طريق اللبان والحرير.. شراكة اقتصادية تاريخية بين عُمان والصين
السبت / 19 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 16:39 - السبت 31 أكتوبر 2026 16:39
سالم أحمد سالم الكثيري - باحث في التاريخ العُماني
تأتي زيارة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم - حفظه الله ورعاه - إلى جمهورية الصين الشعبية لتفتح فصلا جديدا ومشرقا في مسار العلاقات العُمانية الصينية المتجذّرة في عمق التاريخ الإنساني والحضاري، وهي زيارة لا تستحضر فحسب آفاق التعاون الدبلوماسي والسياسي والاستراتيجي المشترك بل تستند إلى رصيد حضاري واقتصادي ضارب في القدم، مثلت فيه الشراكة التجارية بين البلدين نموذجا فريدا للتواصل الفاعل والمثمر بين الشرقين الأدنى والأقصى.
جذور التواصل التاريخي
إن تتبع مسار التواصل الاقتصادي والحضاري التاريخي بين شبه الجزيرة العربية عموما وسلطنة عُمان بوصفها بوابة رئيسة وبين الصين، يكشف بوضوح عن الدور المحوري والفريد الذي لعبته الموانئ العُمانية التاريخية، وفي مقدمتها ميناء البليد وميناء مرباط، وموانئ شمال عُمان كصحار ومسقط، فقد شكلت هذه الموانئ نقاط التقاء استراتيجية ساهمت في تفعيل شبكة التجارة العالمية عبر تقاطع وتكامل اثنين من أعظم الطرق التجارية في تاريخ البشرية وهما طريق اللبان وطريق الحرير البحري.
وتشير الكتابات والمصادر الصينية القديمة إلى أن التجار والملاحين العُمانيين وصلوا إلى شواطئ الصين الجنوبية في فترات مبكرة تعود لما بين عامي (203 ق.م – 97م)، ومع بزوغ فجر الإسلام شهدت العلاقات السياسية والرسمية دفعة نوعية كبرى، إذ تفيد المصادر التاريخية والسجلات الرسمية لسلالة تانغ (618–907م) بأن أول بعثة دبلوماسية رسمية أُرسلت من شبه الجزيرة العربية إلى البلاط الصيني كانت في عام 651م في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان تلتها أعداد متلاحقة من البعثات والوفود الرسمية المتبادلة.
وقد فرض الواقع الجغرافي والاقتصادي وطبيعة الموارد المتوافرة في المنطقتين ضرورة حتمية للتلاقي والتبادل المنفعي المشترك، ففي الوقت الذي اشتهرت فيه الصين بإنتاج وتصدير السلع الفاخرة ذات القيمة العالية، وعلى رأسها الحرير الصيني الأصلي، والخزف الرفيع، ومنتجات السيلادون والمسك والعود، وكانت الموانئ العُمانية ومراكزها الحضرية ترفد الأسواق الصينية والعالمية بمنتجات استراتيجية وطبيعية فريدة لا غنى عنها، وتأتي في طليعة هذه السلع العُمانية اللبان العُماني الذي انفرد إقليم ظفار بإنتاج أجود أنواعه عالميا، فضلا عن تصدير المر والعنبر الذي حظي بشهرة أسطورية لدى العطّارين، إلى جانب الخيول العربية الأصيلة، ومادة دم الأخوين (دم التنين) والصبر التي دخلت في صناعة العقاقير والصبغات الطبية الصينية.
وحظيت هذه الروابط باهتمام بالغ في السجلات والحوليات الصينية الرسمية المتعاقبة، فمنذ عهود سلالات تانغ (618–907م) وسونغ (960–1279م) ومينغ (1368–1644م) وثقت الوثائق الصينية بدقة متناهية مكانة عُمان وإقليم ظفار وموانئها الاستراتيجية، وأشار الكتاب والجغرافيون الصينيون أمثال تشو جو كوا والرحالة ماهوان إلى إقليم ظفار تحت اسم (Nufa) وميناء مرباط تحت اسم (Ma-lo-ba، واصفين إياهما بأنهما من المراكز الرئيسة لتجميع وتصدير اللبان الفاخر ومختلف العقاقير الطبية التي أصبحت لاحقا جزءا أصيلا ومكونا أساسيا في الصيدلية التقليدية الصينية وفي طقوس البلاط والأباطرة.
وبهذا التقاطع التاريخي الفريد بين الطرق البرية والبحرية، أصبح طريق الحرير البحري امتدادا طبيعيا ومكملا لطريق البخور، ليؤكدا معا أن الشراكة بين عُمان والصين ليست وليدة اللحظة المعاصرة، بل هي امتداد حضاري متين وموثق عبر آلاف السنين.
