العلاقات الثقافية بين عمان وبروناي
السبت / 19 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 21:10 - السبت 31 أكتوبر 2026 21:10
تعود علاقة عمان وبروناي دار السلام إلى العام 1984؛ ومنذ ذلك الحين وهي تشهد تبادلات وتشاورات عدة على المستويين الدبلوماسي والاستثماري، إضافة إلى التنسيق المشترك بشأن القضايا الإقليمية والدولية. كما أن الاجتماعات الاستشارية الثنائية كانت ذات أثر بالغ الأهمية على المستوى الاقتصادي؛ حيث تم توقيع اتفاقية تأسيس شركة عُمان وبروناي للاستثمار (OBIC) في يونيو 2009م، الأمر الذي رسَّخ مفاهيم العمل المشترك بين البلدين، ووسَّع إمكانات التعاون في القطاعات الصناعية والتعليمية والصحية وغير ذلك.
تنطلق هذه العلاقة من تلك الرؤى الدبلوماسية وأفق السياسات الحكيمة التي تتبناها الدولتان القائمة على السلام والحوار والحياد الإيجابي، ولهذا فإنهما تضطلعان إلى دعم الشراكة الإقليمية والتعاون وفق معطيات المرحلة الجديدة وتبادل الرؤى فيما يُعزِّز العلاقات ويوفِّر نوافذ داعمة لجهود حلَّ الأزمات والاستقرار العالمي، ويرسِّخ مبادئ احترام السيادة الوطنية للدول.
ولهذا فإن زيارة دولة التي يقوم بها جلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه – اليوم، تمثِّل أهمية كبيرة على المستوى الوطني والإقليمي.
تأتي أهمية هذه الزيارة انطلاقا من موقع بروناي باعتبارها نافذة لمنطقة دول جنوب شرق آسيا (آسيان (ASEAN))، مما يوفِّر فرصا لتبادل الخبرات وتعزيز الاستثمار المشترك، وتوسعة التعاون الاقتصادي في كافة المجالات، الأمر الذي سيفتح آفاقا رحبة لتوطيد العلاقات الثنائية التي ستُسهم في تحقيق أهداف رؤية «عُمان 2040»، ورؤية بروناي 2035، مما سيتيح فرص التبادل والشراكة والتعاون.
إن التعاون المشترك بين البلدين لا يقوم على التبادل الاستثماري والاقتصادي وحسب، بل أيضا التعاون الثقافي والتعليمي انطلاقا من البُعد الحضاري والمعرفي الذي تتميَّزان به؛ فهناك مشاركات متبادلة في معارض الكُتب، وتبادل المعارف والإصدارات؛ حيث تحتوي جامعات بروناي على مجموعات كبيرة أو أجنحة خاصة بمصادر الكُتب العمانية والمراجع المختلفة، كما هو الحال في مكتبة جامعة بروناي للتكنولوجيا التي تحتوي على جناح (ابن الذهبي)، وجناح المهلب بن أبي صفرة في أكاديمية الدفاع، وكذلك الحال في مكتبة بروناي الإسلامية وغيرها.
إضافة إلى ذلك فإن التبادل على المستوى التعليمي والأكاديمي بين البلدين يرتبط بمجموعة من الأسس القائمة على تعليم اللغة العربية، والتعريف بالثقافات ضمن برنامج التعاون المشترك بينهما، إضافة إلى الأسابيع الثقافية المشتركة، ولهذا فإن هذه الزيارة السامية ستعمل على توسعة إطار هذه العلاقات خاصة على المستوى الاقتصادي والثقافي؛ فبروناي واحدة من تلك الدول التي يمكن الاستفادة من تجاربها الثقافية ومبادراتها الإقليمية خاصة في مجال السياحة الثقافية والصناعات الإبداعية.
إذ يخبرنا تقرير مركز أبحاث ماكرو آسيان بلس ثلاثة (AMRO) للعام 2026، أن قطاع السياحة أحد أبرز مرتكزات رؤية بروناي 2035، لتنويع الاقتصاد؛ حيث تعمل بروناي على السياحة الثقافية والسياحة البيئية وسياحة المغامرات، إضافة إلى دورها الإقليمي المحوري في العديد من المبادرات التي تقودها على مستوى مجتمع (آسيان)، مثل إعلان (بندر سري بكاوان) الذي يقوم على مبادرات عدة منها الإعلان الخاص بالإعلام والمعلومات، المتمركز على (الاستخدام الآمن والمسؤول لمنصات التواصل الاجتماعي)، وكذلك الإعلان الخاص بالدفاع، المعني بصون السلام، والأمن البحري، والاستقرار، والازدهار الاقتصادي.
