في أول زيارة دولة يقوم بها سلطان عُماني إلى بروناي دار السلام وقّع البلدان بيانا مشتركا يرتقي بعلاقتهما إلى «شراكة استراتيجية»، غير أن أثمن ما قيل في قصر نور الإيمان جاء في جملة واحدة من كلمة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- حين قال: إن حجم التبادل التجاري الحالي «لا يعكس بعدُ متانة شراكتنا»، وهذا الوضوح في التشخيص هو ما يمنح الشراكة الوليدة معيارا تُقاس به.
والأرقام تشهد لما قاله جلالته؛ فبحسب بيانات الأمم المتحدة لتجارة السلع لم يتجاوز كل ما اشترته بروناي من سلطنة عُمان في عام 2024 مبلغ 94 ألف دولار، وكله تقريبا حديد وصلب.
وتقول بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات: إن القادمين من بروناي إلى سلطنة عُمان حتى نهاية سبتمبر الماضي بلغوا نحو 126 زائرا.
أما رأس المال فحكايته مختلفة؛ فبلغت قيمة استثمارات بروناي في سلطنة عُمان نحو 50 مليون ريال عُماني في 2025 مقابل 2.3 مليون ريال فقط من الاستثمار العُماني المباشر في بروناي. سبق رأسُ المال إذن السلعَ والناسَ إلى الطريق.
لماذا تتأخر التجارة عن الصداقة إلى هذا الحد؟ للمسافة نصيب من الجواب، لكن النصيب الأكبر في تقديرنا للتشابه؛ فالبلدان يعتمدان على النفط والغاز، وكلاهما يبيع العالم الغاز المسال والميثانول والأسمدة، ومن يبيع العالم السلع نفسها قلّما يجد ما يبيعه لشريكه.
وتسعى بروناي مثلها مثل سلطنة عُمان إلى تنويع مصادر الدخل.
وقفزت حصة السلع غير النفطية في صادرات بروناي من 7% عام 2015 إلى 60% عام 2025، وجاء معظم القفزة من المشتقات النفطية والكيماوية كما أوضح وزير الاقتصاد البروناوي الشهر الماضي، وهو قريب مما يجري في الدقم وصحار.
وهذا التشابه نفسه هو ما يمنح مذكرة التفاهم في الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي قيمتها؛ فهي تضع «رؤية عُمان 2040» إلى جوار «رؤية بروناي 2035»، وأنفع ما يتبادله بلدان يواجهان سؤال ما بعد النفط التجاربُ التي لم تُثمر؛ فهي أندر من قصص النجاح وأغلى.
والتقى البلدان في ثروة البحر فعلا؛ فأول استثمار لشركة عُمان بروناي للاستثمار داخل بروناي كان عام 2019 في الاستزراع السمكي، وحين زار السلطان الحاج حسن البلقية عام 2022 كبرى شركات الاستزراع في بلاده كانت شركة قائمة باستثمار عُماني بروناوي مشترك.
والغذاء همّ يتقاسمه البلدان؛ فبروناي تستورد أكثر من 70% مما تستهلكه من غذاء، وسلطنة عُمان -التي يغطي إنتاجها من الأسماك 146% من حاجتها- ما زالت تستورد الكثير مما تستهلكه من اللحوم الحمراء؛ لذلك تبدو مذكرة الزراعة والثروة السمكية أقرب وثائق الزيارة إلى أن تصير مشروعات؛ فهي تبني على تجربة قائمة.
ثم إن فكرة «البوابتين» التي طرحها جلالة السلطان المعظم لها في الواقع ما يسندها، وجاءت نتيجة فهم عميق لواقع خطوط التجارة في آسيا؛ فبروناي على صغر سوقها عضو في رابطة آسيان، وفي الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة التي تغطي نحو ثلث سكان العالم، وفي الاتفاقية الشاملة والتقدمية للشراكة عبر المحيط الهادئ التي تعود جذورها إلى اتفاق رباعي كانت بروناي أحد أطرافه.
والموانئ العُمانية الواقعة خارج مضيق هرمز أثبتت قيمتها هذا العام حين اضطربت الملاحة فيه؛ فزادت البضائع المناولة في ميناء صلالة 15% في النصف الأول، لكن البوابة التي لا يقود إليها طريق تبقى جدارا فيه باب جميل، والطريق هنا خط شحن منتظم، واعتراف متبادل بشهادة الجودة.
وشركة «عُمان بروناي للاستثمار» التي تحدث عنها جلالة السلطان المعظم في كلمته أولى من يموّل هذا الطريق.
وأمام البلدين موعدان قريبان: الاجتماع التشاوري الرابع والعشرون في بروناي مطلع العام المقبل، والدورة الخامسة للجنة المشتركة في 2027. وخير ما يُقدَّم للشراكة الجديدة أن يُفتتح كل منهما بجدول صغير من أربعة أرقام: التجارة، والاستثمار في الاتجاهين، والرحلات الجوية، والزوار.
لقد صمدت الصداقة بين مسقط وبندر سري بكاوان اثنين وأربعين عاما من غير أن تحتاج إلى أرقام تسندها، أما الشراكة فامتحانها يُعقد في الموانئ وسجلات الجمارك. وقد آن للأرقام أن تلحق بالصداقة.