بريد القراء

القانون يقرأ الورقة.. لكن العدالة تقرأ الإنسان

 

كنت سعيدة عندما التحقت بعملي، لأني نشأت في فناء بيئة تقدس العمل، فأبي كان يرى أن العمل هو أساس الحياة، وهو الركيزة الأساسية التي تُبنى عليها الأمم، ولطالما زرع في نفسي هذه القدسية والمكانة للعمل، لذلك تكوَّن لديَّ معتقد أن العمل هو الحياة، وأن المكان الذي يُمارس فيه العمل يشبه الحياة في صورتها العادلة.


كانت تسرد حديثها بحزن ولوعة، لأنها لم تكن تتوقع أن يأتي يوم تتأثر فيه معتقداتها وتنهار تصوراتها عن القيمة التي عاشت حياتها تُجلُّها وتحترمها. لمست في حديثها هذه المرارة، وهي تقول: «التحقت بمؤسستي بحثًا عن ذاتي في العمل لديها، ثم اكتشفت أنني دخلت عالمًا آخر؛ عالمًا تحكمه علاقات لا علاقة لها بالكفاءة، ومساحات خفية لا تظهر في اللوائح ولا في القرارات المكتوبة».


كانت هي واحدة ممن دخلوا الحياة المهنية بذلك القدر من الإيمان الذي يجعل الإنسان يرى العمل مساحة للإنجاز، لا ساحة للصراع، ويرى النجاح ثمرة للمعرفة والجدارة، لا للقرب والمجاملة والتقاء المصالح.


كانت ذكية، مجتهدة، صبورة، تؤدي عملها بإتقان، ولا تتردد في أن تقول إن ثمة خطأ ينبغي تصحيحه، لأنها جُبلت على الصدق والصراحة، ولم تكن تجيد فن المجاملة حيث تكون المجاملة ثمنًا للصمت، ولم تكن قادرة على حمل المباخر والمجامر لمن يملكون القرار.


كانت تناقش مديرها، ليس نقاشًا عقيمًا، أو بدافع الظهور والخصومة، وإنما دفاعًا عن العمل الذي تحبه وتؤمن به. تقول رأيها، وتنتقد الخطأ، وتسأل عن القرار حين لا تراه صائبًا.
لكن المؤسسة لم تكن تريد من يسأل، وإنما كانت تريد من ينفذ دون مناقشة أو مراجعة، ولأنها لم تُذعن لرؤية المؤسسة التي تطالب الجميع بالسمع والطاعة، صنفتها المؤسسة بأنها عنصر مزعج، شخص لا ينسجم مع تلك القاعدة غير المكتوبة التي تقول: لا تسأل كثيرًا، لا تنتقد، لا تقترب من أخطاء أصحاب القرار.


ولأن اختلافها أصبح عبئًا على المؤسسة، بدأ البحث عن طريقة لإقصائها، فوضعت تحت المراقبة الدقيقة، حمَّلوها ما لم تحتمل، ضاعفوا الأعباء عليها، ثم جاءت الملاحظات التي لم تكن تأتي لغيرها، والصغيرة تصبح كبيرة، وبدأت التحقيقات، ومن ثم ضياع فرصها في الترقيات، والانتقاص من درجاتها وحصولها على درجات تقييم لا تتناسب مع كفاءتها.


تحملت في البداية، لكن مع مرور الوقت لم تستطع التحمل، انهارت، بدأ جسدها يتكلم عن عجزها عن الكلام، ظهر عليها القلق، ثم المرض، لم تستطع أن تقاوم، أخذت إجازات مرضية موثقة، ثم وجدت نفسها أمام إجراءات تلغي بعضها أو لا تعترف بها، فهي تحت مقصلة الرصد من قبل المؤسسة، ولأنها لم تعد قادرة على الاحتمال تقدمت باستقالتها.
شعرت للحظة وهي تتقدم بطلب استقالتها أنها استعادت شيئًا من حريتها. قالت لنفسها: لقد اخترت، لقد خرجت بإرادتي.


