الزيارة السامية التي قام بها جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ إلى جمهورية الصين الشعبية ولقاؤه المهم مع الرئيس الصيني شي جين بينغ على قدر كبير من الأهمية؛ حيث حظيت تلك الزيارة التاريخية باهتمام كبير في بكين وعلى الصعيد الدولي، خاصة وأنها تعد الأولى لأحد سلاطين عمان وبدعوة من الرئيس الصيني.
تعد العلاقات العمانية الصينية علاقات تاريخية وحضارية بامتياز، وتعود إلى أكثر من ألف عام من التواصل الحضاري والتجاري والإنساني بين الشعبين الصديقين العماني والصيني، ولا تزال الشواهد التاريخية لتلك العلاقات المميزة حاضرة، يمثلها التجار العمانيون والرحلة الشهيرة للسندباد العماني، وفي العصر الحديث السفينة صحار التي عبرت البحار بالطرق التقليدية إلى مدينة كانتون في الصين في عقد الثمانينات من القرن الماضي.
كما مثل الرحالة الصينيون دورا محوريا على صعيد تسجيل اللحظات الملهمة للحياة في سلطنة عمان؛ حيث شكل التبادل التجاري فرصة ثمينة لإقامة علاقات مزدهرة رغم المسافات بين سلطنة عمان وجمهورية الصين الشعبية.
لقد مثل الاستقبال الرسمي من قبل الرئيس الصيني لجلالة السلطان المعظم في قاعة الشعب الكبرى دليلا على التقدير الكبير الذي تحظي به الزيارة السلطانية، وأيضا لمجمل علاقات التعاون منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مسقط وبكين عام ١٩٧٨.
وتعززت العلاقات التاريخية والحضارية بين البلدين في ظل الشراكة الاستراتيجية التي أقرت عام ٢٠١٨، وأصبحت الشراكة الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين كبيرة.
كما أن الزيارة السلطانية شهدت التوقيع على حزمة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم والاستثمار المشترك بما يعزز حجم العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين الصديقين.
ويعد الدور الدبلوماسي للبلدين محوريا من خلال ثوابت راسخة للسياسة الخارجية لبكين ومسقط؛ حيث التأكيد على آليات الحوار وحل المشكلات والصراعات الإقليمية بالطرق السلمية بعيدا عن لغة القوة التي أثبتت عدم جدواها في عدد من القضايا التي تدور حاليا في المنطقة؛ حيث تسبب الصراع الأمريكي الإيراني في متاعب للاقتصاد العالمي مع غلق مضيق هرمز، ووجود مناخ من عدم الثقة والاستقرار.
إن الزيارات السلطانية التي تهدف إلى تعزيز الشراكات الاقتصادية والاستثمارية مع الدول الشقيقة والصديقة خلال السنوات الست الماضية أثبتت جدواها من خلال المؤشرات الإيجابية للاقتصاد الوطني؛ حيث يبذل جلالة السلطان المعظم جهودا كبيرة ومتواصلة لوضع الاقتصاد الوطني في المكانة التي يستحقها؛ حيث يدرك جلالته ـ أعزه الله ـ أن ازدهار الأوطان لا يتحقق إلا في ظل اقتصاد مستدام ومتنوع لا يعتمد على مورد وحيد كالنفط كسلعة معرضة للتقلبات في الأسواق العالمية.
إن الزيارة السلطانية لجمهورية الصين الشعبية جاءت في وقت مهم وفي ظل سياسة تعدد الشراكات الاقتصادية، وفي ظل الاستعداد لتدشين الكثير من المشاريع الوطنية؛ حيث تقترب مناسبة العيد الوطني المجيد في العشرين من شهر نوفمبر الحالي، كما تستعد سلطنة عمان لإعلان الميزانية الجديدة في الأول من يناير القادم ٢٠٢٧ بكل ما تحمله من مشاريع وخطط حيوية لكل محافظات الوطن، علاوة على تواصل تنفيذ الخطة الخمسية الحادية عشرة وصعود المؤشرات والأرقام في بعض جوانب رؤية «عمان 2040» مع ثبات التصنيف الدولي عند الجدارة الاستثمارية.
