

شهادة وندسور على عراقة أسياد البحار

 

حظي خطاب الملك تشارلز الثالث بتفاعل واسع خلال مأدبة العشاء الرسمية التي أُقيمت في قلعة وندسور تكريمًا لجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -سلطان عُمان- بمناسبة زيارة (دولة) للمملكة المتحدة خلال الفترة 20-22 أكتوبر 2026م، حيث قدَّم الملك تشارلز الثالث شهادة تاريخية حول عراقة التاريخ البحري العُماني، مما جاء فيها: «قبل ألف عام من أول لقاء جمع بين أبناء بلدينا، بل قبل ألف عام من تأسيس المملكة المتحدة ذاتها.. كان البحّارة العُمانيون يمارسون التجارة عبر المحيطات!».

ولا شك أن هذه العبارة تحمل دلالات عميقة، كاشفةً أن علاقة الصداقة بين عُمان وبريطانيا تشكلت في الأصل وصيغت عبر قرون من الروابط البحرية والمصالح المشتركة، فضلًا عن أنها تربط التاريخ والدور العُماني بالواقع الراهن، حيث استخدم الملك تشارلز هذا الإرث البحري التاريخي للإشادة بالجهود العُمانية الحالية؛ مثنيًا على دور سلطنة عُمان التاريخي والحالي في تأمين الملاحة وحماية حرية التجارة العالمية من خلال «جهودها النبيلة والمستمرة للحفاظ على فتح مضيق هرمز» الذي يُعد أحد أهم الممرات الملاحية في العالم.


لقد أعادني خطاب الملك تشارلز الثالث إلى خطاب السلطان قابوس -طيَّب الله ثراه- في العيد الوطني السادس والعشرين، 18 نوفمبر 1996م، واصفًا في خطابه السامي عراقة تاريخ عُمان البحري، قائلًا: «نودّ ونحن على مقربة من تلك السواحل المضمّخة برائحة السفن العتيقة في أن نعبر بادئ الأمر عن اعتزازنا العظيم بتاريخ عُمان البحري الذي سطّرته تلك الصواري الشامخة التي اندفعت في ذلك الماضي الموشّى بالمجد، من مختلف الموانئ العُمانية، تمخر العباب المتلاطم في طموح فتي، مجسدة قوة هذا البلد وقدرته، وهيبته وعزّته، ورغبته في التواصل مع حضارات الأمم كلها، القريبة منها والبعيدة.

كما نود بعد ذلك أن نذكّر الأجيال الصاعدة بتلك الهمّة العالية لأجدادهم الأمجاد الذين ركبوا صهوات البحار، وشقّوا أمواجها العاتية، ونازلوا عواصفها الهائجة، طلبًا للعيش الكريم، ورغبةً في العمل الشريف، وإن كانت تكتنفه الصعاب، وتحيط به المشاق من كل جانب».

إن هذا المشهد الوارد في الخطاب يجسد صورة عميقة لمكنونات التاريخ البحري لعُمان، الذي خلَّده العُماني بالكفاءة والعلم والقوة والإدارة والإرادة؛ لذلك استحق العُمانيون لقب أسياد البحار.


وعند الحديث عن تاريخ عُمان البحري، يبرز الموقع الجغرافي الاستراتيجي لعُمان مُشكِّلًا عاملًا مهمًا في الملاحة البحرية، ودورًا مؤثرًا في التواصل مع الحضارات في العالم القديم، وقد أسهمت عُمان بدور تاريخي في النشاط التجاري البحري في منطقة الشرق الأدنى القديم وفي صياغة الأحداث التاريخية المهمة لهذه المنطقة، وتميزت عُمان بكونها مهد الملاحة البحرية بفضل الرواد الأوائل للبحارة العُمانيين وكثرة سفنها ونوعيتها وبنشاطها التجاري البحري الواسع، فغدا البحر شريان التواصل بين الأمم.


تطلّ عُمان على مسطحات مائية واسعة كان لها أثر عميق على مسيرتها التاريخية والحضارية كالمحيط الهندي وبحر العرب، وبحر عُمان، والخليج العربي، فضلًا عن أنها تشرف على مضيق هرمز، أحد شرايين التجارة الدولية، إضافة إلى مسطحات مائية أخرى أشرفت عليها بسبب توسعها الجغرافي في حقب تاريخية مختلفة.

