المحافظات

منظومة تعليمية متكاملة تخدم طلاب القرى البحرية بمحافظة مسندم

 

تتناثر التجمعات السكنية في ولاية خصب بمحافظة مسندم على امتداد الساحل، وتغدو القوارب وسيلةً للحركة والتواصل. لا تبدو الرحلة إلى المدرسة مجرد انتقال يومي من المنزل إلى مقعد الدراسة، هي حكاية تتقاطع فيها إرادة التعلّم مع إيقاع البحر، وتتجلى فيها قدرة التعليم على الوصول إلى الطلبة مهما تباعدت المسافات أو تبدّلت الظروف الطبيعية. هناك في منطقة الحوينية البحرية مدرسة خورشم للصفوف (1/12)، وفي منطقة كمزار مدرستان مشتركتان في مبنى واحد، الفترة الصباحية للذكور والفترة المسائية للإناث، وهذه المدارس تقف شاهدة على تجربة تعليمية تنطلق من خصوصية المكان وتستجيب لاحتياجات أبنائه، واضعة التعليم في متناول الطلبة الذين كانت المسافات البحرية تحول دون وصولهم اليومي بسهولة إلى مدارس مركز ولاية خصب.

خدمة تعليمية

وحول المدارس البعيدة، قالت نبيلة بنت عبدالله الشحي، المديرة العامة للمديرية العامة للتعليم بمحافظة مسندم، إن الطالب يحظى باهتمام ورعاية من وزارة التعليم والمديرية العامة للتعليم بمحافظة مسندم في المدارس الواقعة في المناطق البعيدة مثل (منطقة الحوينية وقرية كمزار ونيابة ليما)، بما يضمن حقه في التعليم. وسخّرت تعليمية مسندم كل إمكاناتها المادية والبشرية من أجل دعم الطلبة والهيئة التعليمية، بما يضمن جودة الأداء في هذه المدارس وتجويد المخرجات التعليمية عامًا بعد عام. وعلى ضوء ذلك، حفظت سلطنة عُمان ممثلةً بوزارة التعليم حق الطالب في التعليم بالمناطق البعيدة من خلال منظومة تشريعية وتنفيذية متكاملة تضمن تكافؤ الفرص التعليمية لجميع الطلبة دون تمييز، وجاء ذلك بناءً على المبادئ التي كفلها النظام الأساسي للدولة وقانون التعليم المدرسي. وتتلخص أبرز جهود وآليات سلطنة عُمان لحماية هذا الحق من خلال قانونية إلزامية ومجانية التعليم لجميع الطلبة في تلقي الخدمة التعليمية، بالإضافة إلى مشروع صفوف التهيئة (التعليم قبل المدرسي)، وطُبّق التعليم خصيصًا في المدارس الحكومية الواقعة بالمناطق البعيدة، والتوسع في البنية الأساسية وبناء المدارس في كافة القرى والمناطق الجبلية والجزر، وجرى تزويدها بالمرافق الأساسية لتقليل حاجة الطلبة للسفر لمسافات طويلة، إلى جانب توظيف منصات التعليم الإلكتروني وعن بُعد، حيث دمجت وزارة التعليم التكنولوجيا والمنصات الرقمية لضمان استمرارية التعليم وتوسيع مجالات الوصول إليه، وساهم ذلك في ربط الفصول الدراسية في المناطق البعيدة ببدائل تفاعلية وتفعيل التعليم الافتراضي عند تأثر تلك المناطق بالحالات الجوية أو الصعوبات اللوجستية، بالإضافة إلى توفير وسائل النقل المدرسي المخصصة لنقل الطلبة من التجمعات السكنية المتباعدة والبعيدة إلى مدارسهم مجانًا وبشكل آمن، للتغلب على صعوبات التضاريس الجغرافية وتوفير الرعاية والإقامة للطلاب لضمان عدم تسربهم من التعليم بسبب البُعد الجغرافي.

من البحر إلى مقاعد الدراسة

تستعيد مديرة مدرسة خورشم بمنطقة الحوينية، شيخة بنت محمد الكمزاري، بدايات هذا الصرح التعليمي، موضحةً أن مدرسة خورشم تُعد من المدارس الحديثة التي أُنشئت في منطقة الحوينية البحرية بولاية خصب، وبدأ تشغيل مبناها المدرسي مع مطلع العام الدراسي 2020-2021، لتستقبل الطلبة من الصف الأول حتى الصف الثاني عشر. وتشير إلى أن المدرسة جاءت استجابةً لحاجة تعليمية فرضتها طبيعة المنطقة وتباعد التجمعات السكنية البحرية عن مركز الولاية، الأمر الذي كان يجعل وصول الطلبة بصورة يومية إلى المدارس الأخرى أكثر مشقةً ويحمّلهم وأسرهم أعباءً إضافية. وتضيف مديرة مدرسة خورشم أن نقل الطلبة يتم عبر قوارب جُهّزت وفق معايير الأمن والسلامة؛ مما يضمن توفير وسيلة نقل مناسبة للطلبة إلى جانب أعضاء الهيئتين التدريسية والإدارية في ظل خصوصية البيئة البحرية ومتطلباتها. وأضافت شيخة الكمزاري أن الرحلة إلى المدرسة أصبحت أكثر من مسار بحري، وأنها حلقة يومية تصل الطلبة بالتعليم وتمنح أبناء هذه المناطق البحرية فرصةً لمواصلة دراستهم في بيئة أقرب إلى أماكن إقامتهم وأكثر استجابةً لواقعهم الجغرافي. وعلى الرغم من خصوصية موقع المدرسة، فإن ما توفره من مرافق وتجهيزات يعكس توجهًا نحو بناء بيئة تعليمية متكاملة لا تقتصر على توفير المقاعد الدراسية، بل تمتد إلى دعم التعلم العملي وتنمية المهارات وتوسيع آفاق المعرفة لدى الطلبة.

