أفكار وآراء

مفارقات واشنطن في حربها على إيران

في الصراعات المسلحة وفي الحروب هناك مقولة ثابتة بدأت نظرية، لكن رسختها التجارب والوقائع على الأرض على مرّ التاريخ فأصبحت حقيقة وقاعدة تكاد أن تكون مطلقة؛ هذه المقولة لم يقلها شخص بعينه مثلما هو الحال بمقولات ونظريات أخرى منسوبة إلى أشخاص بعينهم، وإنما كانت نتاجًا لتجارب متعاقبة منذ أن عرفت الإنسانية الصراعات والحروب؛ وبالتالي فهي قديمة قدم الإنسانية، وراسخة رسوخ التاريخ.

هذه المقولة تقرر أن الحروب والصراعات المسلحة لا بد أن تنتهي بمفاوضات.

وقد شهد العالم بالفعل الكثير من الحروب والصراعات والنزاعات المسلحة انتقلت من ميادين المواجهة العسكرية وساحات القتال إلى طاولات التفاوض وموائد الحوار.

وقد يقول قائل: إن بعض الوقائع التاريخية تشير إلى أن هناك حالات انتهت باستسلام غير مشروط من أحد طرفي الصراع للطرف الآخر مثلما حدث لليابان وألمانيا في نهاية الحرب العالمية الثانية، وهو قول صحيح، لكن كان ذلك قصرًا على حالة خاصة وجدت في سياق خاص واستثنائي لم يتكرر، والاستثناء لا يقاس عليه، وحتى هذه الحالة تمت على طاولة تفاوض ميدانية كترجمة وانعكاس لواقع ميداني أمْلَى فيه الطرف المنتصر شروطه وإرادته على الطرف المهزوم.

والصراع الحالي بين إيران وأمريكا الذي تطاول أمده ليس استثناء عن القاعدة إياها، بل أكثر من ذلك هو دليل على صحة مقولة: إن كل حرب أو صراع مسلح ينتهي بالتفاوض.

فقد شنت إدارة ترامب الحرب على إيران تحت ذريعة تغيير النظام الذي يسعى لامتلاك سلاح نووي بحسب السردية الأمريكية، أي أن الهدف الأمريكي المعلن من الحرب كان هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وأن تحقيق هذا الهدف يتم من خلال توجيه ضربات لأهداف عسكرية ومدنية إيرانية منتقاة واغتيال رموز الحكم والقيادات العسكرية والأمنية والدينية وأصحاب النفوذ، مما يترتب عنه انهيار النظام وتمكين «المعارضة» من السلطة، ومن ثم تستطيع أمريكا أن توقف البرنامج النووي وتستحوذ على اليورانيوم المخصب، أو كما يسميه ترامب «الغبار النووي»، وتصبح القصة من الماضي، ويرتفع مؤشر شعبية ترامب داخليًا إلى أقصى معدلاته باعتبار أنه قد حقق ما عجز عن تحقيقه أسلافه من الرؤساء الأمريكيين، وتمتد «بطولته» بسبب هذا العمل الخارق إلى النطاق العالمي باعتباره قد خلص الإنسانية من أكبر خطر ظل يهددها وعجز الجميع عن إيقافه إلا هو؛ وبالتالي يستحق منحه جائزة نوبل للسلام، وهو حلم ظل يراود الرئيس ترامب منذ بداية ولايته الأخيرة هذه، وعبر عنه مرارًا وتكرارًا في مدوناته وتغريداته العديدة.

ولربما لا يزال يراوده هذا الحلم الكبير رغم كثرة المياه التي جرت تحت الجسر، ومن غير المستبعد أن تكون قد جرفت معها هذا الحلم، لكن طموح الرئيس ترامب لا تحده حدود، ولا يجرفه سيل مهما كانت قوته، وهو لا ييأس من انتظار اللحظة التي يرى فيها الخنازير، وهي تطير في خفة الحمائم!

فشل الرئيس ترامب ومن ورائه عراب الحرب نتنياهو في تحقيق الهدف فشلًا ذريعًا أصبح محل اتفاق الجميع في الداخل الأمريكي، وانعكس هذا الفشل في تحقيق الهدف من الحرب سلبًا على شعبية الرئيس ترامب، فتدنت إلى مستوى غير مسبوق.

وتضافرت ثلاثة عوامل في تدني شعبية الرئيس ترامب: العامل الأول هو رفض الشارع الأمريكي المبدئي للحرب على إيران.

والثاني الفشل في تحقيق الهدف من الحرب، وهو تغيير النظام والوصول لليورانيوم المخصب.

والثالث ارتفاع أسعار الوقود في الأسواق الأمريكية بسبب إغلاق مضيق هرمز الذي تسبب فيه الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية، ونتج عنه تعطيل الملاحة، ووقف تدفقات النفط عبر المضيق إلى الأسواق العالمية.

