"مرآة الأعاجيب" وتحولات الوعي!
السبت / 19 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 18:37 - السبت 31 أكتوبر 2026 18:37
(1)
لم يكن سفر الشيخ الأزهري الشاب آنذاك إلى فرنسا (1826-1831) مجرد رحلة يؤم فيها الشيخ المعمم طلاب البعثة التي أرسلها محمد علي باشا (1805-1848) لإعداد الكوادر المؤهلين من الضباط لدراسة العلوم التقنية الحديثة، بل كانت رحلة تعرُّف وإبحار معرفي فكري لم يكن لأبناء الثقافة العربية قبلها أي اتصال أو معرفة نستطيع أن نقول عنها شيئا مؤثرا.
خمس سنوات أمضاها الشيخ الجليل رفاعة رافع الطهطاوي في فرنسا لا يفعل أي شيء سوى التعلم وإتقان الفرنسية والقراءة بها والترجمة عنها، فضلا على اتساع حدقتي المشاهدة عن آخرهما كي يستطيع أن يستوعب أكبر كم ممكن من المشاهد والتفاصيل والسلوك والأفكار، ولم يكن الطهطاوي في كل ذلك متلقيا سلبيا مُفتتنا بما يراه، بل كان عاقلا واعيا يعرض كل ما يراه ويسمعه ويشاهده على العقل ويواجهه بمرآة 'التعقل' و'التبصر'، ثم يفكر ويتدبر ويتأمل لتكون الحصيلة -في النهاية- كتابه التأسيسي العظيم 'تخليص الإبريز في وصف باريز' الذي سيصفه شيخه حسن العطار بـ'مرآة الأعاجيب'. لماذا وصف الشيخ العطار الكتاب بهذا الوصف؟
للإجابة عن هذا السؤال، سنقف في هذه الحلقة من (مرفأ قراءة)، والحلقات التالية، وقفات متأنية أمام هذا الكتاب الذي لم يكن مجرد تدوين لرحلة وتسجيل لمشاهدات وسيرة لصاحبها بقدر ما كانت سجلًا للتعرف والمعرفة، ومعرضا للأفكار والسلوكات الاجتماعية والإنسانية وعرضها على محك الثقافة العربية والإسلامية.. أبدًا لم يكن مجرد كتاب؛ إنه توثيق للحظة الالتقاء الأولى بين ثقافتين وحضارتين ورؤيتين للعالم في تلك اللحظة المقررة من القرن التاسع عشر، ومصر ومعها العالم العربي كله تبحث عن ذاتها وتكشف أسرار ماضيها، وتطرح أسئلة حاضرها.
(2)
منذ اللحظة الأولى التي وطئت فيها قدما الشيخ أرض فرنسا، أدرك أنه لا سبيل إلى الإمساك بزمام المعرفة والقدرة على التحصيل إلا بوسيلتين أساسيتين لا غنى عنها، لكي تكتمل الغاية من رحلته التنويرية تلك؛ وهما:
الأولى: حذق اللغة الفرنسية وتعلمها والترجمة عنها، والثانية الأخذ بنصيحة أستاذه الشيخ العطار بضرورة التدوين والتسجيل لكل صغيرة وكبيرة تمر على حواسه، وأن تكون هذه الحصيلة هي مادة كتابه الأول الذي يسجل فيها كل ما دار في رحلته وما مر عليه من خبرات.. إلخ. وذلك بالمعنى الذي يجعل الكتابَ استخلاصًا واستقطارًا لأسباب تقدم الفرنسيين، ووصفًا للمظاهر الفعلية لهذا التقدم، وكما كان السفر 'مرآة الأعاجيب' على نحو ما قال الشيخ حسن العطار في تقديمه كتاب تلميذه بعد أن فرغ منه وعاد إلى مستقره، كان السفر أيضا تحولًا للوعي، وتغيرًا في الفكر، وارتحالًا من منظور إلى منظور، وكانت الكتابة تسجيلًا لهذا التحول، خطوة، خطوة.
وهكذا يستهل الطهطاوي رحلته، ويبدأ 'تخليص الإبريز' حركته من القاهرة، ومن ولي النعم (محمد علي باشا) الذي سهل الدخول في وظيفة واعظ في العساكر الجهادية، ثم منها إلى رتبة مبعوث إلى باريس صحبة الأفندية المبعوثين لتعلم العلوم والفنون الموجودة بهذه المدينة البهية، وقبل أن تنقلب الصفحة الأولى من الكتاب، ونغادر القاهرة، يؤكد لنا الشيخ الشاب الواعظ الذي صار مبعوثًا أن هدفه من الكتاب هو حث ديار الإسلام على البحث عن العلوم البرانية والفنون والصنائع، فإن كمال ذلك ببلاد الإفرنج أمر ثابت شائع، والحق أحق أن يتبع، ويعلن الشيخ الشاب في حسرة خلاصة الرحلة، من قبل أن تبدأ أوراق وصفها، كأنه يستبق النتيجة التي لا يصبر عليها، ويقول مقسما: 'ولعمر الله إنني مدة إقامتي بهذه البلاد في حسرة على تمتعها بذلك وخلو ممالك الإسلام منه'.