بيئة تعليمية داعمة

ومن جانب آخر، توضح المعلمة فاطمة المقبالية، معلمة لغة عربية بمدرسة خورشم، أن المبنى المدرسي مهيأ ليكون بيئة تعليمية داعمة، بما يضمه من قاعات دراسية ومختبرات وقاعات للحاسوب، إلى جانب قاعة لمصادر التعلّم تحتضن مجموعة متنوعة من الكتب والمراجع. وتؤكد من جانبها أن هذه الإمكانات تتيح للطلبة فرصًا متعددة للتعلّم والاستكشاف، وتساعد على توفير تجربة تعليمية تجمع بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، بما يعزز استفادتهم من اليوم الدراسي داخل المدرسة. وتضيف المقبالية أن البحر لا يمثل عائقًا أمام طلب العلم، حتى في الظروف الاستثنائية هناك بدائل عن طريق المنصات التعليمية للتأكد من عدم انقطاع التعلم واستمراريته.

التعامل مع المتغيرات

ومن جانب آخر، توضح المعلمة وسام الدابولي، معلمة المهارات الموسيقية بمدرسة خورشم، أن الكادر التدريسي يظل مستعدًا للتعامل مع مختلف الظروف التي قد تواجه سير العملية التعليمية، ولا سيما الحالات المرتبطة بالأنواء المناخية والتقلبات الجوية التي قد تستدعي التحول إلى نظام التعلّم عن بُعد. وتشير إلى أن المنصات التعليمية التي وفرتها وزارة التعليم تمثل خيارًا مهمًا لمواصلة تقديم الخدمة التعليمية للطلبة عند تعذّر الوصول إلى المدرسة، بما يتيح استمرار التواصل بين المعلمين وطلبتهم ويمنح العملية التعليمية قدرًا من المرونة في التعامل مع المتغيرات.

استقرار دائم

وتقول الطالبة ميثاء بنت فهد الشحي من الصف التاسع: إن وجود المدرسة في منطقة الحوينية البحرية اختصر الكثير من الوقت والجهد اللذين كانا يرتبطان سابقًا بالتوجّه إلى مركز ولاية خصب للالتحاق بالمدارس هناك، ووجود هذه المدرسة بالقرب من مناطق سكن الطلبة جعل الوصول إلى التعليم أكثر سهولة وأسهم في توفير قدر أكبر من الاستقرار في ظل توفر المرافق والإمكانات اللازمة لمواصلة الدراسة، فحين يصبح التعليم أقرب إلى الطالب يقل تأثير بعض الأعباء المرتبطة بالانتقال اليومي.

التعلم لا يعرف حدود الطقس

أما الطالب سعود بن محمد الشحي من الصف العاشر من مدرسة خورشم، فيرى أن وجود المدرسة يمثل فرصةً تعليمية مهمة له ولغيره من أبناء القرى البحرية، مؤكدًا أن التعلّم لم يعد مرتبطًا بالحضور إلى المبنى المدرسي وحده في جميع الظروف. ويوضح أنه عند تعذّر الوصول إلى المدرسة بسبب الأنواء المناخية والتقلبات الجوية يمكن للطلبة الانتقال إلى المنصات التعليمية الإلكترونية التي وفرتها وزارة التعليم، مشيرًا إلى أنهم تلقوا تدريبًا مسبقًا على استخدامها. ويعكس هذا الاستعداد أهمية تهيئة الطلبة للتعامل مع أنماط التعلّم المختلفة حتى لا تتحول الظروف الطارئة إلى انقطاع كامل عن الدراسة.

اهتمام كبير

ويقول معاذ بن حسن الظهوري، مدير مدرسة محمد بن صالح المنتفقي بمنطقة كمزار البحرية، إن المدارس البحرية تُعد من المدارس التي تفرض طبيعة موقعها الجغرافي تحديات خاصة على سير العملية التعليمية، إذ يعتمد الوصول إليها على وسائل النقل البحري في بداية الأسبوع وفي نهايته، مما يجعل انتظام اليوم الدراسي مرتبطًا في بعض الأحيان بحالة البحر والظروف الجوية. وتتطلب طبيعة العمل في هذه المدارس الاستعداد للتعامل مع أي ظروف طارئة قد تؤثر في حركة التنقل في بداية الأسبوع ونهايته والتعامل مع المستجدات في حينها.

