العرب والعالم

أهالي الخليل.. أفشلوا محاولات الترحيل

 

رام الله - محمـد الرنتيسي
كل شيء تغير فجأة في مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية، الأطفال لم يفهموا ما الذي حدث.. أسئلة كثيرة على الوجوه، أطفال ونساء بلا مأوى، يشقّون في الصخر، كي لا يفترشوا الأرض بعد أن التحفوا السماء، لكنهم يرفضون الرحيل.


قبل 10 أيام، بدأت قوات الاحتلال حملة عسكرية شرسة على مدينة الخليل كبرى مدن الضفة الغربية، ودمرت منازل ومتاجر، واعتقلت العشرات من المواطنين، وشردت المئات.
الحملة تركت خلفها دماراً هائلاً، ومئات المشردين الذين دفعوا ضريبة العدوان.. قلب المدينة تحول إلى سجن غير آمن، والخليل باتت في القبضة الحديدية المنفلتة، والمفعمة بدوافع الانتقام.


الدبابة الإسرائيلية التي كانت تقف خلف والدة الشهيد محمـد الجعبة، أحد منفذي عملية فرش الهوى بالخليل، والتي أودت بحياة جنديين إسرائيليين، لم تكن في مهة عسكرية كما قد يبدو لأي مشاهد، فالصورة حقاً في عالم غير عالم الاحتلال تثير لُبساً، الدبابة هنا كانت تحرس مهمة هدم لبيت المواطنة.. الدبابة تبدو خائفة ومرعوبة ومتحفزة وعروق عنقها منتفخة.. والمواطنة تبدو في كامل الحيرة، مكتوفة اليدين، وكأنها لا تصدق.. وجودها على الأرض هو الأداة الوحيدة للاحتجاج والمقاومة.. يبدو الإصرار على الوجود واضحاً في هيئة جلوسها أمام المنزل.
عشرة أيام، عاشت خلالها مئات العائلات تحت وطأة 'حظر التجول' في قلب الخليل، تطلّ على الفضاء والشوارع الخالية 'إلا من عشرات الجنود المحتلين' من وراء قضبان النوافذ، فيما اجتهد عشرات الآباء والأمهات في تحسين حياة أطفالهم 'داخل السجن'.


مخططات تهجير..
ظلت عائلات الخليل، قيد اللجوء القسري الذي فرضته الحملة العسكرية الإسرائيلية وكانت تستهدف اقتلاعها من المكان، حيث للهواء والتراب نكهة خاصة بالنسبة لأهالي الخليل، أكبر من مجرد مساحة فوق الأرض.. إنه 'الوطن الصغير' الذي يتشبثون به مواصلين فيه قصة حياة مديدة، نشأت قبل مجيء المحتلين الغاصبين.


'لا مكان نواصل فيه حياتنا سوى هذه الأرض' قال أحد أفراد عائلة الجعبة المستهدفة، بينما كانت الجرافات الإسرائيلية تقوم بدورها في تجريف ركام منزل العائلة، في محيط حاجز فرش الهوى.


هنالك منازل أخرى قريبة، لكن الوصول إليها كان ممنوعاً، بمقتضى الأمر العسكري 'منطقة عسكرية مغلقة' فيما بدا لأهالي الخليل، أن الحملة العسكرية التي بدأت أول فصولها يوم 23 أكتوبر، تبدو مفتوحة على احتمالات ربما تكون أكثر قسوة من تهجيرها قسراً.


ولم تبدأ قصة عائلة الجعبة، مع قوات الاحتلال، مع الحملة العسكرية، فما يحدث يمكن اعتباره جولة من الحرب الإسرائيلية المستمرة على أهالي الخليل، فأن تعيش في قلب بلدتها القديمة، وأن يشتمك سوائب المستوطنين، وينكّل بك جنود الاحتلال صباح مساء، وأن تزاول حياتك اليومية تحت تأثير قبضة فولاذية منفلتة، ومتأهبة على الدوام لقمع المواطنين كلما تطلّب المزاج الإسرائيلي ذلك، وأن يطالبوك بالرحيل من بيتك، وتنال نصيبك من الضرب والتنكيل إذا ما أبديت احتجاجاً أو تذمراً، فهذا جزء يسير من تفاصيل حياة يومية، لمن يعيشون 'الجوار الأسوأ' مع حفنة من المستوطنين.


