أعمدة

على أبواب الصين

تقف سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية أمام مرحلة مهمة من مراحل التعاون، والعمل المشترك بالزيارة التاريخية التي يقوم بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله- كأول سلطان عماني تطأ قدماه أرض الصين التاريخية، لتترجم حجم العلاقة المتجذرة بين البلدين والممتدة قرابة 1200 سنة، بعد تجددها في 25 مايو 1978م، التي جاءت في مرحلة مفصلية في تاريخ البلدين، وتوجت بزيارات رفيعة لزعماء صينيين إلى مسقط.

وهي ليست بزيارة عادية لسلطان عُمان، بل تحمل في ثناياها معاني كثيرة ومصالح مشتركة، وتهدف إلى تطوير تلك العلاقة الاستراتيجية بين البلدين التي وقعت في مايو 2018؛ نظرا لاحتياج المرحلة لذلك وتسارع نمو المصالح بين الجانبين التي يفرضها الواقع، وكذا أهمية الانتقال بها من هذا المستوى إلى أفق أكثر تفاعلا لتحقيق النتائج في المسارات المتعددة ورفع مستوى التبادل التجاري بين البلدين، الذي بلغ في عام 2025 حوالي 9.6 مليار ريال عماني، ما يعادل 32.87 مليار دولار، وخلال الفترة حتى نهاية شهر أغسطس الماضي 2026م بلغ 6.3 مليار ريال عماني.

ولأن المصالح تكبر وتتعاظم بين البلدين، فإن تأكيد جلالة السلطان المعظم خلال كلمته أمام مضيفه الزعيم الصيني تشي جين بينج بقاعة الشعب الكبرى ببكين، بأن العلاقات شهدت تطورا إيجابيا متواصلا، وأن الاستثمارات المباشرة للشركات الصينية في السلطنة بلغت خلال السنوات القليلة الماضية بالشراكة مع جهاز الاستثمار العماني أكثر من 33 مليار يوان صيني لتشمل مجالات متعددة، وأكد أن الشراكة قائمة على تبادل الخبرات فيها.

فيما أكد الرئيس الصيني تشي جين بينج خلال استقبال ضيف الصين، أن بلاده ترى في توسيع وتعميق العلاقات مع سلطنة عُمان خيارا استراتيجيا مشتركا للبلدين، وأن هذه العلاقات تقف عند نقطة انطلاق تاريخية جديدة.

وأكد الرئيس الصيني: أنا على استعداد للعمل معكم لتوجيه هذه الشراكة الاستراتيجية بين الصين وعمان إلى مستوى أعلى.

هذه الزيارة التاريخية لدولة بحجم الصين تعد استثنائية بكل المقاييس لما تملكه بكين من أرقام مذهلة على مستوى العالم وإيرادات مالية في الإنتاج الصناعي والتطوير المتسارع والابتكار وتطوير التقنية والذكاء الاصطناعي، والتي ركزت عليها الاتفاقية و14 مذكرة تفاهم حول تبادل العملات البنكية والتعاون الاستثماري في مجال التنمية الخضراء والإعلام والأخبار وتبادل المعلومات والعلوم والتقنية والابتكار والتعاون في مجالات الأوراق المالية والعقود الآجلة والبيانات والاقتصاد الرقمي والصناعات والأمن الغذائي والطاقة.

وهي كلها تتفوق فيها الصين التي استطاعت خلال 50 عاما التحول من مجتمع يبحث عن مستقبله بين الأمم في عديد المسارات إلى بلد تصل منتجاته إلى كل بيت في العالم بعد طفرة الابتكارات خلال العشرين عاما الماضية، وأن يصل ناتج اقتصادها إلى قرابة 20 تريليون دولار بنهاية 2025م، بنمو يبلغ 5%، ومساهمة في الاقتصاد العالمي تبلغ 16%.

ما تم التوقيع عليه لتوسيع الشراكة الاستراتيجية بين البلدين يفتح آفاقا أوسع في مجالات متعددة كالتجارة والاستثمار وتعزيز الصناعة والاستفادة من إمكانيات البلدين وموقع سلطنة عُمان المطل على القارات وقربها من أسواق العالم وتطوير الإمكانيات المتنوعة بين البلدين وتعزيز الاتفاقيات السابقة وتوسعة مجالاتها، مما يساهم في رفع مستوى الإنتاجية والعائدات المالية وتسهيل العمل وإتاحة الفرصة للشراكات لتنمو بين القطاعات العامة والخاصة.