لقد تعددت الزيارات السلطانية منذ عام ٢٠٢٠ حين تولى جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ مقاليد الحكم، وبلغت ٢٠ زيارة دولة ورسمية وخاصة لعدد من الدول الشقيقة والصديقة، شملت دولا كبرى كروسيا الاتحادية وفرنسا والمملكة المتحدة والصين علاوة على عدد من الدول العربية.
وتعد جمهورية الصين الشعبية من أبرز الشركاء التجاريين لسلطنة عمان.
وفي ظل نتائج الزيارة السلطانية الأخيرة للصين وما نتجت عنه من توقيع عدد من اتفاقيات ومذكرات التفاهم؛ فإن علاقات الشراكة الاقتصادية بين البلدين الصديقين سوف تشهد نقلة نوعية خاصة وأن الفرص الاستثمارية في سلطنة عمان كبيرة مع تنوع المناطق الاقتصادية الحرة في الدقم وصلالة وصحار، كما أن القطاع اللوجستي سوف يشكل نقلة نوعية في ظل تصاعد الأوضاع الجيوسياسية غير المستقرة في المنطقة، وما يمثله موقع بلادنا سلطنة عمان الفريد على البحار المفتوحة، كما أن قضايا الاستثمار في التقنية والذكاء الاصطناعي والتعليم والبنية الأساسية والسياحة كانت حاضرة خلال لقاء القيادتين العمانية والصينية.
كما أن البيان العماني الصيني الذي صدر في أعقاب الزيارة التاريخية لجلالة السلطان المعظم أوضح الانسجام وتوافق الرؤى سواء على صعيد الإرادة المشتركة لتعزيز التعاون بين البلدين في مختلف المجالات، وأيضا تطابق الرؤى حول قضايا المنطقة من خلال دور الدبلوماسية والحوار في حل القضايا والاحتكام إلى القانون الدولي، والتأكيد على حرية الملاحة البحرية وفق قانون البحار.
إن العلاقات العمانية الصينية تلقت دفعة كبيرة خلال الزيارة السلطانية ولقاء زعيمي البلدين الصديقين، كما أن المرحلة القادمة سوف تشهد المزيد من النمو في مجال الاستثمار المشترك علاوة على التنسيق السياسي في عدد من القضايا، خاصة حول إيجاد حلول سياسية للمواجهة بين واشنطن وطهران؛ حيث تقوم الدبلوماسية العمانية والصينية بدور مهم في خفض التصعيد والحرص على الاستقرار والسلام في المنطقة؛ حيث تضررت اقتصاديات دول المنطقة علاوة على ارتفاع أسعار الطاقة والشحن، وتأثرت سلاسل الإمداد.
كما أن الأوضاع في المنطقة دخلت مرحلة معقدة، وعلى ضوء ذلك يترقب العالم نتائج الانتخابات النصفية للكونجرس التي بدأت بالأمس، وسوف تشكل تلك النتائج دورا محوريا على صعيد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية.
ويواصل جلالة السلطان المعظم زيارات «الدولة» من خلال الزيارة المهمة لسلطنة بروناي دار السلام؛ حيث يرتبط البلدان الصديقان بعلاقات تاريخية راسخة.
وسوف يكون لقاء السلاطين في بروناي دار السلام مهما للغاية خاصة وأن الفرص الكبيرة موجودة على صعيد فتح آفاق حيوية في المجال الاقتصادي والاستثماري، وكذلك في المجال السياحي والثقافي، ويتطلع البلدان الصديقان إلى التوقيع على عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في المجالات الحيوية.
حفظ الله جلالة السلطان المعظم في حله وترحاله وسدد خطاه لتحقيق آمال وطموحات وطنه وشعبه.