لكن الإرادة ليست دائمًا بهذه البساطة، هل كانت إرادتها حرة عندما تقدمت باستقالتها؟
هل يكفي أن يمسك الإنسان القلم بيده حتى يصبح قراره حرًا؟ أم علينا أن نسأل أيضًا: ماذا حدث له قبل أن يمسك القلم؟ أي تعب قاده إلى تلك اللحظة؟ وأي ضغط أحاط به؟ وكم مرة حاول أن يبقى قبل أن يصل إلى اللحظة التي لم يعد فيها البقاء ممكنًا؟
لقد كتبت الاستقالة بإرادتها، نعم. لكن هل كانت الظروف التي صنعت تلك الإرادة من صنعها وحدها؟
هنا بدأ السؤال يأخذني من القانون إلى العدالة.


فالقانون قد ينظر إلى الورقة، إلى تاريخها، إلى توقيعها، وإلى ما إذا كانت قد قُبلت أم لم تُقبل. وقد تكون القاعدة القانونية واضحة في أثر الاستقالة وشروط الرجوع عنها.

لكنني كنت أفكر في سؤال آخر: ماذا لو كانت الاستقالة قُبلت؟
هل يكفي أن نقول: لقد استقالت؟ ثم نُنهي الحكاية؟
هل تكون العدالة قد قالت كلمتها بمجرد أن قرأت الورقة؟ أم أن هناك شيئًا لا يظهر في الورقة، لكنه يظهر في الإنسان؟
ماذا لو كانت الاستقالة هي آخر حلقة في سلسلة طويلة من الضغوط؟ وماذا لو كانت المؤسسة التي قبلت الاستقالة أحد أسباب وصول الموظفة إلى تلك اللحظة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة؟
هل يصبح القرار عادلًا لمجرد أنه صدر في صورة إرادية؟
وهل تكفي حرية اللحظة، إذا كانت اللحظة نفسها قد صُنعت تحت وطأة أشهر أو سنوات من الضغط؟
إنني لا أطرح هذه الأسئلة لأقول إن كل استقالة تصدر في ظروف ضاغطة هي بالضرورة باطلة قانونًا؛ فذلك شأن له شروطه وأحكامه وأدلته، وإنما أسأل عن شيء أوسع من الحكم القانوني.

أسأل عن العدالة، فالعدالة لا تكتفي دائمًا بأن تسأل: ماذا كُتب؟ بل تسأل أيضًا: لماذا كُتب؟
لا تنظر إلى التوقيع وحده، بل تحاول أن ترى اليد التي وقَّعت، والنفس التي كانت خلفها، والطريق الطويل الذي قادها إلى تلك الورقة. فالإنسان لا يدخل المحكمة في صورة مستندات فقط، يدخل وهو يحمل خوفه، وتعبه، وخيباته، وآماله، وما عجز عن كتابته في الأوراق.


القانون يحتاج إلى النص حتى يحكم، لكن العدالة تحتاج إلى الإنسان حتى تفهم، ولهذا، فإن أخطر ما يحدث للقانون ليس أن يطبق نصه، وإنما أن يطبقه دون أن يرى الإنسان الذي يقف خلف النص.


فالورقة قد تقول: «استقالت»، لكن الإنسان قد يقول شيئًا آخر: «لقد تعبت».


وقد تقول الورقة: «كان القرار بإرادتها»، بينما قد تقول الحياة كلها قبل تلك الورقة: «لم تعد تحتمل». وهنا، بالضبط، تبدأ المسافة بين القانون والعدالة.
فالقانون مهما بلغ من الدقة لا يستطيع أن يرى الإنسان كله في توقيع، ولا أن يختصر سنوات الألم في عبارة واحدة. فالعدالة ليست مجرد أن نعرف ما حدث، بل أن نفهم الإنسان الذي حدث له ذلك.