أفكار وآراء

إزالة الكربون تصب في مصلحة القطاع الصناعي

إليزابيث رينولدز - ناثان كوليت

ليس من السهل التفاؤل بشأن قضية تغيّر المناخ في الوقت الراهن؛ ففي الولايات المتحدة ألغت إدارة الرئيس دونالد ترامب الحوافز المخصصة للاستثمار في الطاقة النظيفة، وخفّضت بصورة حادة التمويل الموجّه إلى العديد من مشروعات القطاع الخاص، وألغت قواعد تنظيمية معمولا بها منذ سنوات طويلة للحدّ من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الصادرة عن المركبات ومحطات توليد الكهرباء.

وحتى في أوروبا التي طالما كانت رائدة في سياسات مكافحة تغيّر المناخ يجري تأجيل المواعيد النهائية المحددة لتنفيذ الالتزامات المناخية، وتخفيف متطلبات الامتثال لها مع إعطاء الأولوية لتحديات أخرى، مثل: الحرب في أوكرانيا.

ولحسن الحظ فإن هذه التطورات لا تعكس الصورة كاملة؛ فالقطاع الصناعي العالمي المسؤول عن نحو ثلث انبعاثات غازات الاحتباس الحراري يحقق تقدما ملحوظا بعيدا عن الأضواء.

وعلى مدى العام الماضي درس فريقنا في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) عن كثب الشركات متعددة الجنسيات التي تمضي في تنفيذ استراتيجيات لإزالة الكربون من أنشطتها الصناعية رغم التحديات المعاكسة على الصعيد العالمي.

وما وجدناه في كثير من الحالات هو أن هذه الشركات تنجح في زيادة إنتاجيتها، وتسريع نمو إيراداتها، وخفض انبعاثاتها في الوقت نفسه.

فعلى سبيل المثال في مدينة فورت وورث بولاية تكساس الأمريكية استفادت شركة «سيمنز» من الطفرة في الطلب على مكونات مراكز البيانات لتوسيع نطاق عملياتها، الأمر الذي أدى إلى تحسين الإنتاجية، وخفض تكلفة الوحدة المنتجة.

وقد أتاح ذلك بدوره جعل زيادة الإنفاق على إزالة الكربون مقبولة لدى الإدارة العليا ومديري المصانع.

وعلى الرغم من المخاوف البيئية الجادة المرتبطة بمراكز البيانات يبدو أن لهذه المراكز جانبا إيجابيا أيضا؛ فمع أن الشركات المشغّلة لمراكز البيانات فائقة الضخامة تفضّل تجنّب دفع «علاوة سعرية خضراء» فإنها تدرك في الوقت نفسه قيمة عمليات التصنيع منخفضة الانبعاثات التي تقلّص الطلب على الطاقة وتخفض التكاليف.

وعلى نحو مماثل حصل مصنع مواد البناء التابع لشركة «سان جوبان» بالقرب من مدينة مونتريال الكندية على دعم حكومي لتمويل استثمارات في التحول إلى الكهرباء وتحديث التقنيات الرقمية، وهو ما أفضى إلى إنشاء مصنع خالٍ من انبعاثات النطاقين الأول والثاني، أي الانبعاثات المباشرة والانبعاثات غير المباشرة المرتبطة بمورّدي الشركة.

وفي هذه الحالة لم تؤدِّ الحوافز الرامية إلى تشجيع استخدام الطاقة النظيفة إلى خفض الانبعاثات فحسب، وإنما أسفرت أيضا عن إنتاج منتجات خضراء أعلى جودة وبأسعار تنافسية لصالح المستهلكين الذين سيختارون عند تساوي العوامل الأخرى الخيار الأكثر مراعاة للبيئة.

ومن الأمثلة الأخرى شركة «أوتوكومبو» الفنلندية التي تمتلك منشأة لإنتاج الصلب في ولاية ألاباما الأمريكية، وشركة «ناشيونال سيمنت»، التابعة لشركة «فيكا» الفرنسية.

وتواجه هاتان الشركتان صعوبة في المنافسة المباشرة مع كبار المنتجين المهيمنين على الأسواق العالمية نتيجة مجموعة من العوامل من بينها انخفاض المعايير البيئية ومعايير العمل لدى بعض المنافسين.

غير أنهما تعملان في إطار القواعد التي تفرضها آلية تعديل حدود الكربون التابعة للاتحاد الأوروبي، والتشريعات المعمول بها في ولاية كاليفورنيا لدعم إنتاج الأسمنت المحلي على الابتكار وتطوير تقنيات إنتاج نظيفة للحفاظ على قدرتهما التنافسية على المدى الطويل.

وتنطلق الاستراتيجيات التي تتبناها كلتا الشركتين من إدراك أن تغيّر المناخ قضية تمتد آثارها عبر الأجيال، وأن الحكومات والشركات ستجد نفسها مضطرة إلى التعامل معها عاجلا أم آجلا.