وتوفرت في عُمان المرافئ الطبيعية التي مهدت لقيام حركة ملاحية بحرية واسعة شكّلت حلقة وصل بين أعرق حضارات العالم القديم، كبلاد الرافدين والهند والسند وفارس والصين وصولًا إلى مناطق البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط وسواحل شرق إفريقيا منذ العصر الحجري الحديث والبرونزي والحديدي والعصور الوسطى وصولًا إلى العصر الحديث.


وإحياءً لتراث عُمان البحري، أبحرت بعض السفن الشراعية، منها سفينة صحار عام 1980م إلى الصين، وجوهرة مسقط عام 2010م إلى سنغافورة، وسفينة شباب عُمان التي بدأت رحلاتها في عام 1979م ومستمرة حتى اليوم، إحياءً للمسار البحري القديم وتوثيقًا للعلاقات العُمانية البحرية عبر التاريخ.

وقد خصّص السلطان قابوس بن سعيد -طيَّب الله ثراه- اليخت السلطاني فلك السلامة عام 1990م للقيام برحلة تاريخية نظمتها اليونسكو تحت عنوان: (دروب الحوار بين الحضارات)، وقطعت السفينة المسافة بين مدينة البندقية في إيطاليا وصولًا إلى مدينة أوساكا في اليابان على امتداد طريق الحرير البحري.

كما قامت السفن البحرية العُمانية، ومنها الشراعية كشباب عُمان الأولى والثانية وزينة البحار، وكذلك السفن: قاهر الأمواج، والنجاح، ونصر البحر، والمؤزر، بزيارة العديد من موانئ العالم، وشاركت في المسابقات الدولية البحرية تعزيزًا للعلاقات الودية وأواصر الصداقة والمحبة والسلام التي تربط عُمان بمختلف دول العالم تجسيدًا لدور عُمان البحري.


وقد تنوعت مصادر التاريخ العُماني في فترة العصر الحديدي (1300 سنة قبل الميلاد - 525 سنة ميلادية) بين آثار ونقوش وكتابات توثق تاريخ مملكة حملت اسم «عُمان» على طول الامتداد الجغرافي لعُمان التاريخية، وتعددت الأسماء التي أُطلقت على عُمان وموانئها خلال مراحل العصر الحديدي كمملكة قاد وماكا وعُمان وأرض سأكلن/سكألن وسالكيتيس وساريبا ومزون.


كما أطلق الإغريق على أرض اللبان عُمانا وعلى وبار سوق عُمان.

وعند تتبع العلاقات البحرية العُمانية مع حضارات العالم القديم -حضارة بلاد الرافدين، ومصر القديمة، وحضارة وادي الأندوس «السند»- في العصر الحديدي، نجد أنها تميزت بنشاط تجاري نتيجة لوجود خطوط ملاحية مع مناطق البحر الأبيض المتوسط عبر البحر الأحمر وصولًا إلى بحر العرب وبحر عُمان، إضافة إلى الخطوط الملاحية عبر الخليج. ووردت معلومات عن الموانئ العُمانية وجغرافيتها وسكانها ونشاطها التجاري في كتاب بليني (التاريخ الطبيعي)، وجغرافية بطليموس، وكتاب (الطواف حول البحر الأرتيري).

وأكدت النصوص الآشورية القديمة النشاط الملاحي الواسع بين عُمان وبلاد الرافدين، وأن دولة مزدهرة كانت تسمى مملكة قاد، ومعناها بلاد الشرق، وأنها مرادفة لاسم عُمان القديم (مجان)، يعود تاريخها إلى منتصف الألفية الأولى قبل الميلاد، القرن السابع قبل الميلاد (640 سنة قبل الميلاد)، تنشط على يديها الأعمال البحرية والملاحة، ولها صلات تجارية واسعة مع مراكز الحضارات القديمة.


وقد ارتبط اسم (مجان) بما اشتهرت به عُمان من صناعة السفن وصهر النحاس حسب لغة السومريين، حيث كانت تربطهم بعُمان صلات تجارية وبحرية عديدة، وكان السومريون يطلقون عليها في لوحاتهم (أرض مجان).


واسم مجان يتألف من شقين في العلامات المسمارية التي كُتبت بها هذه الكلمة، (ما) وهي تعني سفينة، و(جان) وهي هيكل، والمعنى الكامل لها (هيكل السفينة)، وهذا يدل على شهرة عُمان في صناعة السفن، حيث كانت السفن العُمانية تجوب المناطق محملة بالبضائع التجارية، وأشهرها: النحاس وحجر الدايوريت.


