تربويون: التكامل بين الورقي والمنصات التعليمية يعزز الفهم وينمي مهارات التعلم الذاتي
ضرورة تطوير الكتاب المدرسي ليواكب اهتمامات الطلبة
الجمعة / 18 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 16:56 - الجمعة 30 أكتوبر 2026 16:56
أفاد تربويون بأن علاقة الطلبة بالكتاب المدرسي شهدت تغيرات ملحوظة في ظل التوسع في استخدام المنصات التعليمية والمصادر الرقمية وأدوات الذكاء الاصطناعي؛ إذ اتجه بعضهم إلى القراءة السريعة والملخصات الجاهزة ومشاهدة الشروحات، بدلًا من قراءة الدروس والبحث في محتواها وتحليل المعلومات. وأشاروا إلى أن الكتاب المدرسي لا يزال يحتفظ بمكانته الأساسية في العملية التعليمية، لما يؤديه من دور في تنمية مهارات القراءة والفهم والتحليل وترسيخ المعرفة. واستطلعت «عُمان» آراء عدد من التربويين حول علاقة الطالب بالكتاب المدرسي والمنصات الرقمية.
وقال معاذ المحرزي، معلم فيزياء: إن عادات الطلبة في قراءة الكتاب المدرسي ومراجعته شهدت تغيرًا مقارنة بالسنوات السابقة؛ إذ لا يزال بعض الطلبة يحافظون على عادة القراءة التقليدية، من خلال فتح الكتاب ووضع خطوط تحت الأفكار المهمة والعودة إليها قبل الاختبار. غير أن الشريحة الأكبر شهدت تغيرًا واضحًا في عاداتها، تمثل في الميل إلى القراءة السريعة والمختصرة؛ حيث يمر الطالب على الصفحة مرورًا خاطفًا خوفًا من الملل، ويكتفي بالعناوين والملخصات. ويضاف إلى ذلك تفضيل المشاهدة والاستماع على القراءة، إذ أصبح بعض الطلبة يبحثون عن مقاطع فيديو لشرح الدروس قبل أن يسألوا عن الصفحة التي سيبدؤون منها.
وأشار المحرزي إلى أن بعض الطلبة أصبحوا أقل ميلًا إلى البحث في الكتاب المدرسي وقراءة الدروس بأنفسهم، في ظل سهولة الوصول إلى الإجابات عبر الإنترنت وأدوات الذكاء الاصطناعي؛ إذ يلجأ عدد منهم إلى هذه الأدوات للحصول على الإجابة بسرعة، دون بذل جهد كافٍ لفهمها، وهو ما قد يؤثر في قدرتهم على البحث والاستيعاب. وأضاف أن الإشكالية تكمن في اعتماد بعض الطلبة على الإجابات الجاهزة بدلًا من خوض رحلة البحث والتفكير التي تسهم في بناء الفهم الحقيقي وتعزيز مهارات التعلم الذاتي.
وبيّن أنه يمكن تعزيز ارتباط الطالب بالكتاب المدرسي من خلال تطوير محتواه بما يتناسب مع خصائص المتعلمين، وجعله أكثر جاذبية وتفاعلًا، بما يشجعهم على القراءة والفهم والتحليل. وينبغي أن يركز الكتاب على تنمية مهارات التعلم الذاتي والاكتشاف والتحليل، بدلًا من الاقتصار على استرجاع المعلومات. كما يسهم تنويع الاستراتيجيات التعليمية داخل الصف في رفع دافعية الطلبة للتعلم، ومن ذلك توظيف أدوات التلعيب، مثل الكلمات المتقاطعة وتوصيل النقاط لتكوين الأشكال والنماذج، على أن تكون هذه الأنشطة متضمنة في الكتاب المدرسي نفسه، بما يجعل الطالب شريكًا في الدرس ويشجعه على الرجوع إلى الكتاب باستمرار.
التكامل بين الكتاب والمنصات
وعن أثر المنصات التعليمية في توظيف الكتب المدرسية، قال محمد الخنبشي، معلم أول فيزياء: إنه يرى أن المعلم الناجح هو من يوازن بين الكتاب والمنصات، فلا يلغي أحدهما ولا يبالغ في الاعتماد على الآخر؛ فالكتاب يظل أساسًا في تنمية مهارات القراءة والتحليل، ويساعد على تثبيت المعارف وتنظيمها في ذهن الطالب، أما المنصات والمحتوى التفاعلي فيكملانه، ويضيفان إليه التفاعل ومزايا التعلم الإلكتروني. ولهذا، فإن الكتاب لم يعد المحور الأوحد للعملية التعليمية، لكنه لم يفقد مكانته أيضًا.
وأوضح أن من أبرز التحديات التي تواجه الطلبة في استخدام الكتاب المدرسي بفاعلية، في ظل انجذابهم إلى المحتوى الرقمي، تشتت الانتباه بين الكتاب والمنصات؛ إذ ينتقل الطالب بينهما دون أن يستقر على أحدهما، إلى جانب ضعف جاذبية الكتاب وافتقاره إلى الشكل العصري الذي اعتاده الطالب في المحتوى الرقمي، وبطء تحديث الكتب المدرسية التي لا تواكب المستجدات بالسرعة المطلوبة.
وأضاف أن من التحديات أيضًا ترسخ قناعة لدى بعض الطلبة بأن المنصات والبحث في الإنترنت يغنيان عن الكتاب المدرسي، وهي قناعة يصعب التعامل معها؛ إذ يتوقع هؤلاء الطلبة أن كل ما يجدونه على الإنترنت صحيح، دون الرجوع إلى المصادر والتحقق من المعلومات.
