المحافظات

«مختبر الطبيعة» في بر الحكمان تجربة حسية لإعـــادة اكتشاف البيئة وحـمايتها

 

بدأت فكرة «مختبر الطبيعة» خلال رحلة بحثية استمرت عشرة أيام في بر الحكمان لإجراء مسوحات للطيور المهاجرة، هناك تعرفت ملاك بنت حسين اللواتي إلى أهمية الموقع وما يحتضنه من كائنات ونظم بيئية، ووجدت في محدودية معرفة المجتمع به دافعا لتأسيس مبادرة تقرب العمانيين من بيئتهم، وتفتح أمامهم مساحة للسؤال والملاحظة والاكتشاف.

وتروي ملاك بنت حسين اللواتي، مؤسسة مختبر الطبيعة، أن المسوحات التي شاركت فيها تجرى سنويا منذ عشر سنوات أو أكثر، وتكتسب أهميتها من كون وجود الطيور مؤشرا على جودة البيئة في بر الحكمان وتوافر الغذاء فيها، فالسلسلة الغذائية تبدأ بالكائنات الصغيرة وصولًا إلى الكبيرة، ووجود الطيور بهذه الأعداد يعكس وفرة الغذاء الذي تعتمد عليه.

وتضيف اللواتي: قبل أن أذهب إلى بر الحكمان، كانت معرفتي بالمكان محدودة، واندهشت عندما عرفت أنه موقع ذو أهمية عالمية يُطلق عليه «جوهرة عمان»، فهو نظام بيئي يعتمد عليه نصف مليون طائر سنويًا خلال فصل الشتاء وحده، فضلا عن الطيور التي توجد فيه خلال الأشهر الأخرى، ويحتضن كائنات متنوعة تشمل الأسماك بما فيها أسماك القرش، والسلاحف والدلافين.

وتقول ملاك اللواتي: إن هذا الثراء البيئي يقابله خطر التطوير الساحلي الذي يواجه بر الحكمان، شأنه شأن مناطق ساحلية أخرى، في وقت كان فيه الحديث عن الموقع وأهميته محدودا، ومن هنا سألت نفسي ما التغيير الذي أستطيع إحداثه في هذه المرحلة؟، لأجد الإجابة في البدء بتوعية العمانيين بالمكان وقيمته البيئية. وتوضح أيضا: مع انطلاق المبادرة، اتسع نطاق عملها ليشمل موضوعات ونظما بيئية أخرى في سلطنة عمان، انطلاقا من أهمية أن يفهم الإنسان العماني بيئته، ويهتم بها، ويسعى إلى حماية مواقعها ونظمها الطبيعية، وتربط اللواتي هذه الجهود بمستهدفات رؤية «عُمان 2040»، التي تمثل حماية البيئة جزءا مهما منها.

تجربة حسية تقرب العلم من الناس

وحول تسمية «مختبر الطبيعة» تقول ملاك بنت حسين اللواتي: يعبر هذا الاسم عن الطريقة التي تسعى المبادرة إلى ترسيخها في التعامل مع البيئة؛ فالمختبر، كما تشرح مؤسسته، مكان يتحلّى فيه الإنسان بالفضول، ويطرح الأسئلة، ويحاول الاستنتاج والوصول إلى نتيجة معينة، ويتطلب الوصول إلى هذه النتيجة إجراء التجارب، وتخصيص وقت للتفكير والبحث والتدقيق، وهذه الممارسة هي ما تحاول المبادرة نقله إلى جمهورها، مع جمع أفراد المجتمع والأكاديميين وصنّاع القرار والجهات المعنية في مساحة تتيح لهم اختبار الأفكار والمشاركة في الحوار.

