تقرير رويترز والأخبار منزوعة الدسم
الثلاثاء / 22 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 21:05 - الثلاثاء 3 نوفمبر 2026 21:05
وكانت لي صفحات أنتقل إليها فور الحصول على الصحيفة، وأسماء أبحث عنها قبل أن أبدأ قراءة بقية المواد.
وأظن أن كثيرين من أبناء جيلي عاشوا هذه العلاقة، وعرفوا ذلك الشعور الذي يجعل وصول العدد الجديد موعدًا متجددًا مع أشخاص وأفكار وصفحات ألفناها.
وكانت معرفتنا بأصحاب ما نقرأ تمنح الكلمات رونقًا خاصًا، وتجعل الاتفاق أو الاختلاف مع ما يطرحونه جزءًا من علاقة تستمر وتتطور مع الوقت.
واتسعت المسافة مع ظهور شبكات التواصل والمنصات الرقمية، وأصبح الخبر أو المقال يصلنا عبر حسابات الصحيفة بعنوان وكلمات قليلة وصورة أو مقطع فيديو ورابط ينقلنا، إذا شئنا وسمح الوقت، إلى الموقع.
ولذلك أشعر، وأنا أتأمل هذه الرحلة، بأن الأشياء التي كانت تمنح قراءة الصحف مذاقها الخاص تتساقط في الطريق.
وتعيدني هذه الأسماء إلى بداية الحكاية.
فقد يصبح اسم التطبيق هو الاسم الذي يحتفظ به المستخدم في ذاكرته، ويربطه بالحصول على خبر أو معلومة. ومع تكرار الاستخدام، يألف الفرد طريقة التطبيق في الشرح والاختصار والتوسع، وتنشأ بينهما علاقة مريحة.
وفي أثناء ذلك، قد تتوارى من وعي القارئ أسماء المؤسسات الصحفية والإعلامية التي جمعت الأخبار، والكُتّاب الذين نشروا المقالات، والصحفيين الذين ذهبوا إلى مواقع الأحداث.
وتضع هذه الأرقام الظاهرة في حجمها؛ فاستخدامات الأدوات تغطي احتياجات واسعة، ويظل استخدامها الإخباري المباشر محدودًا نسبيًا.
ومع ذلك فإن الخطورة على الصحافة تظل قائمة، إذ قد يستمر الإنسان في الاستفادة من العمل الصحفي كل يوم، في الوقت الذي تتضاءل فيه قدرته على تذكر المؤسسة التي أنتجته. وهنا يظهر معنى «نزع الدسم» الذي أوردته في عنوان هذا المقال، ويعني تحديدًا بقاء الخبر والمعلومة مع تراجع السياق، وصوت الكاتب، والإسناد إلى المصادر.
وقد تغري هذه الإجابات المستخدم بالاكتفاء بها وتجاوز الروابط. ربما كانت المعلومات المقدمة صحيحة، وكان الاختصار مفيدًا، ومع ذلك تظل هناك تفاصيل تتحدد قيمتها بحسب الحدث أو القضية مثل تاريخ التصريح، وظروف الإدلاء به، وهوية من اعترض عليه، وما بقي مجهولًا وقت النشر.
نعم قد يؤدي حذف هذه التفاصيل إلى جعل النص أكثر اختصارًا وسلاسة، لكنه يضيق في نفس الوقت المساحة التي يرى منها القارئ الحدث ويفهم ملابسات القضية.
وعندما تجتمع هذه المواد في ملخص قصير واحد، فإن تمييز طبيعتها ودرجة اليقين فيها يصبح صعبًا، خاصةً إذا غاب منها الإسناد الواضح إلى المصادر.
وقد يبدو اتساق الصياغة اتفاقًا بين المصادر، أو تتحول عبارة متحفظة إلى تقرير قاطع.
ويزداد وزن هذا الاحتمال حين نحاول فهم نزاع سياسي أو قرار يمس حياتنا؛ فمعرفة موضع الاختلاف تساعدنا على تقدير ما قيل، وتترك أمامنا فرصة لتكوين حكمنا الخاص.
وتكشف هذه النتيجة جانبًا يستحق التأمل في وصفنا للأخبار المقدمة عبر التطبيقات بأنها منزوعة الدسم. فالمحادثة بين المستخدم والتطبيق قد تعيد إلى الخبر سياقًا افتقده القارئ، وتشرح له مصطلحًا استعصى عليه، وتربط الوقائع بخلفياتها التاريخية.
ومن هنا ترتبط جودة ما نحصل عليه باستعدادنا لسؤال التطبيق، وبقدرتنا على إدراك ما نحتاج إلى معرفته، وبدقة إجابات التطبيق.
فالقارئ قد يستعين بتطبيق ذكاء اصطناعي في تلخيص الأخبار وشرحها، ومع ذلك يظل راغبًا في أن يكون وراء الخبر إنسان يقدّر الأدلة ويتحمل مسؤولية النشر.
وأحسب أن معرفة صاحب العمل الصحفي تمنح المتلقي شيئًا يصعب اختزاله في جودة الصياغة؛ فهي تتيح له أن يتتبع تاريخ المصدر، ويفهم اختياراته.
وأقارن ذلك بما قد يصلنا من أخبار منزوعة الدسم، حين تنفصل الإجابات عن سياق إنتاجها وأصحابها، ولعل هذا ما يعيد التأكيد على أن بعض قيمة الصحافة يكمن في معرفة الطريق إلى المعلومات، وفي الوجوه والأسماء التي جعلت هذا الوصول ممكنًا.