هذه العبارة هي مفتاح الكتاب كله، كما يرى الدكتور جابر عصفور، ومفتاح جهد رفاعة في حياته كلها.
(3)
كيف تصل بلاد المسلمين إلى 'التقدم' و'التمدن' الذي وصلت إليه بلاد الفرنجة؟
ذلك هو السؤال الذي استهل به رفاعة رحلته، وكان 'تخليص الإبريز' هو البداية، و'وصف باريز' هو المنطلق، وكان أول الإجابة مرتبطا بإعمال العقل، لا النقل، في تحصيل المعرفة، وإطلاق سراح العقل في التجريب والإبداع دون حجر عليه، ودون تعلل بالقشور، أو الجمود الذي يعوق حركة العقل ويشله.
وتمضي الإجابة التي تقرن العقل بالعلم الذي لا يفصل بين المصنع والمعمل، ويتأسس بالمكتبة والمخبر، وينمو بالأكاديمية الحرة والمؤسسة التعليمية المستقلة، ويتضافر العقل والعلم مع العدل والمساواة في معاملة الحاكم للمحكوم، ومعاملة المواطن للمواطن، ويتأسس ذلك كله بالفصل بين السلطات، وخضوع الجميع إلى الدستور والقانون، وحين تتأكد 'الحرية' بوصفها القيمة التي تنطوي عليها قيم العدل والمساواة والعلم والعقل يتأكد التقدم في المجتمع، وتكتمل إجابة رفاعة عن السؤال.
ولم يكن مصادفة أن يبدأ رفاعة الفصل الأول من المقالة الثانية 'من تخليص الإبريز' ساخرًا دون أن يعلن سخريته، وينهي الكتاب في الخاتمة مهاجمًا دون أن يعلن هجومه.. وفي كلا الحالين، كان يؤكد قيمة العقل في أكثر سياقاته حساسية لعصره، يتوقف قبل أن يصف دخوله إلى مدينة مرسيليا؛ أي وهو في الأعراف الفاصلة بين شرقه المتخلف والغرب المتقدم الذاهب إليه، يتوقف رفاعة، والسفينة تنتظر في الحجر الصحي 'الكرنتينة' ليذكر ما قيل له عن مناظرات بعض فقهاء المغرب، فقد وقعت الواقعة بين العلامة الشيخ محمد المناعي التونسي المالكي المدرس بجامع الزيتونة ومفتي الحنفية العلامة الشيخ محمد البيرم، وذلك حول الحجر الصحي 'الكرنتينة' أمباح هو أم حرام؟
أما الأول فذهب إلى التحريم مؤكدًا أن الكرنتينة من جملة الفرار من القضاء، وذهب الثاني إلى الإباحة والوجوب مستدلًا على ذلك من الكتاب والسنة، ويصمت رفاعة عن التعليق لكن وصفه للكرنتينة يغني عن كل تعليق.
(4)
وتغادر سفينة رفاعة الأعراف (مارسيليا) ويصل إلى باريس، ويتعلم، ويسجل خلاصة ما تعلم، لكنه، وهو يختم كتابه، يتوقف عند المرأة الفرنسية، فينصفها، ويؤكد صورتها الجميلة في إبداع الفنون وإتقان العلوم، ويقول لنا إن السؤال يقع كثيرًا من جميع الناس على حالة النساء عند الإفرنج، ويجيب رفاعة عن السؤال بقوله:
'إن وقوع اللخبطة بالنسبة لعفة النساء لا يأتي من كشفهن أو سترهن، بل منشأ ذلك التربية الجيدة والخسيسة والتعود على محبة واحد دون غيره، وعدم التشريك في المحبة والالتئام بين الزوجين'، ولا يعلن رفاعة عن من تقع عنده 'اللخبطة' لكن سياق كتابه يوضح المقصود، وأهم من ذلك يوضح حلمه في أن تصبح النساء في وطنه 'حسان المسايرة' لا يختلفن عن الذكور في تحصيل المنافع والفوائد، خصوصا بعد أن علمته باريس 'أن للنساء تآليف عظيمة، ومنهن مترجمات للكتب من لغة إلى أخرى، مع حسن العبارات وسبكها وجودتها'، كما تعلم أنه لا يليق للمرء أن يسأل عن جمال المرأة وحده بل 'عن عقل المرأة وقريحتها وفهمها وعن معرفتها'.
ولم تكن مصادفة أن أول كتاب يترجمه رفاعة في باريس يحمل عنوان 'قلائد المفاخر في غريب عوائد الأوائل والأواخر'، ونقرأ فيه أنه 'كلما كثر احترام النساء عند قوم كثر أدبهم وظرافتهم، فعدم توفية النساء حقوقهن، فيما ينبغي لهن الحرية فيه، دليل على الطبيعة البربرية'، ولم تكن مصادفة كذلك أن آخر كتاب أخرجه رفاعة كان بعنوان 'المرشد الأمين في تعليم البنات والبنين'، وهو الكتاب الذي طبع في العام الذي افتتحت فيه أول مدرسة لتعليم البنات، وهو العام نفسه الذي توفي فيه رفاعة الطهطاوي رائد التنوير الأول عام 1873.