وتُظهر دراسات الحالة هذه جميعها كيف استطاعت المؤسسات الصناعية تجاوز المعيار التقليدي الذي يختزل التحول الأخضر في كونه «تحولا أخضر من أجل التحول الأخضر ذاته»، لتضع لنفسها معايير أكثر طموحا.

وهذه هي تحديدا الاستراتيجيات التي نحتاج إليها؛ لأن المبادرات الخضراء لم يعد من الممكن المضي في تنفيذها بمعزل عن الاعتبارات المرتبطة بالنمو والأمن والقدرة التنافسية.

وتُظهر أبحاثنا أن الشركات غالبا ما تقيّم استثماراتها على مستوى كل مشروع على حدة؛ إذ تقيس المنشآت الصناعية التقدم الذي تحرزه من منظور شامل من خلال الموازنة بين تكاليف مدخلات الإنتاج بما فيها المواد والعمالة والآلات، والعائد المستهدف على الاستثمار.

وهذا النهج هو ما يتيح لها الاستثمار في تقنيات أعلى تكلفة عندما تسمح وفورات الحجم، أو السياسات الحكومية الداعمة، أو كلاهما معا بالمضي في إزالة الكربون من عملياتها الإنتاجية.

وتعزز الاتجاهات الأوسع نطاقا هذه النتائج؛ فقد ارتفع الاستثمار العالمي في الطاقة النظيفة بنحو 80% خلال العقد الماضي متجاوزا الاستثمار في الوقود الأحفوري بما يقارب الضعف خلال العام الماضي.

وفي الولايات المتحدة تشير تقديرات حديثة إلى أن ثلاثة أرباع قدرات إنتاج الطاقة النظيفة التي كانت قيد التطوير قبل عودة ترامب إلى البيت الأبيض ستُنشأ رغم ذلك.

كما سيظل من الممكن تحقيق ثلثي التخفيضات المتوقعة في الانبعاثات الناتجة عن توليد الكهرباء.

ومن المؤكد أن العلاوة السعرية التي يمكن الحصول عليها مقابل المنتجات الخضراء تساعد في الحالات التي تتوافر فيها.

غير أن الشركات تدرك فوائد التحول نحو الطاقة النظيفة حتى في غياب هذه العلاوة؛ فالمخاوف المتعلقة بأمن الطاقة وتكاليفها، فضلا عن ردود الفعل الشعبية الغاضبة إزاء استهلاك مراكز البيانات للطاقة، تشكّل جميعها عوامل داعمة للشركات التي تتجه نحو تقليص بصمتها البيئية.

وتفيد الشركات أيضا بأن التزامها بخفض الانبعاثات يساعدها على استقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها.

وبطبيعة الحال لا تزال العديد من الصناعات تقاوم هذا التحول، وفي مقدمتها على نحو واضح صناعة النفط والغاز. كما أن التكاليف الأولية لهذا الانتقال تمثل تحديا حقيقيا.

غير أن الزخم المتنامي لإزالة الكربون من القطاع الصناعي حقيقة لا تقل وضوحا؛ فمع استمرار ارتفاع درجات الحرارة ستصبح الظواهر الجوية الكارثية أكثر تواترا وشدة.

وتدرك الشركات التي تستشرف المستقبل أن الابتكار في مجالات التصنيع المتقدم والطاقة النظيفة بدعم من الذكاء الاصطناعي والروبوتات يتيح فرصا لبناء عمليات إنتاجية أكثر كفاءة وقدرة على الصمود واستدامة.

كما تدرك أن اهتمام عملائها والمجتمعات التي تعمل فيها وموظفيها بالطاقة النظيفة لا ينفك يتزايد.

وإذا كان كل هذا التقدم يتحقق رغم العداء الصريح الذي تبديه الحكومة الفيدرالية لجهود إزالة الكربون في الاقتصاد الأكثر ديناميكية في العالم فلنتخيل حجم ما يمكن تحقيقه في إطار استراتيجية محكمة التصميم للطاقة النظيفة.

لا أحد يعرف ما الذي ستأتي به التحولات المقبلة في السياسة الأمريكية، لكن الفرصة ستتاح عاجلا أم آجلا لتجديد الالتزام الفيدرالي بإزالة الكربون من القطاع الصناعي.

وعندئذ سيكون بوسعنا البناء على جميع الاستراتيجيات التي بدأت تؤتي ثمارها بالفعل، ومواءمة مصالح القطاعين العام والخاص حول الأهداف المشتركة المتمثلة في النمو والقدرة التنافسية والأمن.

ربما بدأ التحول إلى الطاقة النظيفة بوصفه مسعى نبيلا تحركه الاعتبارات الأخلاقية، لكنه يحقق النجاح اليوم؛ لأنه أصبح استراتيجية تجارية رابحة.

إليزابيث رينولدز أستاذة ممارسة في قسم الدراسات والتخطيط العمراني بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)

ناثان كوليت مسؤول سابق في القطاع العام الكندي، عمل على قضايا الأمن الاقتصادي

خدمة بروجيكت سنديكيت