أفكار وآراء

حتى لو تخلصت الديمقراطية الأمريكية من ترامب فستمضي أوروبا قدمًا

ترجمة: أحمد شافعي

عندما دخل جو بايدن البيت الأبيض في 2021 كان بالإمكان الاعتقاد بأن عهد دونالد ترامب كان استثناء؛ إذ أعلن الرئيس الجديد بعيد فوزه بسباق 2020 أمام القادة الأوروبيين المستبشرين أن «أمريكا رجعت، وأن التحالف العابر للأطلنطي رجع». وقد صدق، لكن ليس إلى أمد بعيد.

لقد أثبتت هزيمة ترامب أن الديمقراطية الأمريكية عملية ميكانيكية، لا قوة ثقافية؛ فقد لجأ أنصاره إلى العنف لمنع تنصيب من يخلفه. وكان ينبغي استبعاد توليه فترة رئاسة ثانية.

وكان ينبغي للجمهوريين ممن لم يدينوا شغب السادس من يناير أن يفقدوا القابلية للفوز الانتخابي، فإذا بالناخبين الأمريكيين في غضون أربع سنوات يعيدون تنصيب بطل الانقلاب الفاشل على دستورهم العزيز، ويجعلونه القائد الأعلى للقوات المسلحة.

يجدر بهذا ألا يبرح الذاكرة في أي تحليل لانتخابات تجديد الكونجرس النصفية. ولقد كان التصويت جاريا وقت كتابتي هذه السطور.

وكانت استطلاعات الرأي السابقة للتصويت تظهر تقدم الديمقراطيين، لكن هذا مؤشر إلى فداحة الخطر الذي عرَّض ترامب الديمقراطية له، حتى لم يعد بإمكان أحد أن يتنبأ نبوءة واثقة بأن تكتمل هذه العملية على نحو سلمي متبوعة بفرز عادل.

وأقصى ما يذهب إليه القول هو أن الانتخابات لم تتعرض للإجهاض، ولا اعتراها التزوير في عشية الاقتراع، وهو ما يعطي أملا في أن عملية التصويت يمكن أن تتم نظريا.

وليس في هذا وقاية من رئيس ذي سجل في إنكار النتائج التي لا تروق له وحزب يناصر في خنوع كل وسيلة للضغط يستعملها الرئيس لتعزيز سلطته.

لقد بقي لترامب عامان في السلطة، ومن ثم فإن لديه مجالا فسيحا لمعاقبة الخيانة ومكافأة النفاق. وفي مواجهة الاختيار بين نزاهة الانتخابات والفساد الحزبي تشير السوابق إلى أن من يؤثرون الفضيلة الدستورية من الجمهوريين ما هم إلا قلة.

فالانهيار الأخلاقي في الحزب الحاكم واضح لبعض الناخبين، ولكن تلك الجماعة ـ من الناخبين المناهضين للاستبداد ـ هي جماعة تصوت دائما للديمقراطيين.

أما في الوسط حيث يوجد الناخبون المتأرجحون فإن ترامب يعد عبئا على الجمهوريين؛ لأن الناس يشعرون بخيبة الأمل بسبب الاقتصاد، وبسبب كونه أكثر اهتماما بإنشاء قاعة رقص لنفسه في البيت الأبيض منه بتوفير الأساسيات من السلع للجميع.

كان من شأن سياسي منضبط ومحنك أن يركز على خنق المعارضة الداخلية، وتفكيك الرقابة المؤسسية المفروضة على الرئاسة بدلا من أن يطلق على إيران حربا عقيمة استراتيجيًّا ومخربة للاقتصاد المحلي.

وقد ألحق سوء الحساب هذا ضررا بترامب. وأثار غضب المؤمنين بـ«أمريكا أولا» ممن ظنوا أنه يعارض الحروب الأبدية في الشرق الأوسط.

وقد تسبب إغلاق مضيق هرمز في ارتفاع التكاليف على الناخبين ممن كان دافعهم للتصويت للجمهوريين في انتخابات 2024 هو ارتفاع التضخم قبل ذلك الاقتراع.

لا يملك الديمقراطيون ترف التدقيق في الطبائع المختلفة للتصويت المناهض لترامب. فلو أن الاقتصاد هو ما يكترث لأمره الشعب فليكن هو محور الحملة.

ولو أن خيارا طموحا ومتهورا في السياسة الخارجية تم اللجوء إليه في فبراير، فأدى بشكل غير مباشر إلى انتخاب كونجرس أقدر على محاسبة الرئيس، فذلك بالقطع خير من سيناريو يمر فيه هذا الفشل مرور الكرام.