الدور التجاري والبحري العريق لعُمان في خريطة التواصل مع الصين
مثلت سلطنة عُمان عبر التاريخ محورا استراتيجيا وركيزة أساسية في حركة الملاحة والتجارة العالمية، وشكلت بفضل موقعها الجغرافي المتميز جسرا متينا للتواصل الحضاري والاقتصادي بين العالم العربي والشرق الأقصى، ولا سيما الصين، وتؤكد السجلات التاريخية أن أواصر هذه العلاقات الثنائية قد توثقت على المستويين السياسي والتجاري منذ فترة متقدمة تعود إلى النصف الثاني من القرن الأول الهجري (السابع الميلادي) وتحديدا في عهد أسرة تانغ، وقد قوبل الحضور التجاري العُماني في الموانئ الصينية برعاية وحرص بالغين من الإدارة الحاكمة هناك، إذ تعاملت السلطات الصينية بتقدير مع التجار العُمانيين، وطالبت مواطنيها بإرساء قواعد التجارة العادلة معهم، وحظرت فرض الضرائب الباهظة على بضائعهم، وعاقبت بحزم كل من يتسبب لهم في المضايقات، مما عزز بشكل مباشر من إقبالهم وتوافدهم على الموانئ الصينية.
ولم تكن الموانئ العُمانية مجرد محطات استهلاك محلي، بل تجاوزت ذلك لترتقي إلى مصاف المراكز التجارية الكبرى، حيث كانت المراكب القادمة من الصين والهند وشرق إفريقيا تتخذ منها معبرا أساسيا للتزود بالمياه وشحن البضائع وتخزينها قبل أن تتابع رحلتها نحو فارس والعراق والبصرة، وقد أشار الجغرافيون المسلمون أمثال ابن عبدالمنعم الحميري(توفي 900هـ) إلى مكانة عُمان بوصفها المرفأ الرئيس الذي تحمل إليه الأمتعة والسلع القادمة من سيراف، ولم يقتصر دور البحارة العُمانيين على تصدير المنتجات المحلية بل امتد ليشمل الوساطة التجارية النشطة، إذ كانوا يجلبون السلع الإفريقية النادرة وعلى رأسها أنياب الفيلة (العاج) من سواحل شرق إفريقيا إلى الموانئ العُمانية، ليقوموا بعد ذلك بإعادة شحن وتصدير ما فاض منها إلى الأسواق الصينية، وقد حظي العاج الإفريقي بمكانة رفيعة في البلاط الصيني، حيث كان يستعمل في صناعة الأعمدة المخصصة لمجالس الملوك، وفي طقوس هياكلهم.
وقد ازدادت معرفة الصينيين بأحوال منطقة جنوب الجزيرة العربية في عهد أسرة سونغ (960-1279م) وذلك نتيجة لتنوع الطرق وسهولة المواصلات بين الصين والجزيرة العربية، ومن مظاهر تلك المعرفة تردد أسماء مناطق على الساحل العُماني في المدونات الصينية، وبالأخص في كتاب سجل الأمم الأجنبية الذي ألفه المدعو (تشو-جو-كوا) فقد ذكر أسماء مناطق مختلفة من عُمان ، ومنها: نو-فا (ظفار)، و مالو-با (مرباط)، ونو-مان (عُمان)، ووشي-وان (صحار)، وقد واكب الحراك الاقتصادي المزدهر بين عُمان والصين بروز شخصيات عُمانية بارزة تركت بصمات واضحة في مسار التواصل مع المشرق الآسيوي من أبرزها العلامة الشيخ أبو عبيدة عبدالله بن القاسم بن سابور البسيوي البهلوي العُماني (الذي كان حيا عام 171هـ/787م)، والذي جمع بين السعة العلمية والرحلة التجارية الواسعة، مسافرا إلى بلاد المشرق والصين ومكة والبصرة متاجرا بأصناف الطيب والمر والصبر، وإلى جانب ذلك توثق المدونات التاريخية حضور التاجر العُماني عبدالله الصحاري الذي استقر في الصين لسنوات طويلة قبل أن يودعها عائدا إلى وطنه في عام 1072م، كما برزت شخصيات أخرى تخصصت في تجارة البخور واللبان مثل التاجر بو-شو-جينج (أبو شوقي) الذي تقلد وظيفة مدير مكتب السفن التجارية في ميناء قوانغتشو الصيني.
