العرب والعالم

لماذا يُعد إنقاذ الأطفال في البلدان الأخرى قضية أمن قومي للولايات المتحدة؟

 

واشنطن'د. ب. أ': تعد المساعدات الإنسانية الموجهة إلى الأطفال في مناطق النزاعات والأزمات استثمارا في الأمن والاستقرار، إذ تسهم في الحد من سوء التغذية والأمراض والحرمان من التعليم، وتقلل من المخاطر المرتبطة بالهجرة والنزوح وتفاقم الصراعات، فضلا عن دورها في توفير تكاليف الاستجابة للأزمات قبل تفاقمها.


هذا ما أكده باتريك كويرك، المسؤول في منظمة 'أنقذوا الأطفال' بالولايات المتحدة، وذلك في تقرير نشرته مجلة 'ناشونال إنتريست' الأمريكية.


ويقول كويرك إن الاستثمار في المساعدات الإنسانية الوقائية يوفر المال ويعالج أسباب الصراعات.


ويضيف أنه في وقت يخضع فيه دور الولايات المتحدة في العالم لنقاش محتدم، ويستعد فيه الكونجرس لخوض معركة بشأن الموازنة بعد انتخابات التجديد النصفي، يُظهر استطلاع جديد أن أغلبية من الحزبين الجمهوري والديمقراطي تؤيد الاستثمارات الأمريكية في الإغاثة الإنسانية والصحة العالمية والتعليم والتنمية الاقتصادية. وتعزز هذه النتائج اتجاها أوسع نطاقا، إذ لا يزال الأمريكيون يؤمنون بضرورة مساعدة الأشخاص الذين يواجهون الجوع والصراعات وحالات الطوارئ الإنسانية.


-تصاعد العنف داخل الدول -
ويرى كويرك أنهم محقون في ذلك. فمساعدة الأطفال الذين يواجهون الأزمات ليست مجرد واجب أخلاقي، بل هي أيضا استثمار في عالم أكثر أمنا واستقرارا. ويقول إنه ينبغي للمشرعين في الكونجرس أن يأخذوا ذلك في الحسبان.


ولأول مرة في التاريخ، تتوافر الموارد المالية اللازمة لضمان عدم وفاة أي طفل قبل بلوغه سن الخامسة لأسباب يمكن الوقاية منها. وبالنسبة إلى المستثمرين الذين يركزون على الأمن الأمريكي، لا يوجد استثمار يحقق عائدا أفضل من ذلك.


ويتصاعد العنف داخل الدول على مستوى العالم، ويعاني الأطفال أكثر من غيرهم. ففي مختلف أنحاء العالم، يعيش أكثر من طفل واحد من بين كل ستة أطفال، أي ما يزيد على 473 مليون طفل، في مناطق متأثرة بالصراعات، وهو عدد تضاعف منذ تسعينيات القرن الماضي.


ومن سوريا إلى ميانمار، ومن أوكرانيا إلى هايتي، يعاني الأطفال في مناطق الصراع الجوع، ويتخلفون عن الركب في التعليم، ويصابون بأمراض يمكن الوقاية منها. ولا يقتصر أثر هذه المعاناة التي لا داعي لها على إلحاق أضرار جسيمة بالأطفال وأسرهم، بل إنها تتيح أيضا المجال أمام ظهور تحديات للأمن القومي الأمريكي وأمن شركاء الولايات المتحدة.


وكلما زاد عدد الأطفال الذين يعانون سوء التغذية، أو حُرموا من التعليم، أو تعرضوا للعنف، زادت احتمالات سعيهم أو سعي أسرهم إلى حياة أفضل في أماكن أخرى، وهو ما يتضح من موجات الهجرة الجماعية من أمريكا الوسطى والجنوبية، أو انضمامهم إلى جماعات مسلحة تتسبب في زعزعة الاستقرار، كما يظهر في تجنيد الأطفال في هايتي، على سبيل المثال. كما أن عدم تعزيز الأنظمة الصحية المحلية يعرض الأطفال لخطر الإصابة بأمراض يمكن الوقاية منها، ويزيد احتمالات وصول مسببات تلك الأمراض، مثل فيروس إيبولا، إلى الولايات المتحدة.


ويقول كويرك إنه يجب على الولايات المتحدة تجديد التزامها بمساعدة الأطفال المحتاجين، لأن ذلك هو التصرف الصحيح، ولأنه يعكس قيمنا كأمة، فضلا عن أن هذه المساعدة تحقق فائدة إضافية تتمثل في الحد من المخاطر الأمنية التي يتحمل دافعو الضرائب تكاليفها.


ويتساءل: كيف يمكن للولايات المتحدة وحلفائها تقديم المساعدة للأطفال؟
ويقول: أولا، علينا القيام باستثمارات كبيرة بدلا من الاكتفاء بتحقيق مكاسب تدريجية. وإذا استمرت الاتجاهات الحالية، فلن يتمكن أكثر من 30 مليون طفل من الاحتفال بعيد ميلادهم الخامس بحلول عام 2030، لأنهم لن يعيشوا حتى ذلك العمر.

