هل يجب على المزارعين تبني الذكاء الاصطناعي؟
ترجمة: قاسم مكي
الأربعاء / 23 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 20:49 - الأربعاء 4 نوفمبر 2026 20:49
بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر من شيكاغو، لكن من الممكن جدا أن يكون من ريف آيوا (الولاية الزراعية القريبة منها)؛ فقد أبدى ملاحظة ثاقبة في رسالته البابوية الأخيرة عن الذكاء الاصطناعي. كان بحديثه عن وجوب تقييم التقنية الرقمية بناء على قدرتها على ضمان الحصول العادل على الفرص يخاطب المزارعين في كل مكان حتى دون أن يذكر الزراعة إطلاقا.
ما يثير قلق الناس أن الذكاء الاصطناعي سينتج السلع والخدمات بعملٍ أقل. وهذا سيتركنا كلنا بوظائف أقل، لكن الزراعة تواجه تحديات مختلفة بما في ذلك شيخوخة المزارعين وفجوات المهارات وإنتاجية العمل المتدنية.
الذكاء الاصطناعي يمكنه تعزيز الإنتاجية. السؤال: ما المَزارع التي يمكن أن يحقق لها ذلك؟ إنها المزارع الكبيرة التي تستخدم الآلات بدرجة كبيرة؛ فالذكاء الاصطناعي يجعلها أكثر كفاءة، لكن المزارع الصغيرة التي لا يستطيع أصحابها شراء آلات باهظة الثمن أو خدمة الإنترنت فائق السرعة أو الاشتراك في خدمات الذكاء الاصطناعي قد تتخلف كثيرا وراء الركب.
هذا أمر مهم؛ فحيازات صغار المزارعين (بمساحة أقل من خمسة أفدنة) تشكل 85% من مزارع العالم. وهي بالغة الأهمية للأمن الغذائي في البلدان الأكثر فقرا؛ إذ تنتج 60% من المحاصيل الزراعية.
توجد بالزراعة أسوأ فجوة معلوماتية قياسا بأي قطاع اقتصادي آخر؛ فالمزارعون كثيرا ما يجب عليهم اتخاذ قرارات كبيرة وطويلة الأمد حول كل شيء من البذور إلى أسعار السوق بناء على معلومات شحيحة. تفاقِم ذلك تقلباتُ المناخ والصدمات الجيوسياسية والتي يمكن أن تقوض وبسرعة أوضاع الزراعة، وتؤثر على أسعار الوقود والأسمدة.
تؤثر الفجوة بقدر أكبر على صغار المزارعين. في بعض الأماكن يتبنى موظفو الإرشاد الزراعي الذين يساعدون المزارعين بعضَ الممارسات الزراعية الجديدة، لكن هؤلاء المرشدين الزراعيين يواجهون مهمة مستحيلة تتمثل في الوصول إلى ملايين المنتجين عبر مساحات شاسعة.
وقد يتضح أن الذكاء الاصطناعي نعمة ربانية في هذه الحال؛ فهو يمكن أن يعينهم على مساندة المزيد من المزارعين وتقليص الفجوة المعلوماتية بترجمة المعلومات إلى اللغات المحلية، ودمج بيانات الطقس والتربة والسوق، وتحديد أمراض المحاصيل، وتحسين شفافية الأسعار.
على سبيل المثال توصلت دراسة في عام 2026 إلى أن من حوالي 240 مرشدا زراعيا في دولة بنين الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي يقدمون إرشادا أفضل.
وفي الهند يستخدم أكثر من 30 ألف مزارع في حقول القطن أداة الذكاء الاصطناعي التي يمكنها أن تخبرهم بثماني لغات هندية متى يجب عليهم استخدام المبيدات ومقدارها. وحقق لهم ذلك مكاسب إيرادية تصل إلى 24%.
وفي تجربة بالصين حقق نظام ذكاء اصطناعي يستخدم بيانات الطقس والتربة والرؤية الحاسوبية لتوجيه استخدام الري والمبيدات زيادة في غلة القمح والذرة الشامية بنسبة 7% و4% على التوالي.