وقد تبلور هذا الرفض الشعبي للحرب في صورة استياء عام من سياسات إدارة ترامب والحزب الجمهوري، وانعكس ذلك بصورة تلقائية ومباشرة في الانتخابات النصفية؛ حيث تظهر النتائج الأولية حتى كتابة هذا المقال تقدم الديمقراطيون على الجمهوريين في مجلسي النواب والشيوخ بفارق كبير.

وقد اعترف الرئيس ترامب تعليقًا على هذه النتائج الأولية بأن ملف الحرب على إيران كان وراء خسارة حزبه!

وقد كان قبل أيام يطوف على مراكز الثقل لحزبه يعرض عليهم بضاعة الحرب على إيران باعتبارها إنجازًا يستحق به المساندة والتأييد له ولحزبه في انتخابات التجديد النصفي، ويعدهم بأنه سوف يستكمل ما نقص منها عقب الانتخابات بضربة وصفها بـ «القاسية» والأخيرة على إيران، لكن كانت ضربة الخسارة في الانتخابات النصفية هي «القاسية»، وقد لا تكون «الأخيرة».

وانطلاقًا من هذا الواقع «الأليم» الذي أوجده ترامب بنفسه «يداه أوكتا وفاه نفخ»، وبناء على اعترافه الواضح بأن الملف الإيراني هو السبب في الخسارة؛ فإنه من المتوقع منطقيًا أن يعمد الرئيس ترامب وحزبه على إصلاح ما أفسده الصقور في البيت الأبيض الذين كانوا يقرعون طبول الحرب على الدوام في تناغم مع مقطوعة الحرب التي ظلت تعزفها جوقة «آيباك» صباح مساء.

إن مستقبل الحزب الجمهوري أصبح في كف عفريت وقدرة ترامب على إدارة الملف باقتدار باتت في المحك، وما تزال الفرصة أمامه سانحة لإصلاح ما فسد؛ نعم في مقدور الرئيس ترامب تدارك الأمر بالعودة إلى المسار التفاوضي، وهو مسار أقل تكلفة، وأكثر أمانًا، وفوق هذا كله هو الأقصر مسافة من بين كل المسارات الأخرى، هو كالخط المستقيم الذي يعرفه أهل الهندسة بأنه «أقصر مسافة بين نقطتين».

وقد بذلت عُمان النصح وما انفكت تبذله بأن التفاوض هو الحل الأفضل بل الأوحد، ولكن لم تستبين الإدارة الأمريكية النصح إلا ضحى الغد.

إن العودة للمسار التفاوضي بعد هذه الخسارة التي مني بها الحزب الجمهوري تصبح واجبًا أخلاقيًا، وليس اختيارًا سياسيًا باعتبار أن نتيجة الانتخابات النصفية كانت استفتاء شعبيًا حول الحرب كانت نتيجته الرفض، كما أن المضي في مسار الحرب يعني المزيد من تفاقم الوضع الاقتصادي وارتفاع أسعار الوقود في الداخل الأمريكي؛ حيث لم تفلح السياسات البديلة التي عول عليها ترامب لتخفيض أسعارها، ومنها استيراد الديزل من روسيا، واتضح أن كل المحاولات لملأ الفراغ وسد الفجوة كانت حرثًا في البحر.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه في هذا الصدد هو هل طريق عودة واشنطن للمسار التفاوضي ممهدة ومعبدة - وبنفس الشروط الأمريكية - كما كانت بالأمس القريب؟

الإجابة قطعًا لا، والسبب هو أن نتيجة الانتخابات النصفية ألقت بظلالها على المشهد كله، فضلاً عن أن طهران ظلت تراهن عليها في إضعاف موقف الرئيس ترامب وحزبه، وها هي ترى أنها قد كسبت الرهان، وجاءت رياح الانتخابات بما ظلت تشتهيه سفن طهران؛ لذلك فإنه من المتوقع أن ترفع طهران سقف شروطها، وتضاعف ثمن عودتها لطاولة التفاوض؛ فهي تريد الضرب على الحديد وهو ساخن لتشكيله على الصورة التي تريدها بعد أن تيقنت من أن ظهر ترامب أصبح مكشوفًا وبلا سند قوي.

والمفارقة المثيرة للدهشة في طريقة إدارة إدارة الرئيس ترامب للحرب والصراع مع إيران هي أنها ظلت تعطي إيران - بغير قصد - أوراق ضغط تنجح إيران في استخدامها ضدها دون أن تخطط لذلك، ولعل قضية مضيق هرمز كانت هي أكبر أوراق الضغط الأمريكية الممنوحة لإيران وأكثرها أهمية.

