أفكار وآراء

أوروبا تواجه ارتفاع عوائد السندات الأمريكية

ترجمة: قاسم مكي

في عام 1971 ردَّ جون كونالي وزير الخزانة على الشكاوى الأوروبية من سياسة العملة الأمريكية بعبارة بسيطة لا تُنسى هي «الدولار عملتنا، لكنه مشكلتكم».

بعد خمسة وخمسين عاما لاحقا وبالنظر إلى الكيفية التي تتسرَّب بها التحولات المهمة في الأوضاع المالية لأمريكا إلى باقي العالم تغيرت تلك العبارة إلى «إنها عوائد سنداتنا، لكنها مشكلتكم».

ارتفعت عوائد سندات حكومة الولايات المتحدة في الشهور الأخيرة مع صعود العائد على سند الخزانة لأجل 10 سنوات (وهو المعيار العالمي لتسعير كافة الديون) من حوالي 3.96% في فبراير إلى 5.36% في وقت مبكر من شهر أكتوبر. وهذا هو المعدل الأعلى خلال عشرين عاما.

ويتم تداوله الآن عند حوالي 5.10% (تاريخ نشر المقال 22 أكتوبر). ومؤخرا، بلغ عائد السند لأجل 30 عاما الذروة عند مستوى لم يحدث منذ عام 2002.

وراء ذلك أساسا محرّكا الدينامية الأمريكية الحالية؛ المحرّك الأول هو ازدهار نمو القطاع الخاص الذي تقوده شركات التقنية والارتفاع المصاحب له في إصدار السندات. والمحرِّك الثاني العجوزاتُ المالية التي يتزايد اتساعها باستمرار والمتزامنة مع الحاجة إلى إعادة تمويل الديون المستحقة السداد في وقت يشهد تناقص وفرة الأموال من المستثمرين التقليديين والموثوقين في سندات الدخل الثابت الأمريكية.

ضخَّمت مخاوفُ التضخم ذلك، خصوصا مع تسرب الارتفاع المستمر في سعر الديزل ومنتجات الطاقة الأخرى إلى نطاق أوسع من الأسعار.

وبالنظر إلى حجم سوق السندات الأمريكية في المنافسة العالمية على التمويل فإن ما يحدث فيها لا يظل بداخلها، بل يصل إلى البلدان الأخرى. وفي أثناء ذلك يكشف عن هشاشاتها الهيكلية.

تستفيد الولايات المتحدة، كما هي الحال في عام ،1971 من «الامتياز الفريد» الذي تنعم به بوصفها بلد عملة الاحتياط العالمية. كما تستفيد أيضا من امتلاكها للنظام المالي الأكثر عمقا والذي تَعهَد إليه البلدان الأخرى إدارة ثرواتها ومدخراتها.

في أثناء ذلك تُعاقَب أجزاء من أوروبا بسبب ضعفها الهيكلي مما يزيد الطين بلة؛ فالولايات المتحدة لم تقتصر على استيراد رأس المال من أوروبا بقطاعها الخاص الأكثر ريادة ودينامية ولكنها الآن تصدِّر ضغوطاتها المالية عبر (ارتفاع) تكاليف الاقتراض التي تؤثر على الحكومات والشركات والرهونات والعائلات.

فرنسا المثال الأوضح لذلك الآن؛ لقد أضعفها على نحو خاص تدنى النمو والمناخ السياسي المحلي الذي يتّسم بالاستقطاب الحاد قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في العام القادم.

أنتج الوضع السياسي الذي أحبط مساعي الانضباط المالي في فرنسا وضعا غريبا يتمثل في تداول سندات بلدٍ مركزي في منطقة اليورو (فرنسا) وكأنها سندات دولة طرفية (كاليونان مثلا- المترجم).

كما ترتفع أيضا عوائد سندات العديد من البلدان الأوروبية الأخرى مما يخاطر بالكشف عن ضعف هيكلي مع إضافة أسعار الطاقة المرتفعة المزيد إلى الضغوط التضخمية.

ثم هنالك احتمال ارتداد تأثيرات ذلك إلى الأسواق الأمريكية. وفي حين يبدو هذا محدودا إلا أنه يظل منطويا على خطر إيجاد «دورات تغذية راجعة مالية» مزعزعة بين الولايات المتحدة وأوروبا.

تأمل حكومات أوروبية عديدة في أن يكون هنالك هبوط بقدر مهم في عوائد السندات الأمريكية. لكن من المستبعد جدا تحقيق هذه النتيجة الحميدة والمرغوبة عبر انضباط مالي كبير.

في الحقيقة إذا هبطت العوائد سيكون ذلك في الغالب نتيجة لهبوط اقتصادي أمريكي حاد وقاس من شأنه أن يقوِّض الطلب والتجارة العالميَّين مباشرة. وسيعزز بذلك احتمال انطلاق موجة جديدة من الرسوم الجمركية والقيود. وهذا سيلحق ضررا بأوروبا يفوق كثيرا أذى العوائد المرتفعة الحالية.

لذلك أوروبا، مَثَلُها في ذلك مَثَل باقي العالم، لا يمكنها ولا يجب أن تنتظر ضعف الولايات المتحدة لكي ينقذها. كما لا ينبغي على الحكومات الاعتماد على البنوك المركزية على نحو ما اقترحت مارين لوبان زعيمة أقصى اليمين بفرنسا في مقابلة مؤخرا مع الفاينانشال تايمز.

السبيل الوحيد لتقليل الخطر الحقيقي والحالي للضرر الاقتصادي المتصاعد هو التركيز على تحقيق نمو وانتاجية أعلى. يشمل ذلك تقليص الإجراءات البيروقراطية المعقدة وإكمال خطط توحيد أسواق رأس المال بالاتحاد الأوروبي لإنشاء سوق متكاملة عبر الكتلة الأوروبية وتسريع تحديث البنية التحتية والابتكار وإطلاق وتسريع نمو الشركات الناشئة والواعدة.

كل هذا من شأنه أيضا أن يقلل من حجم المدخرات المحلية الأوروبية المتدفقة عبر المحيط الأطلسي لتمويل شركات التقنية بالولايات المتحدة. يلزم البلدان أيضا تنفيذ انضباطها المالي الخاص بها، ويشمل ذلك تنفيذ إصلاحات الموازنة المعزِّزة للنمو.

ما يحدث في أسواق السندات العالمية تذكير آخر بانتهاء عهد الاعتماد على الإسراف الأمريكي في الإنفاق والبيئة العالمية المحبذة لخفض أسعار الفائدة اصطناعيا.

على واضعي السياسات في أوروبا وغير أوروبا التصرف على أساس الإقرار بوجوب إعداد وتنفيذ حلول محلية على الرغم من انطلاق صدمة ارتفاع العوائد الحالية من الولايات المتحدة. وحتى يفعلوا ذلك ستظل سوق السندات الأمريكية «مشكلتهم.» وستتحول باطراد إلى مشكلة باهظة التكلفة.

محمد العريان أستاذ بمدرسة «وارتون» وكبير المستشارين الاقتصاديين بشركة أليانز ورئيس مجلس إدارة صندوق «جراميرسي» لإدارة الأموال.

الترجمة عن الفاينانشال تايمز