أفكار وآراء

استدعاء النموذج الياباني بعد هيروشيما هو ما يفشل مفاوضات منع الحرب

يحاول هذا المقال تفكيك اللحظة الراهنة في حياة الخليج والشرق الأوسط وبالتحديد ما يبدو منطقا جنونيًا أو غير معقول فيها، وهو كيف أنه مع رؤية الجميع لخطر الحرب الشاملة في الشرق الأوسط التي لن تترك مكان دون أن تحرقه بنارها «حرب بدون قيود جغرافية كما قالت طهران» فإن فرص نجاح المفاوضات الإيرانية الأمريكية تقل عن فرص فشلها.

لا ينظر هذا المقال للأسباب المعلنة عن مصادر الخلاف «ترتيب الخطوات، فتح المضيق أولا أم النووي أولا...الخ « بجدية كبيرة؛ فقبل ساعات فقط من الحرب على إيران أكدت سلطنة عمان الوسيط آنذاك بين واشنطن وطهران أن الإيرانيين تعهدوا بشكل قاطع بعدم امتلاك سلاح نووي نهائيا، وأكدت رئيسة المخابرات الأمريكية السابقة أمام الكونجرس بعدها أن الإيرانيين ليس لديهم سلاح نووي أصلا.

ينظر المقال إلى سبب آخر كامن وغير معلن وهو نهج راكمته كل الإمبراطوريات التي أخضعت لنفوذها شعوبا أخرى، وبالتحديد لنهج السيطرة الغربية على العالم خاصة بعد الحرب العالمية الثانية.

هذا النهج هو ميل الدول العظمى دوليا وإقليميا إلى تكرار تجارب -تمكنت فيها من تحقيق أهدافها- كلما نشأت صراعات جديدة مع القوى الأصغر رغم تغير البيئة السياسية وموازين القوى ورغم الأثر المخيف الذي أحدثه التطور التكنولوجي.

خذ مثلا تكرار الرئيس ترامب عشرات المرات منذ فبراير الماضي أن الهدف المطلوب من الحرب أو التفاوض هو استسلام كامل من إيران.

يعبر هذا الهدف الحقيقي في تغيير النظام الإيراني واستعادة إيران الحليفة كما كانت في عهد الشاه عن سيطرة نماذج ثلاثة منذ الحرب العالمية الثانية على ذاكرة الرؤساء الأمريكيين ومؤسسات القوة في النظام السياسي الأمريكي تستدعى في الصراعات مع الدول الصغيرة مثل فنزويلا والمتوسطة مثل إيران.

النموذجان الأقدم هما الاستسلام التام الذي وقعت عليه ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وأصبحتا بعده جزءا لا يتجزأ من الإمبراطورية الأمريكية.

النموذج الأحدث هو العراق بعد غزو٢٠٠٣ الذي مكن واشنطن قبل مغادرة قواتها من إعادة صياغة الدستور والنظام السياسي العراقي بحيث لا يشكل تهديدا لمصالحها في المستقبل، وإعادة صياغة النظام الاقتصادي العراقي بربطه بأمريكا، بحيث تحول موارد نفطه إلى البنك الفيدرالي الأمريكي، وتطلب منه الحكومة في بغداد احتياجاتها للإنفاق العام.

حتى في إدارة الحروب نفسها لا ينفك الجنرال الأمريكي الشهير بترايوس عن تذكير الإسرائيليين أنهم لو كانوا استمعوا لنصيحته بشأن غزة منذ الأسبوع الأول للحرب بعد ٧ أكتوبر في إدارتها بنفس الطريقة التي أدارها بها هو لكبح جماح المقاومة العراقية للغزو، وهي محاربة المقاتلين، ولكن كسب المجتمع المدني الحالي؛ لَما تشوهت صورتها دوليا بهذه البشاعة المستحقة، ولما وقعت في مأزقها الحالي في العجز عن تحويل الإبادة والتفوق العسكري إلى نصر سياسي له قيمة استراتيجية.

حتى على المستوى الإقليمي يلجأ لنفس الاستدعاء المؤسسي للتجارب السابقة في الإخضاع؛ فتنتهج إسرائيل التي تسعي لتكون القوة الإقليمية العظمي في الشرق الأوسط، وتريد تغييره على مقاس هيمنتها وكيلا عن القوة الإمبراطورية العودة إلى تجاربها منذ ١٩٤٨ خاصة مع الجيران المباشرين.