فلولا الحرب التي شنتها عليها لما أغلقت طهران المضيق الذي أضر بالداخل الأمريكي وحول الأنظار عن قضية البرنامج النووي الإيراني، وأصبح قضية رأي عام عالمي، وعجزت عن فتحه وإعادته سيرته الأولى، واستخدمته إيران كورقة ضغط آتت أكلها، وأصبحت هي الصك الذي بموجبه ستعود للتفاوض؛ فالشروط الإيرانية السبعة تتمحور كلها حول هذه الورقة.

والورقة الثانية من أوراق الضغط التي منحتها واشنطن لإيران خطأ هي اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وعدد من القيادات المعتدلة؛ حيث خلف هذه القيادات المعتدلة قيادات أكثر تشددًا وراديكالية؛ فعلى سبيل المثال كانت لخامنئي فتوى بتحريم السلاح النووي وهو مدخل كان مناسبًا يتيح الفرصة للتوصل لتفاهم عبر المفاوضات يفضي لاتفاق مرضٍ للجانبين لو لم تتعجل الإدارة الأمريكية مدفوعة بتحريض إسرائيلي إلى اغتيال خامنئي، والأمر الأكثر غرابة أن ترامب ظل يشكو إلى وقت قريب بأنه لا يجد من يتفاوض معه!

الورقة الثالثة من أوراق الضغط ضمن هذه المفارقة هي أن الحصار الاقتصادي، أو ما عرف أمريكيًا بالمنبوذ الاقتصادي الذي ضيق الخناق على إيران، ووضعها على حافة الانهيار الاقتصادي جعلها تتمسك بشدة وتشدد بشرط الإفراج عن أصولها المجمدة؛ حيث أصبحت هذه المسألة مسألة حياة أو موت بالنسبة لها يستحيل أن تتنازل عنها، وهو ما سيجبر واشنطن للرضوخ في نهاية المطاف والقبول بالشرط الإيراني، وغيرها من الشروط الأخرى مضطرة غير مختارة.

ويأتي تكرار نقض واشنطن لتعهداتها ثلاث مرات كورقة ضغط رابعة عليها منحتها إيران؛ حيث بنى هذا الفعل الأمريكي جدارا سميكا من عدم الثقة لدى طهران في التعهدات الأمريكية مما سيجعلها تصر على طلب ضمانات ملموسة مقدمًا لأي اتفاق قد يطرح على طاولة المفاوضات.

وخامسة الأوراق هي أن تراخي واشنطن في الدفاع عن حلفائها ضد الهجمات الإيرانية المتكررة عليها دفع ولو نظريًا هؤلاء الحلفاء إلى التفكير في البحث عن مظلة أمنية أخرى أكثر أمانًا.

وثار الجدل وتصاعد حول ضرورة بناء مظلة أمنية ذاتية تضم دول المنطقة تحكمها المصالح الاقتصادية المشتركة، وتوفر الأمن من خلال صيغة توافقية تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول واحترام سيادة ووحدة أراضيها، واعتماد الحلول السلمية في فض النزاعات بينها، وتأمين انسياب الملاحة عبر المعابر المائية بالمنطقة وفقاً للقانون الدولي، وهذا في حد ذاته يأتي على حساب النفوذ الأمريكي بالمنطقة، وينتقص منه لصالح قوى أخرى إقليمية ودولية لها علاقات طيبة ومتطورة مع دول المنطقة.

إن فرص عودة أمريكا للحرب مرة أخرى أصبحت محاصرة بعدة عوائق؛ فقد استنفدت قواها العسكرية التقليدية التي لم تجد نفعًا حتى تصاعد الحديث عن احتمال استخدامها السلاح النووي ضد إيران كخيار أخير، وهو احتمال لا تسنده وقائع، ولا يقوم على معطيات واضحة وغير مرجح في ظل التشاكس القائم بين الديمقراطيين والجمهوريين وصراع النفوذ المحتدم بينهما؛ هذا فضلًا عن أن استخدام السلاح النووي بذريعة منع إنتاج سلاح نووي يفرغ الدعوى الأمريكية من محتواها الأخلاقي، ويدحض حجتها التي روجت لها بأنها الحارس الأمين للعالم ولمنطقة الخليج والشرق الأوسط من هجمات إيران النووية فيما لو امتلكت السلاح النووي.

وهكذا أدخلت إدارة ترامب نفسها في مأزق ورفعت من حيث لا تقصد من كلفة الخروج من المأزق سلمًا أو حربًا.

وتبقى جهود عُمان وقطر وباكستان هي الفرصة الأخيرة لنزع فتيل الأزمة وإنهاء حرب ما كان ينبغي لها أن تنشب، ولا أن تستمر طيلة هذه الشهور لو أُفسح المجال للوساطة العُمانية أن تستكمل دورها الذي كان قد شارف على الانتهاء.