الشمس بين دفّتي كتاب
الأربعاء / 23 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 19:37 - الأربعاء 4 نوفمبر 2026 19:37
وتبرز أهمية الثقافة في بناء المجتمعات، وتقلّل من شعورنا بالإحباط كلما سمعنا حديثًا عن تراجع أعداد القرّاء، وانصراف الناس عن القراءة، وكساد الكتب في المكتبات، والكثير منّا شاهد بألم صورة صاحب متجر بيع الكتب الذي جلس بباب متجره ينتظر المحتجّين في فرنسا الذين قاموا بأعمال نهب المحلات بدلًا من أن يغلقه خوفًا من هجومهم عليه،
بل وضع لافتة كتب عليها «أهلًا بكم.. المحل مفتوح»، وراح يشرب فنجان قهوته خلال انتظاره لهم، ولم يلتفت إليه أحد، ومَنْ يترك محتويات محلّات بيع الملابس والعطور والمجوهرات والأجهزة الإلكترونية، ليسرق كتابًا، حتى لو كان رواية لفكتور هيجو، أو بلزاك، أو كتابًا لفولتير، أو جان بول سارتر؟ وبدلًا من مراقبته مشهد الجماهير الغاضبة بقلق، واصل جلسته، وهو يحدّق في فراغ فنجان قهوة، وسبب عدم قلقه على كتبه معرفته أنها بضاعة كاسدة، وليس فيها ما يدعو للسرقة، ويغري اللصوص، فانصرفوا عنه، وتوجّهوا إلى محلات العطور والجواهر والأجهزة الإلكترونية ليخرجوا حاملين «ما خفّ حمله، وغلا ثمنه» كما يقول المثل العربي السائر مؤكدين العبارة المتداولة التي تُنسب للكاتب عباس محمود العقاد: «الذين يقرؤون لا يسرقون واللصوص لا يقرؤون».
وقد رأى البعض أن ما قام به اللصوص أمر ينسجم مع المنطق؛ فحين تضع الكتاب أمام المجوهرات، أو العطور غالية الثمن، والملابس، والحقائب النسائية ذات الماركات العالمية؛ فبالتأكيد أنّ الكفّة الراجحة لن تكون لصالح الكتاب، ولكن انتشار الصورة التي أعادت إلى الأذهان عبارة نابليون بونابرت «الصورة الجيدة خير من الخطاب الطويل»، ومنها استقى الأمريكي فريد ر. بارنارد عام 1921م عبارته الشهيرة «الصورة تساوي ألف كلمة» أعطى فكرة ساخرة عن حال الكتاب في الغرب.
فما عاد الكتاب يغري عامة الناس سواء كان بثمن، أم دون ثمن؛ فالتحوّل الرقمي أثّر على سوق الكتاب الورقي، وصار الكثيرون يقرؤون الكتب إلكترونيًا.
كما أن المكتبات صارت تواجه تحدّيات عديدة من بينها ارتفاع أسعار الإيجارات، فأغلقت أبوابها، والبعض منها حوّل أجزاءً منها إلى مقاهٍ ثقافية، والكثير من القرّاء صاروا يفضّلون شراء الكتب من المنصات مثل أمازون، ومنصات التواصل الاجتماعي لبيع الكتب.
وقد حدّثني صديق خليجي أن صديقًا له افتتح مكتبة، ولم يوفّق، ويومًا بعد يوم بدأت الخسائر تتراكم، فاضطرّ إلى تحويل المكتبة إلى سوبر ماركت، وجعل المكتبة جزءًا منه، وبعد أيام دبّت الحركة بالسوبرماركت، وبدأت النتائج الإيجابية تظهر، غير أن الجزء الوحيد الذي ظلّ خاملًا وعبئًا على (السوبرماركت) هو الركن المخصّص لبيع الكتب!
ومن اللمسات الجديدة اللافتة للنظر جناح (التاريخ والذاكرة) الذي يسرد تاريخ الجزائر معتمدًا على تقنية تقوم بدمج المعرفة الإنسانية بالتطوّر التكنولوجي من خلال الإسقاط الضوئي ثلاثي الأبعاد.
أما حفلات توقيع الكتب فلم نرَ فيها دموع الكاتب الجزائري التي سقطت عندما لاحظ أن أحدًا لم يحضر حفل توقيع كتابه الجديد غير صديق له، كما انتشر، وكان يبكي قسوة الحقيقة المرّة، وهو يرى أن القاعة خالية إلّا من كتابه الذي تكدّس أمام عينيه؛ فحفلات التوقيع كانت مليئة، وقد توزّعت على الأجنحة وفق جداول وتوقيتات محددة بالاتفاق مع إدارة الصالون بحضور وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، والأصدقاء والقرّاء الذين يرون الغد مضيئًا حينما يشرق من دفّتي كتاب.