أعمدة

عامل النظافة شاعر.. الشاعر عامل نظافة!

في عام ألفين كتبتُ قصة بطلها عامل نظافة. في الحقيقة لست متأكدًا من مهنته حتى الآن، وسارد القصة غير متأكد أيضا. كل ما في الأمر أن هذا السارد كان على متن طائرة يتثاءب على مقعده بجانب النافذة، فتخيل وهو يسترق النظر منها أن ثمة رجلًا معلقًا بجناح الطائرة. وظل نظره طوال الرحلة معلقًا بالجناح وهو يتساءل عن هذا الرجل وما الذي دفعه إلى السفر بهذه الطريقة العجائبية! واستمر في تخيلاته حتى حطت الطائرة في المطار. حينئذ دخل في روعه أن الرجل الذي كان معلقًا في الجناح عامل نظافة، ليس هذا فحسب بل هو أيضًا شاعر. وطفق يردد: «عامل نظافة شاعر. الشاعر عامل نظافة».

لو أن ناقدًا أو قارئًا سألني في ذلك اليوم البعيد لِمَ اخترتَ أن يكون هذا الرجل المتوهَّم، هذا الإنسان غير المرئي، عامل نظافة، لما عرفت أن أجيب، في الجانب الواعي مني على الأقل، ولتشبثتُ بعبارة الفرزدق المُنقِذة: «علينا أن نقول، وعليكم أن تتأولوا».

لكني بعد أكثر من ربع قرن عثرتُ، وبالصدفة، على ما أظنّه جوابًا عن ذلك السؤال القديم، حين تحدثت الفنانة التشكيلية بدور الريامي عن عملها الفني الجميل «مكانس الحكمة» خلال استضافتي لها في برنامج «ضفاف». أنجزت الفنانة هذا العمل عام 2007، وهو يقوم على استحضار عمال النظافة الذين نراهم كل يوم في شوارع المدينة دون أن نلتفت إليهم. تقول بدور إنها تساءلتْ مرة: هل مَرَّ عامل نظافة من هذا الشارع اليوم؟ فقد يحدث أن يكون الإنسان جالسًا ويمر عامل النظافة أمامه دون أن يراه، كما أن العامل نفسه قد لا ينتبه إلى وجود ذلك الشخص الجالس. وقد دفعتْها هذه العلاقة الغريبة إلى التساؤل ومراقبة عمال النظافة فترة طويلة. كانت تتساءل: لماذا لا ننتبه إلى مرور هؤلاء الأشخاص؟ فالأمر لا يتعلق بكونهم غير موجودين بصريًّا، أو أن وجودهم غير مهم، إذ قد يمر طائر أو عصفور أمامنا فننتبه إليه، أو تلفت نظرنا سيارة بلون معين، بينما لا ننتبه إلى إنسان يمر أمامنا. فما معنى هذا الإنسان الذي لا نراه؟

توصلت بدور إلى خُلاصة مفادها أن عامل النظافة نفسه لا يريد أن يكون مرئيًّا، وقد استوقفها أنه كان يتعامل مع مكنسته بشيء من الألفة، وكأنها صارت رفيقه اليومي الشاهد على ما يبذله من جهد، وما يواجهه من تعب. هنا واتتها فكرة أن تدخل المكانس في صميم عملها الفني، فأعطت العمال مكانس جديدة، وأخذت مكانسهم القديمة لتضعها داخل صندوق زجاجي يشبه صناديق عرض الآثار في المتاحف، وكأن الفنانة أرادت أن تقول: قد تكون هذه مكنسة مستهلكة، وقد لا يلتفت إليها أحد في الشارع، لكنها تصبح هنا - داخل المتحف - شيئًا يستحق النظر والتأمل؛ لأنها تحمل أثر إنسان عاش معها جزءًا طويلًا من يومه.

وإذا كانت بدور الريامي قد حاولت أن تجعلنا نرى عامل النظافة الذي يمر أمامنا كل يوم فإن القاصة الأردنية فوز أبو سنينة تذهب بنا إلى الجانب الآخر من حياته إلى احتياجاته الصغيرة التي لا نراها أيضًا؛ إذ تسرد في قصتها «إعادة تدوير» حكاية جامع نفايات يضطر إلى توجيه رسالة إلى الناس، يرجوهم فيها أن يتركوا له ما يستغنون عنه بشيء من العناية والاحترام. ويكشف بلغته الموجعة والساخرة عن حياة كاملة يمكن أن تُبنى من بقايا الآخرين قوامها ثياب مستعملة، ومصباح صغير، وأقلام لم ينفد حبرها، وشمعة، وطعام محفوظ جيدًا، وحذاء مقاسه 43 قد يصلح لأمه، وحتى الجرائد المقروءة. وكأن القصة تقول: إن ما يراه بعض الناس فضلات بلا قيمة قد يصبح لآخرين فرصة للحياة. وتتحول النفايات هنا إلى مرآة تكشف تفاوت البشر في الرزق والحظوظ، كما تكشف حاجتهم إلى بعضهم البعض.

وأعود إلى فكرة عامل النظافة غير المرئي، وغير الملتفَت إليه، التي نجد لها صدى في كثير من الأعمال الأدبية، أذكر منها قصة الكاتب السعودي محمد خضر الشريف المعنونة «عامل النظافة»، المنشورة في مجموعته القصصية «وليمة البطاطا». في هذا النص يسرد الشريف حكاية طالب استعد لامتحان الجامعة ستة أشهر كاملة، وقرأ كل ما استطاع عن «العلاقات العامة»، وراح يمنّي نفسه بالحصول على الدرجة النهائية. وحين دخل الامتحان واثقًا فوجئ بسؤال واحد فقط: ما اسم عامل النظافة في الجامعة؟ عجز عن الإجابة مع أنه كان يراه باستمرار، فسلم ورقته بيضاء. وبعد خروجه من قاعة الامتحان صادف عامل النظافة، فتوقف عنده وصافحه وسأله عن اسمه. كان حينها ينتبه له لأول مرة!

كل هذه الأعمال الأدبية والفنية أعادتني إلى ذلك الرجل في قصتي القديمة «لماذا.. لأن؟». وها أنذا بعد ستة وعشرين عامًا، وبعد كل هذه المكانس والقصص أكتشف أنني ما زلت لا أعرف لماذا جعلتُه عامل نظافة وشاعرًا في الآن نفسه، ولا لماذا علقته بجناح الطائرة. كل ما أعرفه أنني ما ركبتُ طيارةً كان فيها مقعدي بجوار النافذة إلا ونظرتُ منها بلهفة لأرى إن كان لا يزال معلقًا هناك.

سليمان المعمري كاتب وروائي عُماني