ويوضح تقرير وكالة الأنباء الصينية الرسمية (شينخوا) لعام 2026، أن بروناي تعمل على دعم الاستثمار الثقافي والسياحي على الرغم من التحديات التي تواجهها في ذلك، إلاَّ أنها استطاعت أن تحقِّق قفزة في زيادة عدد الزوُّار وتنظيم الفعاليات والمسارات الثقافية المتعددة؛ حيث (سجلت توافد قرابة 400 ألف زائر في النصف الأول من عام 2026، محققة نمواً بنسبة 7.8% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي)، إضافة إلى الإمكانات التقنية التي عزَّزت مكانة التراث الثقافي والاستثمار في الثقافة، وإطلاق الكثير من المبادرات والبرامج التي تمكِّن هذا القطاع وتعزِّز مكانته الحضارية والاجتماعية والاقتصادية.
لذلك، فإن هناك إمكانات واسعة لتعزيز التعاون الثقافي والسياحي بين عُمان وبروناي، خاصة في مجال الصناعات الثقافية الإبداعية، والسياحة الثقافية والمتاحف والمهرجانات والفنون، وغير ذلك، إضافة إلى تعزيز مجالات التعاون المشترك في القطاع التعليمي والأكاديمي، انطلاقا من أهمية إنشاء كراسي علمية بين الجامعات في البلدين، توفِّر إمكانات علمية ومعرفية متخصصة في الدراسات الإسلامية، واللغة العربية، والإدارة الثقافية، والتنوُّع المستدام وغير ذلك من المجالات التي ستشكِّل إضافة مهمة في القطاع الأكاديمي والدراسات المنهجية المعاصرة.
إن الزيارة السامية لسلطنة بروناي اليوم، توفِّر إمكانات واسعة للتعاون المشترك بين البلدين، وتقدِّم إمكانات لتطوير رأس المال البشري في كافة القطاعات، من بينها القطاع الثقافي لما تتميِّز به منطقة جنوب شرق آسيا ضمن منظومة (آسيان)، من اهتمام كبير واستثمار في مجالات هذا القطاع؛ فقد اعتمدت (إطار استدامة الاقتصاد الإبداعي لآسيان) في مايو 2026، ومبادرات السياحة الثقافية القائمة على تطوير البنية التحتية للمواقع التراثية، إضافة إلى ما يسمى بـ (السياحة الإسلامية الثقافية) القائمة على المواقع التاريخية الإسلامية والمساجد، وكذلك مبادرة (السياحة القائمة على المجتمعات) وغيرها.
ولعل الحملة الوطنية التي أطلقتها بروناي ضمن برنامج التنويع الاقتصادي (عام زيارة بروناي 2027)؛ تمثِّل نموذجا مهما في دعم السياحة وتمكينها، سواء من خلال سياسة تسهيلات الاستثمار في هذا القطاع، والاستراتيجيات والخطط الوطنية، وكذلك البرامج والفعاليات والمهرجانات وغيرها، وما يصاحبها من تأهيل للكوادر البشرية، وتمكين للمؤسسات والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، الأمر الذي يوفِّر إمكانات للاستفادة من التجارب الناجحة وبناء جسور تواصل وتبادل معارف وخبرات ستُسهم في تعظيم القيمة المضافة بين البلدين؛ فعُمان أيضا لها من التجارب والخبرات الواسعة في القطاعات الثقافية والسياحية والتقنية ما يمكن أن يمثِّل أهمية كبرى لبروناي ويوفِّر مجالا رحبا للتعاون وتبادل الخبرات.
إن العلاقات بين عُمان وبروناي تمثل أنموذجا حضاريا من التعاون والتبادل المشترك، الذي يجعل من كل دولة بما تمتلكه من طاقات وموارد وإمكانات، وما تمثِّله من تاريخ عريق ومبادئ راسخة، قيمة مضافة للأخرى على صعيد التعاون والعمل المشترك، سواء في القطاعات الاقتصادية أو السياحية أو الثقافية والتعليمية، مما سيفتح آفاقا رحبة للدولتين للاستفادة من التجارب والخبرات.
عائشة الدرمكي باحثة متخصصة فـي مجال السيميائيات وعضوة بمجلس الدولة.