لكن إلى جانب هذا الوعد يقرع البابا جرس إنذار عن حق؛ فالتقنية يمكنها إيجاد أشكال جديدة من الإقصاء والتهميش؛ إذ قد يحرِم نموذجُ ذكاء اصطناعي أصحابَ الحيازات الزراعية الصغيرة من الحصول على قرض أو يفرض عليهم فائدة أعلى؛ لأنهم يفتقرون إلى سجلات مالية لاستخدامها في تقييم مخاطر إقراضهم.
وربما يستبعد نظامٌ للدعم مزارعين ليست لديهم سندات ملكية رسمية للأرض التي يزرعونها. وقد تكون أنظمة الذكاء الاصطناعي المدربة على المزارع الكبيرة غير ملائمة مناسبة للمزارع الصغيرة.
أيضا هنالك أدلة على احتمال أن تكون أدوات الذكاء الاصطناعي متحيزة. مثلا وُجِد أن بعض الأنظمة تفضِّل بطريقة منهجية ومنتظمة المنتجاتِ التجارية الخاصة بحماية المحاصيل على البدائل المرتكزة على التنوع الأحيائي والمستدامة. هذا يعزز اعتماد المزارعين على منتجات يلزمهم شراؤها بدل الممارسات الزراعية التي يمكنهم تبنيها مجانا والأكثر نفعا للطبيعة.
إذن كيف يمكن للمزارعين أصحاب الحيازات من مختلف الأحجام استخدام الذكاء الاصطناعي لكي يصبحوا أكثر إنتاجا؟ يمكنهم ذلك من خلال التمسك بمبدأ بسيط مفاده: كلما كان احتمال وقوع الضرر أكبر زادت الحاجة للحذر.
أداة الذكاء الاصطناعي التي تتعرف على مرض يصيب المحصول تشكل مخاطر محدودة نسبيا، ويجب أن يكون من اليسير اختبارها واستخدامها. لكن الرهان أعلى بالنسبة لأنظمة الذكاء الاصطناعي التي تُعِين على تحديد حصول مزارع على قرض أو تأمين من عدمه أو اتخاذه قرارات تؤثر على الحصاد أو سلامة الغذاء.
يجب أن تكون هنالك متطلبات صارمة لاختبار هذه التطبيقات والإشراف البشري عليها وشفافيتها. ويجب أن يكون بمقدور المزارعين التظلم من القرارات التي تُتَّخذ بموجبها والمطالبة بجبر الضرر.
عند المستويات الأعلى للمخاطر يلزم تعزيز الضمانات باتفاقيات قانونية ملزمة؛ هذا مهم للمزارعين بقدر أهميته لسلامة الذكاء الاصطناعي العالمية. ويمكنه إنشاء التزاماتٍ مشتركة لشركات الذكاء الاصطناعي الكبرى بما في ذلك التدقيق المستقل للأمان وضمانات ضد التمييز، أو إساءة استخدام قوة السوق.
الإجراءات التنظيمية وحدها لن تُفعِّل الذكاء الاصطناعي على هاتف المزارع في دولة بنين؛ فالحكومات تظل بحاجة إلى الاستثمار في الاتصال والمهارات الرقمية وخدمات البيانات والإرشاد، لكن يمكن لهذه الإجراءات المساعدة في منع تقنية لها إمكانيات هائلة من توسيع الفجوة بين من لديهم القدرة على استخدامها ومن ليسوا كذلك.
يعتمد حوالي 44% من الشباب العاملين على النظم الزراعية والغذائية في كسب معيشتهم. ولكي يزدهروا دعوا عنكم البقاء، سيحتاجون إلى مساعدة الذكاء الاصطناعي. والتحدي هو ضمان ألا يوجدِ هذا الذكاء جيلا ضائعا من المهمَّشين.
ماكسيمو توريرو كبير الاقتصاديين بمنظمة الزراعة والأغذية (الفاو)
الترجمة عن الفاينانشال تايمز