عوامل طبيعية

حسين بن حسن الكمزاري، معلم لغة عربية بمدرسة محمد بن صالح المنتفقي، يقول: تختلف تجربة التعليم في قرية كمزار عن غيرها من المناطق، إذ تقع المدرسة على مسافة من بيوت الأهالي، يصل إليها الطلبة بالحافلات أو سيرًا على الأقدام، لكن قد تطرأ بعض التحديات التي يواجهها الطلبة في بداية الأسبوع الدراسي بسبب الظروف الطبيعية، وأهمها حركة الأمواج، إذ قد يتعذر على بعض الطلبة والمعلمين الموجودين في خصب الذهاب إلى قرية كمزار، كما أن شبكة الإنترنت في منطقة كمزار قد تتأثر بالأمطار الغزيرة والرياح، وهذا ما يؤثر في سير العملية التعليمية.

جغرافية خاصة

ويقول الطالب علي بن عبدالله الكمزاري من الصف العاشر بمدرسة محمد بن صالح المنتفقي إن منطقة كمزار تتميز بطبيعة جغرافية خاصة، حيث تقع بين الجبال وتواجه البحر مباشرة، مما يجعلها تتأثر بعدد من العوامل الطبيعية، ومن أبرزها التضاريس الجبلية والبحرية، إضافة إلى ارتفاع مستوى الأمواج وهيجان البحر، خصوصًا خلال بعض فترات السنة، مما قد يصعّب عملية التنقل والوصول إلى المنطقة. كما تشهد المنطقة خلال فصل الشتاء هطول الأمطار وجريان السيول في الأودية، الأمر الذي قد يزيد من صعوبة التنقل والوصول إلى المنطقة في بعض الأوقات، بالإضافة إلى عدم توفر بعض الأدوات الدراسية في القرية، فيضطر الطلبة إلى شرائها من مركز المحافظة، وخصوصًا عند الحاجة إليها بشكل عاجل.

بيئة تعليمية آمنة

وتقول هناء سعيد محمد، مديرة مدرسة كمزار للصفوف (1-12): التعليم رسالةٌ تمضي بثبات رغم تحديات الطبيعة وخصوصية المكان، والوصول إلى تجربة ترتبط بحركة البحر وحالة الطقس، ويتطلب تخطيطًا مسبقًا ومراعاةً للظروف البحرية لضمان وصول الطلبة والهيئة التعليمية بأمان وانتظام. وقد تفرض التقلبات الجوية وارتفاع الأمواج أحيانًا تحدياتٍ تستدعي المرونة في تنظيم اليوم الدراسي والتعامل مع المستجدات، بما يضمن سلامة الجميع واستمرارية التعلّم، وأن الطبيعة بما تحمله من جمالٍ وتحديات تزيدنا إصرارًا على العطاء، وتعزز في نفوس أبنائنا قيم الصبر والمسؤولية والانتماء.

تكامل الأدوار

وتقول فاطمة بنت عبدالله الكمزاري، معلمة مجال أول بمدرسة كمزار: تتجلى خصوصية التجربة التعليمية في قرية كمزار في قدرتها على التكيّف مع طبيعة المكان وتقلبات الطقس وضعف شبكة الإنترنت أحيانًا وحرارة الصيف وأمطار الشتاء وجريان الأودية، لنؤكد أن نجاح العملية التعليمية لا يعتمد على وجود المبنى المدرسي وحده ومواجهة التحديات، بل يقوم هذا النجاح أيضًا على التخطيط السليم وتكامل الأدوار بين المدرسة والأسرة وتقديم سلامة الطلبة على كل اعتبار، مع الحرص على توفير فرص التعليم واستمراره في مختلف الظروف.

شراكة حقيقية

ومن جانب آخر، قالت نوف بنت صالح الكمزاري، فنية مختبر بمدرسة كمزار، إن مدرسة كمزار (إناث) من المدارس البحرية في محافظة مسندم، ويتم الوصول إليها عن طريق المشي أو الحافلات داخل المنطقة، ومن أبرز التحديات الطبيعية وجود الوادي الذي يتوسط المنطقة ويفصل بين بعض البيوت والمدرسة، وقد يشكّل ذلك صعوبة في الوصول، خاصة عند نزول الأودية. لكن وجود الجسر الذي أُنشئ ويربط بين الجهتين يُعدّ خطوة بناءة تسهّل حركة المعلمين والطلبة وتساعدهم على الوصول إلى المدرسة بيسر وسهولة.

إرادة قوية

وتقول فاطمة بنت محمد الكمزاري، المقيدة بالصف الحادي عشر: تقع مدرستنا في موقع طبيعي مميز وفريد، غير أن الطبيعة والظروف الجوية المحيطة بنا تؤثر بشكل مباشر وكبير في مدرستنا وفي تفاصيل يومنا الدراسي بأكمله، وهذا التأثير يضعنا باستمرار أمام بعض التحديات التي نسعى للتكيف معها والتغلب عليها بفضل التعاون والتكاتف من قبل الجميع، لضمان تلقينا لدروسنا دون انقطاع أو تأخير.