وتقول اللواتية: يقف «مختبر الطبيعة» بين المجتمع والعلماء والمؤسسات الحكومية، ليكون جسرا يقرب العلم من الناس ويوفر فرصًا للتعلم وتبادل المعرفة. وتوضح اللواتي أن ما يميز المبادرة هو أسلوب تواصلها مع الناس، إذ تعمل على إعادة بناء الصلة بين العُمانيين وبيئتهم من خلال تجربة حسية يقودها الفضول، تستخدم فيها الجماجم والريش والعيّنات المحنّطة والأنشطة التفاعلية لتحفيز الأسئلة والملاحظة الدقيقة عن قرب. وتضيف اللواتي أن هذا التواصل بدأ عبر المحتوى المنشور على وسائل التواصل الاجتماعي، ثم امتد إلى اللقاء المباشر بالمجتمع من خلال المحاضرات والورش والحوارات المجتمعية والفعاليات في المدارس والجامعات، كما يعمل الفريق حاليًا على التخطيط لأنشطة وفعاليات أخرى. وحول اختيار المواقع والموضوعات وفق ما تزخر به كل محافظة من نظم بيئية، تشير ملاك اللواتي إلى أن هذه المبادرة تنطلق من تنوّع البيئات والكائنات والقصص في محافظات عمان ومناطقها، وتسعى إلى تغطيتها تدريجيا، ويعتمد الاختيار على رصد الفجوة بين أهمية المكان أو الكائن ومستوى معرفة الناس به، ثم تناول الموضوع في مقاطع الفيديو، أو خلال الزيارات المدرسية والمشاركة في المعارض وغيرها من الفعاليات.

المصادر العلمية والمعرفة المحلية

وفيما يتعلق بإعداد المحتوى تقول ملاك: مختبر الطبيعة في الأساس منصة للتواصل العلمي، فقبل الحديث عن أي موضوع نبدأ بالبحث المتعمق ومراجعة الأبحاث العلمية والبيانات المنشورة، لضمان دقة المعلومات واكتمالها، كما يستند عملنا إلى الأدبيات العلمية والمعلومات التي تنشرها جهات متخصصة، مثل الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة والصندوق العالمي للطبيعة بشأن أنواع الكائنات والبيئات المختلفة.

وتضيف: بعد جمع المعلومات ومراجعتها، يعمل الفريق على تبسيط اللغة العلمية لتكون مفهومة للجمهور، مع الحفاظ على الحقائق كما هي، وتوضح أن كل معلومة ترد في محتوى المبادرة تستند إلى مصدر منشور، وأن التطوير المستمر لأسلوب العرض يهدف إلى تقديم هذه الموضوعات بوضوح وجاذبية، وقد وصلت مقاطع المبادرة إلى أكثر من 50 ألف مشاهد.

وتؤكد ملاك اللواتي أن المعرفة المحلية تحتل موقعًا أساسيًا في هذا العمل؛ إذ تحرص المبادرة على فهم تجارب الصيادين والمزارعين وأفراد المجتمع، والاستفادة من معارفهم التقليدية، فهؤلاء يقضون معظم أوقاتهم في البحر والطبيعة، ويرصدون التغيرات على المدى الطويل، وقد يلاحظونها قبل تسجيلها في قواعد البيانات. وترى اللواتي أن التواصل مع المجتمعات المحلية والتقليدية قيمة أساسية في «مختبر الطبيعة»، وأن الاستماع إلى أصحاب المهن والحرف المرتبطة بهذه البيئات يساعد على حفظ معرفتهم والانتباه إلى تغيرات مهمة قد تفوت الآخرين، ولهذا بدأت المبادرة تنظيم ورش ولقاءات مع المجتمعات المحلية، من بينها «حوارات بحرنا»، بالشراكة مع «استدامة للفعاليات». وتنقل اللواتي عن أفراد تواصلوا مع المبادرة ملحوظات بشأن انخفاض أعداد الحشرات، والعثور على البلاستيك في الأسماك التي يصطادونها، وغياب مشاهدات الدلافين التي اعتادوا رؤيتها من الشاطئ، إلى جانب تغيرات بيئية أخرى رصدوها خلال عشرات السنوات من العمل في هذه البيئات، وتتيح الورش والحوارات فرصة لمشاركة هذه الملاحظات والاستفادة من الخبرات التي تستند إليها.

بر الحكمان بين التطوير

وحماية الموائل

وبالعودة إلى بر الحكمان، تصفه اللواتية بأنه من النظم البيئية القليلة التي ما زالت سليمة في الشرق الأوسط، مشيرة إلى أن الأراضي الرطبة من أكثر الموائل المهددة عالميا، وأن منطقة الجزيرة العربية خسرت بالفعل موائل مهمة بسبب التطوير، فيما حافظت عُمان على هذا الموقع.

