انتشال 23 طنا من الشباك العالقة.. ملحمة تطوعية تنعش التنمية البيئية والسياحية
الثلاثاء / 22 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 13:16 - الثلاثاء 3 نوفمبر 2026 13:16
تمثل الشواطئ العُمانية ومصائدها البحرية الممتدة عبر مختلف المحافظات شريانًا اقتصاديًا ومصدر رزق رئيسًا لآلاف الصيادين، فضلًا عن كونها مقومًا سياحيًا فريدًا يرفد الاقتصاد الوطني. غير أن الأعماق ظلت لسنوات تشهد تحديًا صامتًا يهدد الاستدامة البيئية والتنموية، يتمثل في تراكم شباك الصيد العالقة والمهجورة، أو ما يُعرف بـ«شباك الظل»، التي تتحول إلى فخاخ مميتة تصطاد الأحياء البحرية بلا توقف، وتتلف الشعاب المرجانية، مما يكبد القطاعين السمكي والسياحي خسائر غير مباشرة، ويستدعي تحركًا متكاملًا يجمع بين الحماية البيئية والعمل الميداني.
وتبرز الرؤية الوطنية لحماية الموارد المائية من خلال التنظيم المستمر لعمليات الصيد والحد من أخطار الشباك العالقة، وتشكل اللائحة التنفيذية لقانون الثروة المائية الحية الصادرة بالقرار الوزاري رقم (70/ 2026) إطارًا قانونيًا محوريًا يتضمن ضوابط صارمة للمحافظة على البيئة البحرية. وتتكامل هذه الجهود التشريعية مع أدوار وزارة الزراعة والثروة السمكية وموارد المياه وهيئة البيئة، من خلال تنظيم الحملات التوعوية، وتهيئة الظروف الميدانية، وتوفير المعدات، وحث الصيادين على الإبلاغ الفوري عن المعدات المفقودة للحد من آثارها السلبية على سلاسل الإمداد السمكي والمصائد الاقتصادية.
ويأتي الدور الحيوي للمبادرات المجتمعية والفرق التطوعية كداعم أساسي لجهود الدولة؛ حيث يقدم فريق «غواصو قريات» -التابع لنادي قريات والمؤسس عام 2019م- نموذجًا أهليًا رائدًا في حماية الأعماق، ويضم الفريق حاليًا 60 غواصًا مسجلًا نفذوا 54 مبادرة بيئية بمجموع 409 مشاركات ميدانية، تمكنوا خلالها من انتشال وإزالة أكثر من 23.1 طن (23,175 كجم) من الشباك والمخلفات البحرية، مما أسهم مباشرةً في حماية الشعاب المرجانية وتأمين الموائل البيئية التي تعتمد عليها أسماك الصيد التنموية.
ويمتد الأثر التنموي لهذه الحملات الميدانية ليدعم قطاع السياحة البحرية وسياحة الغوص بالمحافظات؛ حيث لم تقتصر أعمال الفريق على ولاية قريات، بل شملت مواقع سياحية ومحميات طبيعية بارزة مثل جزيرة مصيرة، ونيابة الأشخرة، ومحمية جزر الديمانيات، وميناء الصيد البحري بصور، ومناطق الاستكشاف في ضباب، كما يستعد الفريق لتنفيذ مبادرات جديدة في نيابة طيوي ومنطقة الخيران بناءً على بلاغات من مراكز غوص سياحية والصيادين، مما يسهم في المحافظة على جمالية الأعماق وجذب الاستثمارات ورجال الأعمال في مجالات الرياضات البحرية والسياحة البيئية.
وأوضح جمعة العامري، رئيس فريق «غواصو قريات»، أن وجود الشباك العالقة ينجم غالبًا عن ظروف طبيعية قاهرة كعواصف البحر والتيارات القوية أثناء ممارسة طرق الصيد التقليدية مثل «الناصال» و«الهيال». وأكد أن خطورة هذه الشباك تكاد تكون مدمرة، إذ تعيق نمو الشعاب المرجانية وتتسبب في نفوق السلاحف البحرية والأسماك القاعية والقشريات.
وأشار العامري إلى أن عمليات الانتشال تتطلب خبرة عالية وحذرًا شديدًا لتفادي مخاطر تشابك الغواصين وضغوط الأعماق وتيارات المياه، مع الحرص التام على عدم تكسير المرجان أثناء تقطيع الشباك ورفعها.
وتتكامل هذه المبادرات الميدانية بالتنسيق المستمر مع هيئة البيئة، ووزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه، ومكتب والي قريات، وبلدية مسقط، ونادي قريات، والجمعية العُمانية للصيادين.
وأكد العامري أن الخطوات القادمة تتطلب تدشين مسار استثماري واعد يعتمد على الاقتصاد الدائري، من خلال إيجاد برنامج أو جهة مخصصة لاستلام الشباك المنتشلة وفرزها وإعادة تدويرها مستقبلًا بدلًا من ردمها، مما يضيف بعدًا اقتصاديًا جديدًا للعمل البيئي.
واختتم العامري حديثه بالإعلان عن قرب تدشين منصة «غواصو قريات» الرقمية لتسهيل تلقي بلاغات الصيادين ومرتادي البحر ومتابعتها بمرونة عالية، موجهًا رسالةً لكافة الصيادين بأهمية الإبلاغ المبكر وتحديد إحداثيات الشباك المفقودة؛ مؤكدًا أن البحر هو شريان الحياة والرزق للجميع، وأن سرعة التعاون تجنب البيئة خسائر فادحة وتصون الموارد السمكية والسياحية للأجيال القادمة.