ويضيف أنه ينبغي لنا، بقيادة الولايات المتحدة، أن نسعى إلى الوصول إلى صفر وفيات، وهو هدف طموح لكنه قابل للتحقيق، إذ يمكن الوقاية من معظم هذه الوفيات من خلال تدخلات منخفضة التكلفة.


ثانيا، ينبغي لنا تكثيف الجهود لمنع المعاناة بدلا من الاكتفاء بمعالجتها بعد وقوعها، بدءا من سوء التغذية. وقد أعطت إدارة ترامب الأولوية لتقديم المساعدات المنقذة للحياة في الدول ذات الأولوية، مع تخصيص موارد كبيرة لهذا الغرض، بما في ذلك الحصص الغذائية الطارئة، مثل الأغذية العلاجية الجاهزة للاستخدام.

وفي المرحلة المقبلة، ينبغي أن تركز المساعدات المنقذة للحياة أيضا على الجهود الرامية إلى منع الأزمات، ولا سيما سوء التغذية، قبل وقوعها.

وغالبا ما تكون الجهود التي تقودها الجهات المحلية لتحديد حالات سوء التغذية ومعالجتها في مرحلة مبكرة أكثر فاعلية وأقل تكلفة من الانتظار حتى يحتاج الأطفال إلى الأغذية العلاجية الجاهزة للاستخدام أو غيرها من العلاجات الطبية.


وتعني الوقاية أيضا الاستعداد للصدمات المتوقعة. فمن المقرر أن تشتد ظاهرة النينيو 'الفائقة' الشهر المقبل، مما يعرض أكثر من 347 مليون طفل للخطر في مختلف أنحاء العالم.


ومن المتوقع أن تتسبب هذه الظاهرة في موجات هجرة ونقص في الغذاء ونزوح على نطاق يتجاوز بكثير ما شهدته دورة النينيو في عامي 2023 و2024، التي تسببت في جفاف شديد ونقص في الغذاء، وأدت إلى احتياج أكثر من 61 مليون شخص إلى المساعدات الإنسانية في جنوب أفريقيا وحدها. وتعد الوقاية مجدية من حيث التكلفة، إذ إن كل دولار يُستثمر في التأهب للكوارث والحد من مخاطرها يوفر أكثر من 15 دولارا من تكاليف التعافي بعد وقوعها.

فالوقاية تقلل المعاناة، وتوفر المال، وتساعد على تجنب أزمات أكبر قبل نشوئها.
ويقول كويرك إنه ثالثا وأخيرا، ينبغي لنا التعامل مع واقع تقلص ميزانيات المساعدات الحكومية من خلال توسيع نطاق النماذج التي تتسم بكفاءة عالية وتشجيع الشركاء من القطاع الخاص على تقاسم الأعباء.

ولتحقيق المزيد بموارد أقل، ينبغي للولايات المتحدة وغيرها من الدول تسريع العمل من خلال الشركاء المحليين، مع ضمان المساءلة والرقابة.
-مساعدة الفئات الاكثر احتياجا-
وتقدم الشركات الأمريكية والمتبرعون وأفراد المجتمع عموما بالفعل تبرعات سخية لمساعدة الفئات الأكثر احتياجا.

وهم بحاجة إلى شركاء موثوقين وآليات مجربة وحلول قائمة على الأدلة تحقق أقصى عائد على الاستثمار.

ويعد صندوق الاستجابة للطوارئ التابع لمنظمة 'أنقذوا الأطفال' مثالا على كيفية مضاعفة أثر الاستثمارات الإنسانية، ففي عام 2025 وحده، نجح الصندوق في حشد 76.4مليون دولار إضافية من التمويل الخاص، ما ساعد 14.2مليون طفل في أزمات كانت الحكومات قد قدمت مساعدات لها بالفعل.

وفي وقت تتعرض فيه الموارد العامة لضغوط، يمكن للنماذج التي تجمع بين الدعم الحكومي والتبرعات الخاصة أن تساعد في الوصول إلى عدد أكبر من الأطفال مقارنة بما يمكن أن يحققه أي منهما بمفرده.


ويخلص كويرك إلى أن مساعدة الأطفال تحقق مكاسب للجميع من ثلاث نواح، فهي تنقذ الأرواح، وتعزز الأمن القومي الأمريكي، وتعكس ما يريد الشعب الأمريكي أن تمثله بلاده. ومن خلال الاستثمار في الوقاية، ووضع أهداف طموحة، والاستفادة من الموارد العامة والخاصة، يمكن إنقاذ حياة الأطفال وتعزيز أمن الولايات المتحدة في الوقت نفسه.