ولكن هذا يترك الحجة غير مكتملة بمثل ما كان فوز بايدن في 2020 غير حاسم بالقدر الكافي؛ فالقضية التي لم يرسخها بعد المدافعون عن الديمقراطية الأمريكية هي التي تفسر قرارات ترامب الخاطئة باعتبارها نتيجة حتمية لمعتقداته، وليست محض انحرافات مخيبة للآمال عن المسار السليم.

لو أن المجتمع الأمريكي قد تبنى حقا وبحماس المبادئ الراسخة في دستوره لما كان من سبيل للوقوف في وجه حملة تفضح ترامب باعتباره رئيسا معتديا على الأخلاقيات التأسيسية، لكن الحملة جُرِّبت ومنيت بالفشل.

فقبل أن يتنحى بايدن في منتصف السباق سنة 2024 سعى إلى تأطير مسعاه لإعادة الانتخاب باعتباره منافسة وجودية على روح النظام السياسي للولايات المتحدة.

فقال: إن ترامب مستبد، وإن تبنيه لتمرد السادس من يناير سبب قاطع لعدم السماح له بالاقتراب من المكتب البيضاوي مرة أخرى.

وقال في مسيرة في بنسلفانيا: «إن القضية الأشد إلحاحا في هذا الوقت هي ما لو أن الديمقراطية لا تزال قضية مقدسة».

وحينما تولت كمالا هاريس الترشيح الديمقراطي، أثارت القضية نفسها؛ إذ قالت قبل أسابيع من يوم الاقتراع: إن ترامب «مختل مضطرب» يسعى إلى «سلطة لا رقيب عليها»، فإذا بأمريكا تقرر أن ثمن البيض شاغل أكثر إلحاحا.

ولعل ولاية ترامب الثانية تحقق ما لم تحققه الأولى؛ فلعل مزيدا من التعرض لسلالة أشد فتكا من الفيروس أن تولد أجساما مضادا في الجسد السياسي الأمريكي لم تولدها السنوات الأربع الأولى.

ولو أن الأمر كذلك فلن يكون لدينا دليل عليه في أي وقت قريب؛ فالأمة التي تجتنب الدكتاتورية بالحظ، ولمجرد أن طاغية مبتدئا كان يفتقر إلى الحذق الاستراتيجي الكافي لإكمال مهمته لا تبدو أمة محصنة على المدى البعيد.

وهذا درس تعلمه حلفاء الولايات المتحدة من الراحة الزائفة التي استشعروها حينما قال بايدن: إن أمريكا القديمة رجعت.

فالديمقراطيات الأوروبية تتكيف ببطء مع عالم لا يمكنها فيه افتراض صداقة الولايات المتحدة؛ فالاعتماد على مظلة الدفاع الأمريكية وما لدى الولايات المتحدة من تكنولوجيا متقدمة بات يعد الآن ضعفا استراتيجيا لا بد من معالجته بأسرع ما يمكن.

بالنسبة لبريطانيا يمثل ترامب محركا يدفع إلى مزيد من التكامل مع أوروبا؛ فالسياسة التجارية التي انتهجها، وتجمع بين الحمائية المفرطة والتوسع الإقليمي دمرت القضية الواهية التي قام عليها الخروج من الاتحاد الأوروبي (البريكست)؛ إذ جعل من الاتفاقيات العابرة للأطلنطي غير القائمة بديلا للسوق الأوروبية الواحدة.

وتساهل البيت الأبيض مع فلاديمير بوتين وازدراؤه للناتو يجعلان من الصعب الحفاظ على فكرة أن للملكة المتحدة نفوذا ناجما عن «علاقة خاصة» مع واشنطن.

من الممكن تحقيق شيء من استرداد الثقة في أمريكا ما بعد ترامب، ولكن كذلك هو حال انتشار القومية الترامبية في أوروبا.

فانتخاب حكومات يمينية متطرفة يمكن أن يجهد مؤسسات ما بعد الحرب العالمية الثانية، ويكسرها في نهاية المطاف، وهي التي تأسست على تعهدات بعدم السماح لأعداء الديمقراطية الليبرالية بإغراق القارة في دوامات الكراهية والحرب.

لقد كان ينبغي لذلك التاريخ أن يكون بمنزلة التحصين لكلا جانبي الأطلنطي. ولما حان الوقت حقا، لم تفلح حكايات القرن العشرين مع الناخبين الأمريكيين.

ولم تلق التحذيرات آذانا مصغية حينما ظهرت نوايا استبدادية مألوفة متخفية بعض الشيء في هيئة النجوم المعاصرة، ومتحدثة بلسان أمريكي.

والتحدي الذي يواجه الديمقراطيات الأوروبية الآن هو الانكباب على ذلك الدرس، وعلى الحكاية التحذيرية لهشاشة الدفاعات الأمريكية ضد الاستبداد في القرن الحادي والعشرين، وتحويل ذلك إلى حملات تمنع وقوع مثله هنا في أوروبا.