وقال الخنبشي: إن هناك عدة طرق لتطوير الكتاب المدرسي بما يواكب اهتمامات الطلبة واحتياجاتهم التعليمية، من بينها تحديث محتواه بوتيرة أسرع وعلى فترات زمنية أقصر، حتى لا يبدو قديمًا أمام الطالب، وربط صفحاته برموز الاستجابة السريعة والروابط التفاعلية التي تنقل الطالب من النص المطبوع إلى مقطع فيديو أو محاكاة أو تمرين على المنصات التعليمية، بما يحقق التوازن وسلاسة الانتقال بين الكتاب والمصادر الرقمية.
وأشار إلى أهمية التوسع في الأمثلة الواقعية المستمدة من البيئة المحلية للطالب، بحيث يرى نفسه ومشكلاته في الدرس أثناء معالجتها، إلى جانب دمج المنصات التعليمية بالكتاب المدرسي، وعدم التعامل معها بوصفها مسارًا منفصلًا، لتصبح جزءًا مكملًا له.
من جانبها، قالت أمل الهنائي، مساعدة مديرة مدرسة قميراء للتعليم الأساسي:
إن الكتاب المدرسي لا يزال يحتفظ بمكانته الأساسية في العملية التعليمية، رغم التوجه المتزايد للطلبة نحو المصادر الرقمية. وأضافت أن التقنية ليست بديلًا عن الكتاب، بل وسيلة داعمة تثري المعرفة وتعزز التعلم، وأن التكامل بينهما هو الأساس لتحقيق تعليم نوعي.
وأشارت إلى أن الاعتماد المفرط على الملخصات قد يحد من عمق الفهم والاستيعاب، ويعزز الحفظ المؤقت بدلًا من التحليل والتفكير. فالكتاب المدرسي يقدم المعرفة بصورة متسلسلة ومتكاملة، بينما تسهم المصادر الرقمية في تبسيط المفاهيم وتعزيزها إذا استُخدمت بالشكل الصحيح.
وأوضحت أنه من خلال المتابعة التربوية، يُلاحظ أن الطلبة الذين يواظبون على مراجعة الكتاب المدرسي، مع الاستفادة من المصادر الرقمية، غالبًا ما يظهرون فهمًا أعمق وقدرة أفضل على التحليل والاستنتاج. فتميز الطالب لا يرتبط بمصدر المعرفة وحده، بل بكيفية توظيفه.
بين الورقي والرقمي
وفي السياق ذاته، قالت الدكتورة مريم الشيزاوي، أكاديمية في تكنولوجيا التعليم واختصاصية المعلومات: إن المتأمل في الواقع التعليمي اليوم يدرك عمق التحول الذي تمر به بيئات التعلم، ولا سيما في علاقة الطالب بركنين أساسيين من أركان المعرفة، هما الكتاب الورقي والمحتوى الرقمي المتجدد.
وأضافت أن السؤال لم يعد يقتصر على مجرد توفير الأجهزة أو المنصات الرقمية، بل تجاوز ذلك إلى البحث في أثر هذا الانتقال في بنية التفكير وعادات القراءة ومستويات الفهم والاستيعاب لدى الطلبة. ومع هذا التحول المتسارع، تبرز الحاجة إلى قراءة هذا الواقع من خلال ثلاثة محاور أساسية.
وأوضحت أن الطالب، عندما يفتح كتابًا ورقيًا، يدخل في مساحة هادئة تتيح لذهنه التمهل وإعادة قراءة السطر، وبناء ذاكرة مكانية مع النص؛ إذ يرتبط موقع الفكرة بموضعها على الصفحة، سواء في أعلاها أو أسفلها. أما أمام الشاشات الرقمية، فتسود حالة من «القراءة المسحية» السريعة، حيث اعتادت العين القفز بين السطور للوصول إلى المعلومة العاجلة. ورغم أن هذا النمط يوفر السرعة، فإنه قد يضعف، على المدى البعيد، مهارة الاستيعاب العميق والتذوق اللغوي، ويعزز التلقي السطحي للمفاهيم المعقدة.
وأشارت إلى أن الفروق التربوية تتجلى في طبيعة البيئة التي يوفرها كل من الكتاب الورقي والمحتوى الرقمي؛ فالكتاب الورقي يمثل بيئة تعلم محدودة المشتتات، تعين الطالب على التركيز وتمنحه فرصة الاستغراق الذهني دون مقاطعات، بينما يوفر المحتوى الرقمي بيئة مفتوحة وواسعة، لكنها محاطة بالمشتتات. فالطالب أثناء القراءة الرقمية يستهلك جزءًا من جهده الذهني في مقاومة الإشعارات والروابط التشعبية.
وأكدت أنه حتى يستفيد الطلبة من هذا التدفق المعرفي دون تشتت، لا بد من تدريبهم على مهارات انتقاء المعلومات والتفكير الناقد، بحيث يدخل الطالب إلى العالم الرقمي بدوافع محددة وأسئلة موجهة، مع تشجيعه باستمرار على إعادة صياغة ما يقرأه رقميًا، من خلال تدوين أفكاره بخط اليد وتلخيصها بما يساعد على تثبيتها.
كما أوضحت أن الواقع والخبرة التربوية يؤكدان صعوبة الاستغناء التام عن الكتاب الورقي؛ لأن العملية التعليمية ستفقد إحدى ركائزها الأساسية في بناء الفكر وتطوير مهارات الكتابة والتركيز. وفي المقابل، فإن التغافل عن التكنولوجيا سيعزل الطالب عن واقعه الرقمي، ما يجعل التكامل بين الكتاب الورقي والمحتوى الرقمي ضرورة لتحقيق تعلم متوازن وفاعل.