أعمدة

الرسوم المتحركة والانحياز الثقافي!

في الضجر العارم الذي يلفُّ حياتنا، لا أدري لماذا تنتابُ بعضنا رغبة جارفة بمشاهدة المسلسلات الكرتونية الراسخة. هكذا تتجلى لنا كعزاء دافئ أكثر من أي شيء آخر. هنالك حيث الأعين الواسعة المُتلألئة، الموسيقى المُنتقاة بعناية، القصص التي تمضي ببطء دون تعجل، فنبقى مُمتلئين بولعٍ طفولي وفضول عمّا عساه يحدث يوم غد. اللغة التي تنحدرُ من اشتقاقات لا تنضب، فيستقي عقلنا الغض دلالاتها بسلالة الطبيعة المرسومة بإتقان، الألوان المُبهجة والكابية، السماء الممطرة والحقول الممتدة إلى ما لا نهاية. ذلك العالم الصغير والمُكثف والممهور بأنهار خيالنا العذب.. بات كشيء يتعذرُ أن يمنح جاذبيته للذين جاءوا من بعدنا!

عندما كبرنا اكتشفنا شيئا آخر، ولا أخفيكم بأنّ أبناء جيلنا ظنوا بأنّهم خدعوا. فلم تكن نسختنا المُدبلجة مُخلصة لنسختها الأصلية، شاهدنا عديد المقاطع التي تُقارن بين النسختين، فانتابنا شعور هائل بالذهول والريبة. لقد تمّ تشويه القصص التي أحببناها فلم تصلنا حقيقتها، ولم نعي آنذاك سر كل تلك المراوغة المُضنية التي مورست علينا!

نظرتُ للأمر في البداية كجرأة على النصّ وتعدٍ صارخٍ على الأصل، ولكني عندما تابعتُ حلقة لافتة على بودكاست فضاء بعنوان: «الإكراهات والتحيزات في اللغة والثقافة» فهمتُ شيئا مُغايرا. كان ضيف الحلقة د.لؤي علي خليل، أستاذ السرديات والنقد الثقافي في جامعة قطر، قد تحدث على نحو دقيق حول أهمية الانتباه للتحيزات الكامنة في خطاب الآخر. فسبر أغوار مناطق شتى، لكن أكثر ما لفتني حديثه عن تأثير الدبلجة وتجربة قناة «سبيستون» على وجه التحديد وهي التجربة الأكثر نضجا وتأثيرا في الوطن العربي، لاهتمامها برفع السوية اللغوية للأطفال، لا سيما في ظل ندرة وجود إنتاج عربي مماثل.

يشير الضيف إلى ما ذهب إليه عبدالوهاب المسيري، بأنّ كل فكر يحملُ في داخله الانحيازات الكامنة في البيئة الثقافية والفكرية التي أنتجته، ولذا فعندما نستعيرُ شيئا علينا التيقن من هذه الانحيازات، ويزداد الأمر أهمية في حالة عجزنا عن إنتاج بدائلنا الثقافية والمعرفية.

لقد تمتعت سبيستون بمجموعة من الخبراء الذين كانوا يذهبون إلى شركات الإنتاج الأصلية ويشترون حقوق الأعمال وحق إعادة التعديل عليها، وهذه مسألة مهمة للغاية. فقد أشار د.لؤي صراحة إلى تلك الرغبة بتقديم أعمال للأطفال تخلو من التحيزات التي تتعارض مع طبيعة الهوية العربية الإسلامية.

فمركز «الزهرة» في دمشق، والذي تولى دبلجة عدد كبير من أعمال سبيستون، كان يقوم بتلوين الشخصيات النسائية التي ترتدي ثيابا غير محتشمة. وإن كان هنالك ما يتعارض مع اللغة أو الدين يتم التعامل معه بالتعديل أو الحذف. يصل الأمر أحيانا إلى تغيير طبيعة العلاقات بين الشخصيات، فبعضها يطرح فكرة «الشذوذ» كشيء سائغ ومبرر، مما يعني أنّ هذه الأجندات كانت موجودة على نحو مُبكر ولكن تمت حمايتنا من التعرض لها!

ربما هذا ما حمى أجيال السبعينيات والثمانينيات وحتى التسعينيات، فلم نكن نشعر باغتراب مع ما نشاهد بفضل ما يسمى اليوم «توطين الثقافة»، فغدت جزءا من نسيج ثقافتنا غير ناتئة عليها.

وكنتُ أتساءل إن كان هذا النوع من الرقابة يجدي نفعا مع أجيال اليوم! فهنالك العديد من قنوات الأطفال العربية، لكن هل هنالك مشروع تحرير عربي يُحرر المحتوى من تحيزاته! لقد تغير أطفالنا اليوم -على نحو متسارع وغير مسبوق- لم يعودوا يفكرون وينظرون إلى الأشياء كما كنا نفعل، وهم محاطون بالعديد من الخيارات بين المنصات والألعاب الرقمية، محاطون بمكافآت الدوبامين السريعة، فمن أين لهم صبرنا وتأملاتنا! وهذا بالتأكيد لا يعطي حكم قيمة بوجود جيل أفضل من آخر، ولكنه يشير إلى خلل فادح لغياب منتجات تواكب هذا التغير المحموم!

المشكلة لا يوجد لدينا للآن في ثقافتنا العربية المعاصرة إنتاج ينافس الإنتاج الغربي في مجال الرسوم المتحركة. فكل النتاجات أو معظمها ضعيفة على مستوى التقنية أو على مستوى المضمون.. هذا ما أكده د. لؤي، ومن وجهة نظره لا يعود ذلك لقلة الخبرة، فلدينا خبراء في العالم العربي.. لكن يبدو أننا دائما كما هو حالنا في قضايا أخرى بحاجة إلى قرار سياسي أو على الأقل لأفراد منشغلين بهذا الهم.

هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»