وقد تأثرت مسارات هذه التجارة البحرية المتشعبة بعدة متغيرات جيوسياسية وكوارث طبيعية طرأت على المنطقة من أبرزها زلزال سيراف المدمر الذي أدى إلى تراجع دورها التجاري وتحول ثقل الحركة البحرية نحو الموانئ العُمانية، وقد اعتمد الملاحون العُمانيون على مسارين رئيسيين نحو الصين يتمثل الأول في الإبحار المباشر عبر أعماق المحيط الهندي مرورا بموانئ جنوب شرق آسيا، بينما يسلك الطريق الثاني خطوط الملاحة المحاذية للساحل عبر موانئ بلاد السند والهند وصولا إلى الصين، ونتيجة لاعتماد الملاحة الشراعية على مواعيد هبوب الرياح الموسمية كانت رحلة الذهاب والعودة تستغرق ما يزيد على ثمانية عشر شهرا، تتخللها محطات توقف إجبارية في موانئ استراتيجية بارزة مثل ميناء كله بار/كلبار الواقع في منتصف الطريق البحري، والذي مثل ملتقى آمنا لتبادل السلع بين التجار المسلمين والنظراء الصينيين تفاديا لمخاطر البحار والمحيطات.
اللبان في الذاكرة الصينية.. بلسم مقدس وسلعة استراتيجية
لم يكن اللبان العُماني مجرد سلعة تجارية عادية تباع وتُشترى في الأسواق الآسيوية، بل مثل عنصرا جوهريا ومقدسا في الذاكرة الصينية والتراث الطبي والصيدلاني لقرون طويلة، فقد أطلقت المصادر الصينية تسميات متعددة على اللبان القادم من موانئ جنوب الجزيرة العربية وظفار مثل (Xunliu) أو (Xunli)، وكان يعرف أحيانا باسم بخور الحليب (ti-ju) نظرا لصفائه ونقاء صمغه.
وقد احتل اللبان الظفاري مكانة رفيعة لدى الطبقة الأرستقراطية وفي البلاط الإمبراطوري الصيني، إذ دخل منذ عهد سلالة هان (206ق.م - 220م) في تركيب الأدوية الطبية والصيدلانية الصينية التقليدية، وكان الصيادلة الصينيون يعتمدون عليه لصنع عقاقير تستخدم لتنشيط الدورة الدموية، وإزالة الآلام، وعلاج الجروح، وبعض أمراض القلب والصدر، ولم تقتصر أهميته على الجانب الطبي بل امتدت لتشمل الجوانب الدينية والطقوس الجنائزية، حيث تدل الاكتشافات الأثرية في المعابد الصينية القديمة -مثل معبد القصر تحت الأرض في نانجينغ المعاصر لعهد أسرة سونغ- على استخدام اللبان بكثرة في الطقوس البوذية ووضعه داخل التوابيت المرافقة للموتى، ونظرا لشدة الإقبال عليه أصدرت الحكومة الصينية في عهد أسرة سونغ مراسيم تنظيمية دقيقة واحتكرت تجارته، ووصل حجم الواردات العُمانية منه إلى أرقام قياسية هائلة تغذي الموانئ والأسواق الكبرى في كانتون وغيرها من الموانئ الصينية.
ومما يبرز مدى عمق حضور اللبان في الذاكرة الصينية هو الدقة المتناهية التي اتبعها التجار وغرف الملاحة البحرية الصينية في تصنيف أنواع اللبان العُماني القادم من موانئ ظفار ومرباط، حيث كان يقسمونه إلى سبعة أصناف رئيسة، وذلك بحسب جودتها وأماكن جمعها وطرق تخزينها، فعلى رأس القائمة جاء صنف (جيانشيانغ) أو (دي شيانج) باعتباره أجود الأنواع وأغلاها سعرا، تلته أصناف أخرى مثل (بينغرو) و(بينغ شيانج) و(دايشيانغ)، وصولا إلى الأنواع الأخرى المصنفة بحسب درجة نقائها ولونها، وهذا التوثيق الدقيق يعكس بوضوح القيمة الاستراتيجية الكبرى التي يمتع بها اللبان الظفاري في الوعي التجاري والتاريخي الصيني، ليظل رمزا خالدا لتواصل حضاري عريق امتد عبر آلاف السنين.
العصر الذهبي للعلاقات.. البعثات الدبلوماسية وأساطيل تشينغ خه
لم تقتصر أواصر العلاقات العريقة بين سلطنة عُمان وخاصة إقليم ظفار والصين على نطاق التبادل التجاري الفردي فحسب، بل بلغت أوجها التاريخي والسياسي فيما يعرف بالعصر الذهبي الذي امتد خلال القرن الخامس عشر الميلادي/ القرن التاسع الهجري، فقد شهدت تلك المرحلة حراكا دبلوماسيا كثيفا وغير مسبوق، تمثل في تبادل البعثات الدبلوماسية الرسمية المباشرة بين أباطرة الصين وإقليم ظفار، ففي مستهل عهد سلالة مينغ الحاكمة أولى الإمبراطور الصيني يونغلي (يونغ لو تي) اهتماما بالغا بالمواصلات البحرية وتنشيط طرق التجارة، حيث كلف القائد والملاح المسلم البارز تشينغ خه بقيادة أسطول بحري ضخم جاب مياه المحيط الهندي على مدى سبع رحلات استكشافية كبرى بين عامي 1405م و1433م، وزارت أساطيل القائد تشينغ خه أكثر من ثلاثين دولة وإقليما في جنوب شرق آسيا وجنوب آسيا وشرق أفريقيا، وشملت محطاتها الاستراتيجية الموانئ العُمانية وظفار.