على الساحة الفلسطينية سعى نتنياهو في العقدين الأخيرين إلى تكرار نموذج أوسلو في الضفة الغربية في قطاع غزة.

وكما حول النموذج السلطة الفلسطينية إلى حاجز أمني وقائي لإسرائيل حاول نتنياهو عن طريق السماح بتدفق أموال عربية، والسماح باشتغال عمال من غزة في إسرائيل إلى تحويل حماس إلى حاجز أمني في غزة، ومنع قيام الدولة الفلسطينية، ولكن حماس فاجأته وفاجأت العالم بـ ٧ أكتوبر في تحد واضح لنهج تكرار التجارب دون إدراك متغيرات الواقع الجديد، وأنه بدل أن يقود لنفوذ جديد قد يقود لكوارث استراتيجية تدعم التوتر والحروب وعدم الاستقرار.

تميل إسرائيل لاستعادة فكرة المناطق منزوعة السلاح للجيوش العربية في الدول المجاورة باتفاقيات تسوية مثل كامب ديفيد مع مصر، أو بالاحتلال والتوسع الغاشم كما هو الحال في جنوب لبنان وجنوب سوريا.

يطلق علماء السياسة على ميل الكيانات ذات النهج التوسعي في أسر نماذج فرض السيطرة السابقة path dependency على صراعاتها الجديدة رغم اختلاف السياقات، وهو نهج لا يقبل بأقل من التبعية الكاملة وإعادة صياغة البلد المستهدف، وضبط ساعته الاستراتيجية ودستوره وبنيته الاقتصادية من جديد بحيث لا يخرج عن نطاق المصالح الأمريكية في العالم.

وبالنسبة لدول المنطقة هنا لا أحد يتحدى المصالح الإسرائيلية التي هي مصلحة أمريكية مطلقة للهيمنة على الشرق الأوسط بثرواته النفطية وممراته الحيوية للتجارة الدولية وموقعه الجيوسياسي الحاكم في العالم الذي تمكن الهيمنة عليه واشنطن من كبح تدهور قبضتها على عنق العالم، وكبح تطلع الصين لمشاركتها مقعد القيادة الدولية أو إزاحتها عنه.

أي حديث عن مفاوضات لوقف إطلاق حرب شعواء تلتهم إنجاز التنمية والزمن في الخليج والعالم العربي لا بد أن يناقش مع الغرب أن السياق التاريخي الذي سمحت به التكنولوجيا للدول الأضعف يمنع القوى الكبرى من فرض إرادتها وفرض استسلام غير مشروط عليها، وأن إيران ليست فنزويلا.

حتى على المستوى الدولي ليس من المرجح أن تقبل بكين وموسكو سقوط النظام الإيراني الذي سيعني ولعقود قادمة أن هذه المنطقة الحيوية أصبحت مغلقة تماما أمامهما، وأنها ستكون حكرا على الأمريكيين والإسرائيليين، وما تسمح به واشنطن من هامش نفوذ لدول مثل تركيا وباكستان.

للتذكير بالتاريخ؛ فإن الثورة الإسلامية الإيرانية المعادية لأمريكا وإسرائيل وقعت ـ ويا لمكر التاريخ ـ في اللحظة التي قالت فيها واشنطن: إن الشرق الأوسط قد وقع ثمرة ناضجة في حجرها.

بعد خروج مصر من معسكر التحرر الوطني المناوئ للغرب وانضمامها للحلف الأمريكي بدأت أمريكا تتحدث عن تحالف استراتيجي واسع مع إسرائيل تحت قيادتها بعد طرد روسيا السوفييتية آنذاك من البحر المتوسط والمشرق العربي.

تريد ذاكرة المؤسسة الغربية إعادة هذه اللحظة كاملة باستسلام إيراني في المفاوضات، أو بهزيمة عسكرية تعقبها تبعية تامة على غرار عهد الشاه، ولكن يبدو كلا الاحتمالين ضعيفا للغاية، ومن سيدفع الثمن هي دول الخليج التي ستعود مسرحا مفضلا للحرب بين الطرفين.