وقد لعبت سلع مجان دورًا كبيرًا في التجارة البحرية مع بلاد الرافدين التي استمرت بين الطرفين حتى أواخر الألف الثاني قبل الميلاد، ففي ملحمة جلجامش جاء ذكر سفن مجان، وطبيعة أرض مجان، وقواربها الضخمة التي كانت تجوب الموانئ المختلفة، كما تذكر عدد من النقوش والكتابات في بلاد الرافدين مفردات لغوية تشير إلى اللبان والبخور خلال فترة العصر البرونزي، وارتباط استخدام اللبان بالملوك والكهنة، وتذكر النصوص العقود التجارية التي كانت تتضمن اللبان والبخور والنحاس ضمن البضائع التي تستوردها موانئ بلاد الرافدين.


كما وثَّقت النصوص والكتابات القديمة في مصر الفرعونية العلاقات الحضارية والتجارية بين عُمان ومصر القديمة من خلال الرحلات البحرية المقدسة إلى أرض اللبان، التي تُعرف لديهم بـ(أرض الإله)، وتشير النقوش والجداريات المصورة الموجودة في معبد الدير البحري في مصر القديمة إلى حملة الملكة الفرعونية حتشبسوت خلال الفترة (1500 سنة قبل الميلاد)، التي تكونت من خمس سفن أُرسلت إلى أرض اللبان، لجلب أشجار اللبان وسبائك الذهب والكحل الأسود وقطع من خشب الأبنوس واللبان، عقب ذلك بثلاثة قرون أرسل الفرعون رمسيس الثالث (1198-1167 سنة قبل الميلاد) أسطولًا من سفن كبيرة أبحرت إلى (أرض اللبان).

كما ارتبطت عُمان (مجان) مع حضارة وادي الأندوس (السند) بعلاقات تجارية وثيقة منذ فترة العصر الحجري الحديث، وخلال فترة العصر البرونزي (2600-1900 سنة قبل الميلاد) تعززت تلك الصلات، فساهمت السفن العُمانية آنذاك في الوساطة البحرية التجارية بين مراسي الخليج ومراسي وادي الأندوس.


كما تؤكد اللقى التي عُثر عليها في مواقع متعددة بعُمان تلك العلاقات الحضارية، وهي تُمثل شاهدًا على عمق الارتباط الحضاري والتاريخي بين العُماني والبحر؛ ففي رأس الجنز بقلهات عُثر على 295 لوحًا مطليًّا بالقار، كانت تُستعمل لسد حزوز السفن، بعضها يحمل أثرًا لحزم مربوطة من القصب، كما عُثر على حصائر من نسيج قطني متين مضلع، ويعود تاريخ هذه اللقى إلى أواسط الألفية الثالثة قبل الميلاد، وقد يسَّرت لعلماء الآثار معرفة شكل وتصميم السفن في تلك الفترة.

والإنسان -كما يقول ابن خلدون- ابن بيئته، والبحر كان ذلك الفضاء الذي عزف العُماني فيه سمفونيته. وكانت السفينة حاضرة في الأقوال العُمانية المأثورة مثل:
- اللي يركب السفينة ما يامن الغرق: أي الذي يركب السفينة لا يأمن الغرق. كناية عمن يركب المخاطر والمغامرات، فإنه لا يأمن الخسارة كمن يركب السفينة، فإنه من المحتمل أن يغرق في البحر.


- محْمَل بلا ربان: مَحْمَل؛ أي سفينة. يشير إلى العمل الذي يفتقد إلى مسؤول يسيّر أموره فتعمه الفوضى واللامبالاة، كالمركب الذي يسير في البحر بلا ربان يقود دفته ويديره، فإنه سيضيع.


- نُواخْذِيين غَرّقو مركب: نواخذيين؛ ربابين السفن. أي أن الأمر الواحد لا يمكن أن يديره أكثر من مسؤول؛ وإلا لتضاربت المصالح وفسدت، كالمركب الذي يقوده أكثر من ربان قد يغرق.


نعود إلى خطاب السلطان قابوس -طيَّب الله ثراه- في العيد الوطني السادس والعشرين، 18 نوفمبر 1996م، ونذكّر أجيال اليوم بهمة الأجداد على لسان السلطان الراحل: «... نذكّر الأجيال الصاعدة بتلك الهمّة العالية لأجدادهم الأمجاد الذين ركبوا صهوات البحار». ولا زالت سفن مجان حتى اليوم تجوب البحار، تمد يد عُمان للعالم، مع كل موجة. يقود السفينة ربان محنك وسلطان همام، حفظ الله جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، ذخرًا وفخرًا لعُمان وشعبها.