وتستحضر اللواتي ما يمنح هذا الموقع قيمته لدى زواره من البحيرات الساحلية، ومئات طيور الفلامنجو التي تجتمع في مكان واحد، والسلاحف ومستعمرة المرجان الفريدة، وترى أن أي تطوير قد يؤدي إلى خسارة هذه العناصر نفسها حيث تقول: لا تطوير من دون تضحية، فهل تستحق هذه التضحية؟

وتعتقد اللواتي أن أمام عُمان فرصة لتقديم تجربة مختلفة، مستفيدة من نماذج في أنحاء العالم أُديرت فيها مواقع طبيعية بكفاءة، بمشاركة الباحثين والمجتمع المحلي، مع الحفاظ على سلامتها البيئية وأهميتها العالمية، وتؤكد أن العُمانيين والسياح يقصدون برّ الحكمان للاستمتاع بتجربة برية، وليس بحثًا عن مزيد من التطوير.

كما تدعو ملاك اللواتي إلى توجيه الجهود نحو معالجة المشكلات الفعلية التي يواجهها الموقع، بدلًا من بناء المنتجعات، وتحددها في غياب منظومة للتخلص من النفايات، وضعف الوعي بأهمية المكان، وقيادة السيارات على الشواطئ، وعدم وجود مناطق مخصصة للتخييم، وترى أن معالجة هذه المشكلات تتيح استمرار استفادة الإنسان والحياة البرية من الموقع، وتحافظ على مساحة طبيعية عامة للعُمانيين من التحول إلى مؤسسات خاصة.

مؤشرات الأثر وخطط التوسع

وفي قياس أثر المبادرة، تنظر اللواتية إلى ما يقوله الناس وما يفعلونه، إلى جانب أعداد المشاهدات، مستندة إلى مؤشرات ظهرت خلال التفاعل المباشر مع الجمهور. ففي أسبوع عُمان للمناخ، أمضى طلاب المدارس والجامعات وقتا طويلا عند المتحف المصغر للمبادرة، يطرحون أسئلة عن التنوع الأحيائي في عُمان وسبل حمايته، وكان فضولهم واهتمامهم يقودان النقاش، كما عاد بعضهم في اليوم نفسه أو في اليوم التالي برفقة أصدقاء جدد.

وتظهر مؤشرات أخرى في تعليقات المشاركين على مقاطع المبادرة وفي اللقاءات المباشرة؛ إذ يعبّر بعضهم عن إعجابهم بالموضوعات، ويذكرون أنها المرة الأولى التي يتعرفون فيها إليها، وأنهم سيحرصون على متابعتها وملاحظتها من الآن فصاعدًا، ويضاف إلى ذلك تواصل أفراد من المجتمع لمشاركة التغيرات التي رصدوها في الطبيعة. وتضع اللواتي هذه الاستجابات في إطارها الزمني، موضحة أن عمر المبادرة أقل من عام، وأن ما ترصده حتى الآن يمثل مؤشرات أولية على تحوّل طويل المدى في علاقة الناس بالطبيعة.

وتقول ملاك بنت حسين اللواتي: يقف خلف «مختبر الطبيعة» فريق من الشباب المتطوعين، يجمع علماء وفنانين وكتابا وصناع أفلام ومتحدثين، وتوضح مؤسسته أن الإسهام في المبادرة متاحة لأصحاب المهارات المختلفة، وأن دراسة الطبيعة ليست شرطا للانضمام؛ فالفنان والكاتب وصانع الأفلام والمتحدث يستطيع كل منهم توظيف مهارته في خدمة أهدافها. وتضيف أيضا: تتطلع المبادرة إلى مجتمع يعرف بحره وجباله وصحراءه، ويرى فيها ما يستحق السؤال والعناية، وتشمل خططها العمل مع المجتمع العلمي والجهات الحكومية لتحويل المعلومات المعقدة إلى معرفة مفهومة ومفيدة للمجتمع، وزيارة مناطق مختلفة من عُمان للحديث مع سكانها عن أنظمتها البيئية المحلية، وإتاحة خبرة عملية للطلبة في الحفاظ على البيئة والعمل الميداني وجمع البيانات، مؤكدة إيمانها بأن الأثر الأكبر يأتي من العمل المشترك.