ضحية إعلان تجاري.. تسـعـة أشـهـر بلا إجابة
الأربعاء / 23 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 19:40 - الأربعاء 4 نوفمبر 2026 19:40
تنوعت واختلفت أشكال وأساليب الاحتيال التجاري الإلكتروني في عالمنا هذا، ولم تعد مقتصرة فقط على الرسائل المجهولة والروابط المشبوهة، بل تطورت لتأخذ منحى آخر أكثر احترافية من خلال الزج بأسماء شركات تجارية معروفة بسمعتها وصيتها في السوق العُماني.
ويستخدم المحتالون أساليب جديدة في صياغة الإعلانات بحيث تبدو وكأنها حقيقية من خلال توظيف صور ومقاطع إعلانية ودعائية لمشاهير ومؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي بمختلف أشكالها؛ بهدف كسب ثقة المستهلك واستدراجه لتحويل أمواله.
ومن واقع تجربة شخصية، اطلعت على إعلان عبر منصة «إنستغرام» لإحدى شركات التأثيث المعروفة في سلطنة عُمان، تضمن اسم الشركة وهويتها التجارية، وكان هذا الإعلان للأسف الشديد مرتبطًا بمقطع دعائي لمشاهير السوشيال ميديا، ما عزز ثقتي بالسلعة والمنتج المعروض عبر المنصة، ودفعني إلى التواصل مع الرقم المرفق في الإعلان عبر تطبيق «واتساب». ومما أثار الدهشة والاستغراب سرعة التفاعل من قبل المعلن المحتال مع تقديم تفاصيل المنتجات والأسعار مصحوبة بإغراءات وعبارات تحث على ضرورة الشراء في اليوم نفسه بحجة أن العرض سينتهي بعدها وتعود الأسعار إلى مستوياتها السابقة.
وبعد محادثات مطولة عبر تطبيق «واتساب» عرض عليّ المعلن المحتال فاتورة تحمل اسم الشركة وختمها وتوقيعًا، حتى يوهم الضحية بصحة الإعلان ومصداقيته. وبعد عملية الإقناع، أو بالأحرى استمالة الرغبة في الشراء، طُلب مني تحويل قيمة السلعة إلى حساب مصرفي لدى أحد البنوك في سلطنة عُمان مع وعد بتوصيل المنتجات في اليوم التالي.
وفي اليوم الموعود لوصول الطلب بدأت تنكشف حقيقة المحتال؛ حيث انقطع التواصل ولم يعد يرد على رسائل «واتساب»، كما تعذر الاتصال بالأرقام المستخدمة أو الوصول إلى أصحابها، ليتضح أن الأمر يتعلق بعملية احتيال استغلت هوية تجارية معروفة ومستندات مزيفة لإيهام المستهلك بمصداقية التعامل.
وعلى إثر ذلك تقدمت ببلاغ إلى إحدى الجهات المختصة بتلقي البلاغات في مسقط، وأرفقت به محادثات «واتساب» والفاتورة ورقم الحساب المصرفي الذي استقبل المبلغ إلى جانب جميع المستندات والقرائن المتاحة التي تثبت واقعة الاحتيال.
غير أن ما يثير الاستغراب أن تسعة أشهر مضت على تسجيل البلاغ دون أن تصلني إفادة واضحة بشأن مستجدات القضية أو مصير المبلغ المحول رغم توفر بيانات الحساب المصرفي ورقم الهاتف والمراسلات الإلكترونية التي يمكن أن تشكل خيوطًا مهمة للتحقيق.
ومن هنا نتساءل: كيف يمكن أن تستمر عمليات الاحتيال والنصب باستخدام حسابات مصرفية مقيدة في بنوك عمانية وأرقام هواتف فاعلة افتراضيًا (واتسابيًا) بينما ينتظر الضحايا معرفة مصير بلاغاتهم؟ ألا يمكن للجهات المختصة بالتنسيق مع البنك المعني تتبع الحساب المستفيد والتحقق من هوية صاحبه ورصد التحويلات المالية والحسابات التي تنتقل إليها الأموال واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لتجميد الأموال محل الاشتباه عند توافر مسوغاتها؟
في مثل هذه الممارسات لا تقتصر خطورتها فقط على الخسائر المالية، بل تمتد إلى استغلال سمعة المؤسسات التجارية والإضرار بثقة المستهلكين في السوق. كما أن وجود المحتال خارج سلطنة عمان لا ينبغي أن يحول دون متابعة القضية عبر قنوات التعاون القانوني مع الجهات المعنية.
لمواجهة هذه الظاهرة وردعها يتطلب الأمر تعزيز الرقابة على الحسابات المصرفية التي تدخل إليها أموال قد تكون بشكل يومي يفوق الخيال والمنطق، خاصة إن كانت مدخولات تلك الحسابات لا تتم عن طريق رواتب أو مدخلات سابقة معروفة لدى البنك، فضلا عن مراقبة الإعلانات التجارية المضللة، والتحقق من الأسماء والأرقام التي تنتحل هويات الشركات، وإلزام المؤسسات التجارية بتوضيح قنوات البيع والتواصل الرسمية إلى جانب توعية المستهلكين بعدم الاعتماد على الفواتير والأختام والإعلانات المصورة وحدها كدليل على مصداقية التعامل.
وبعد تسعة أشهر من تقديم البلاغ، يبقى السؤال قائما: ما الذي تحقق في القضية؟ وهل يمكن الوصول إلى صاحب الحساب المصرفي، وملاحقة المتورطين، واسترداد أموال الضحايا؟
لقد كُتب هذا المقال بهدف التحذير والتوعية، وتعزيز اليقظة، والدعوة إلى ملاحقة المحتالين في ظل انتشار التقنيات الحديثة وتطور أساليب الاحتيال الإلكتروني. فحماية المستهلك لا تتحقق بالتحذير من الاحتيال فحسب، بل تتطلب إجراءات سريعة وفاعلة تلاحق المحتالين، وتمنع تكرار جرائمهم بحق ضحايا آخرين، وتحفظ حقوق المتضررين. فالبلاغ ليس نهاية المطاف، بل بداية الطريق نحو كشف الحقيقة وتحقيق العدالة.