وقد حظيت ظفار بزيارتين تاريخيتين موثقتين ضمن هذه الرحلات: كانت الزيارة الأولى خلال الرحلة السادسة (1421-1422م)، في حين كانت الزيارة الثانية ضمن الرحلة السابعة والأخيرة (1431-1433م) وجاءت هذه الزيارات في الغالب كاستجابة دبلوماسية متبادلة وزيارات جوابية إثر إرسال حكام ظفار لوفود ومبعوثين رسميين محملين بالهدايا الفاخرة، مثل اللبان العُماني وطيور النعام إلى البلاط الإمبراطوري في بكين ونانجينغ، ولقد أحاطت السجلات والحوليات الرسمية لأسرة مينغ هذه الزيارات المتبادلة بعناية فائقة فقد كان المبعوثون العُمانيون -مثل المبعوث الملقب في السجلات بهادي حسين (هاي-زاي-هوتشان) يلقون ترحيبا كبيرا وضيافة رسمية لائقة في القصور الإمبراطورية، وفي المقابل وثق المترجمون والكتاب المرافقون لأسطول تشينغ خه أمثال ماهوان وفايسين بدقة متناهية مظاهر الحياة في إقليم ظفار، مسجلين الأنظمة الاقتصادية المتبعة وتداول العملات الذهبية المعروفة محليا بتانجاشيه إلى جانب العملات النحاسية الصغيرة للمعاملات اليومية.
وتتطابق هذه المدونات التاريخية النصية تماما مع المعطيات والمكتشفات الأثرية التي كشفت عنها حفريات بعثات التنقيب في موقع البليد الأثري بظفار، حيث عثر على كميات معتبرة من الخزف الصيني الفاخر (مثل أطباق السيلادون والخزف الأزرق والأبيض) والمسكوكات النحاسية التي تعود لتلك الفترات المزدهرة، مما يؤكد عمق الشراكة ومتانة الروابط الدبلوماسية والاقتصادية التي جمعت الجانبين في ذلك العصر الذهبي.
آفاق الشراكة المتجددة في العصر الحديث
إن هذه الشراكة التاريخية العميقة التي انطلقت قديما من شواطئ البليد لتصل إلى البلاط الإمبراطوري في بكين تتجدد اليوم برؤية معاصرة ومستشرفة للمستقبل يقودها بحكمة واقتدار جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم - حفظه الله - لتتلاقى بسلاسة مع مبادرة الحزام والطريق الصينية ورؤية 'عُمان 2040'، وكما كان اللبان العُماني بالأمس القريب والبعيد جسرا متينا للتواصل الاقتصادي والحضاري بين الشعوب تشكل مجالات الطاقة المتجددة، والاستثمار التجاري والصناعي، والصناعات اللوجستية المتقدمة، والتكنولوجيا الحديثة اليوم الركائز الراسخة لهذه الشراكة الاستراتيجية المتنامية، وتأتي الزيارة السامية إلى جمهورية الصين الشعبية تأكيدا عمليا وبليغا على أن سلطنة عُمان ماضية بثبات في مد جسور التعاون ومد أواصر الصداقة مع مختلف قوى العالم، مستندة إلى إرث تاريخي وتجاري عريق يجعل من الدبلوماسية الاقتصادية ركيزة أصيلة لتحقيق التنمية المستدامة والازدهار المشترك للشعبين الصديقين.
المراجع
• الحميري، محمد بن عبدالله بن عبدالمنعم: الروض المعطار في خبر الأقطار، مؤسسة ناصر للثقافة، بيروت، 1980م
• البرطماني، مريم بنت سعيد: طريق الحرير البحري بين عُمان والصين وأدواره الحضارية من القرن 2-9ه/8-15م رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة السلطان قابوس، مسقط، 2023م
• الراشدي، ناصر بن أحمد (وآخرون): معرض طريق اللبان: عمان في السجلات الصينية القديمة، بكين، 2023م
• محيرز، عبدالله أحمد: رحلات الصينيين الكبرى إلى البحر العربي، دار جامعة عدن للنشر والطباعة، عدن، 2000م
• يان، تشانغ زون: الاتصالات الودية بين الصين وعُمان عبر التاريخ، وزارة التراث والثقافة، مسقط، 2002م