'بات احتجاجنا على ممارسات جنود الاحتلال والمستوطنين، يبعث على الغضب لديهم، فيضاعفون عقابهم وانتقامهم' قال مواطن آخر، يقيم في المنطقة الواقعة في منطقة فرش الهوى، مسرح العملية العسكرية الإسرائيلية، موضحاً أن جنود الاحتلال استخدموا أسطح المنازل الفلسطينية، وأقاموا عليها نقاطاً عسكرية، كانت تنطلق منها اقتحاماتهم الوحشية للمنازل، محولين الأهالي في تلك المنطقة إلى 'رهائن حرب'.


في المصيدة..


وفي مدينة الخليل، تواصل حرب الاحتلال المستعرة تسجيل آثارها اليومية على نوافذ وواجهات المنازل، فترى آثار الزجاجات الحارقة التي يلقيها مستوطنون على منازل الفلسطينيين، فيما آثار الرصاص على الجدران، لكنها بالنسبة للعائلات المقيمية في قلب البلدة القديمة من الخليل، غدت اعتيادية، وباتت جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، فالخليل هي المدينة الفلسطينية الوحيدة في الضفة الغربية التي يسكنها مستوطنون متطرفون.


ويقرأ أهالي الخليل الحملة العسكرية الإسرائيلية عليهم بتجليات مختلفة، فهم يرون في هدم وتجريف المنازل والمحال التجارية، ما تمليه 'حكومة المستوطنين' على الجنود المسكونين بدوافع الانتقام، وهذا استنتاج بديهي لما جرى، تؤكده سلسلة القرارات العسكرية الإسرائيلية، المعلنة وغير المعلنة، والتي حولت منطقة حاجز فرش الهوى، إلى كومة من ركام.


وخلال العملية العسكرية، أدمن أهالي الخليل الوقوع في مصيدة الجنود وسوائب المستوطنين، إذا غالباً ما كانوا يجدون أنفسهم وجهاً لوجه مع الأوامر العسكرية بـ'منع التجول' التي لُقنت للجنود من قادتهم، وبحسب تلك الأوامر فإن أصابع الجنود القابضة على الزناد، تبقى طليقة في اتخاذ ردة الفعل التي يرونها مناسبة.


كانت قوات الاحتلال تعلن عبر مكبرات الصوت عن رفع حظر التجول لبعض الوقت، فينطلق المواطنون المحاصرون من منازلهم بسرعة، لتأمين احتياجاتهم الضرورية، وفي غضون دقائق ودون سابق إنذار، يكون الجنود قد عادوا لمزاولة تنفيذ الحظر، ليقع المواطنون في المصيدة.. وهنا يبدو مناسباً بالنسبة لجنود الاحتلال إغراقهم بالقنابل الغازية، ناهيك عن 'حفلات' القمع والتنكيل، حتى لو كانوا على أبواب منازلهم!.


في الخليل، تتفتح عيون المواطنين على ما هو أبعد من القمع والتهجير، وهم يواجهون إرهاب المستوطنين بصمودهم 24 ساعة في اليوم، في صورة يصعب استحضارها، ويبدو للقصة بقية، فالصراع من أجل البقاء في مدينة تاريخية يتهددها حفنة من المستوطنين، كفيل بأن يُبقي العدوان متاحاً في أي وقت، لكيان عنصري، طالما بقي استثناءً حيال قوانين الشرعية الدولية.


الحملة في سطور..
خلال العدوان على مدينة الخليل الذي استمر 10 أيام، برز الأثر الإنساني للعدوان، إذ نزحت 780 أسرة فلسطينية، تضم نحو 4970 فرداً، بينهم 440 مسنين، و336 طفلاً، و312 مريضاً، و216 إمرأة حاملاً، و44 من ذوي الهمم، وهناك 283 من الأسر أقاموا خلال العدوان عند أقاربهم، و266 في أماكن غير آمنة، و23 في منازل بالإيجار، واعتقلت قوات الاحتلال 110 مواطنين، وأصابت برصاصها 20 آخرين.