المحافظات

حميد الهنائي يجمع الزمن ويحفظ ذاكرة الماضي في منزله

 

يخصص حميد بن عبدالله الهنائي غرفة في بيته بولاية عبري ليحفظ فيها ذاكرة ماضٍ عريق، متجاوزًا المفهوم التقليدي للمقتنيات القديمة، فهو لا يرى في الصناديق الخشبية، والسيوف العتيقة، والعملات النادرة مجرد قطع صامتة، بل يعتبرها صفحات حية تنبض بالحكايات وتروي تفاصيل زمن جميل لا يريد له أن يتبدد.

بدأت هذه الرحلة في قرية الدبيشي بعبري لا عبر مشروع ثقافي ضخم أو معرض مفتوح للزوار، وانطلقت من هواية صغيرة رافقت طفلاً منذ أوائل سبعينيات القرن الماضي.

كان حميد يجمع العملات الورقية والمعدنية متأثرًا بأبناء جيله الذين جمعوا الطوابع وبطاقات الهاتف، في زمن كانت فيه الهوايات وسيلة أساسية للترفيه ونافذة لاكتشاف العالم الخارجي، تطورت الهواية مع مرور السنوات لتتجاوز حدود العملات وحدها؛ إذ بدأت أسرته تجمع مقتنياتها المتوارثة في مكان واحد، ليتسع لاحقاً ويضم قطعاً أخرى من خارج العائلة.

تحول المكان تدريجيًا إلى معرض يحتضن نماذج فريدة للحياة العُمانية قبل النهضة، مصممًا كصورة مصغرة تشتمل على أدوات المعيشة المنزلية، وأدوات المهن التقليدية، والوثائق التاريخية، والتحف النادرة، وتتوزع القطع داخل المعرض بتصنيف فريد يجعلها تُرتب بحسب قصصها لا بحسب قيمتها المادية؛ فالعملات عند حميد الهنائي ليست مجرد أدوات دفع انتهى دورها، بل وثائق تاريخية مصغرة.

تضم مجموعته الإصدار الورقي الأول للعملة العُمانية في عهد السلطان سعيد بن تيمور مطلع السبعينيات، إلى جانب جميع الإصدارات اللاحقة حتى الآن، فضلًا عن عملات ورقية تعود للدولة العثمانية، وروسيا القيصرية، والاتحاد السوفيتي، وروسيا الاتحادية، وصولًا إلى عملات دول تغيرت أنظمتها السياسية أو اختفت كليًا من الخريطة مثل يوغوسلافيا قبل التقسيم.

ويوضح الهنائي أن العملات تروي بصدق التحولات السياسية والاجتماعية للشعوب، ضاربًا المثل بالعملة اليمنية التي وثقت محطات تاريخية فاصلة بدءًا من فترة الاستعمار البريطاني مرورًا بالاستقلال وصولًا إلى الوحدة، وكذلك العملات المصرية التي تعكس بانتقالاتها قصة تحول البلاد من العهد الملكي إلى الجمهوريات المتعاقبة حتى اليوم.

ويعتقد أن جمع العملات يفرض على الهاوي دراسة تاريخ كل قطعة، والظروف المحيطة بإصدارها، والخلفية الجغرافية والسياسية للدولة، لأن زائر المتحف لا يبحث عن شكل العملة فحسب، بل يفتش عن الحكاية الخفية خلفها، ويمثل الجانب التراثي محاولة جادة لإنقاذ ذاكرة الأسرة والقرية من طي النسيان وجمعها تحت سقف واحد قبل أن يطالها الإهمال.

وتبرز هنا أدوات صياغة الذهب والفضة التي استخدمها والده ليصنع منها مصدر رزق الأسرة في ذلك الزمن الجميل؛ ولذلك تبقى هذه الأدوات الأقرب إلى قلبه لأنها تحمل عبق ذكرى الأب فوق قيمتها التراثية، ويعتز الهنائي باقتناء سيف يماني أصيل استُخدم في المعارك قديمًا، إضافة إلى وعاء فخاري ضخم يُعرف باسم «الخابية» الذي استُخدم قديمًا في تخريس واستخراج مادة النيل لصبغ الملابس، وتحول لاحقًا بعد اندثار تلك الصناعة إلى وعاء لحفظ التمور.

وتكتمل اللوحة التراثية بالمناديس الخشبية المصنوعة محليًا من أخشاب المانجو والسدر، وغيرها من الأدوات التي ترسم تفاصيل الحياة اليومية للإنسان العُماني.

وتتخطى الرحلة حدود العملات والمقتنيات المادية لتصل إلى عالم الوثائق النادرة؛ حيث يضم المعرض وثيقة بيع أملاك في قرية الدبيشي تعود إلى عام 1301 للهجرة، أي قبل أكثر من 147 سنة، ووثيقة سفر إلى زنجبار تعود لخمسينيات القرن الماضي، إضافة إلى جواز سفر يحمل الرقم ثمانية وأربعين وصدر في عهد السلطان سعيد بن تيمور. وتحظى باهتمام بالغ أيضًا مجموعة تتكون من أربع «تيمنات» بحالة ممتازة؛ وهي قصائد في المدح النبوي كانت تُتلى احتفالاً بإتمام الطفل حفظ القرآن الكريم، في موكب احتفالي ينطلق من المدرسة ليحط رحاله عند منزل الطالب وسط ترحيب الأهالي بالمعلم والطلاب في مشهد محفور بعمق في ذاكرة الهنائي. وحصل حميد على هذه الكنوز عبر قنوات متعددة تشمل الشراء من المنتديات المتخصصة داخل سلطنة عُمان وخارجها، أو التبادل المباشر مع هواة آخرين، أو عبر الهدايا التي يحضرها المسافرون الذين اعتاد أن يطلب منهم تذكارًا وحيدًا متمثلًا في عملة معدنية أو ورقية من البلدان التي زاروها.

ويؤمن الهنائي أن هذه المبادرات الفردية قادرة على التحول إلى رافد حيوي للحراك السياحي إذا حظيت بالدعم والرعاية الكافيين، ويأمل أن تتبنى الجهات المختصة إنشاء مركز ثقافي متكامل في محافظة الظاهرة يحتضن مقتنيات الهواة، أو يمنحهم المساحة لتأسيس متاحف شخصية تحفظ تاريخ المنطقة وتراثها للأجيال القادمة تمامًا كما هو معتاد في ولايات أخرى.