أفكار وآراء

صربيا والقوى الطلابية حول العالم

من الهند إلى أمريكا اللاتينية تجتاح الحركات الطلابية العالم؛ لتقف أمام المد اليميني المدعوم غالباً من أمريكا التي تُسخر هيمنتها وآلتها الإعلامية لنصرة الشعبوية والسياسات الاقتصادية الليبرالية.

الإنجاز التاريخي للحركة التي يقودها طلبة صربيا تمنح أملاً للحركات النشطة في ساحات العالم اليوم، وتتحدى الواقع المتشائم والاعتقاد القانط بالصعود الحتمي لقوى اليمين.

في منتصف 2024 انتهت أعمال الصيانة في المحطة الرئيسية بمدينة نوڤي ساد. هذه المحطة التي شُيدت منتصف الستينيات بتصميم عُد متقدماً على عصره أظهرت علامات تداعٍ واضحة بعد قرن من إنشائها، وكان الكثير من مرافقها خارج الخدمة بحلول العقد الأول من القرن الجديد.

وكجزء من مبادرة -الحزام والطريق- الصينية تقرر تطوير سكة الحديد التي تربط العاصمة المجرية بودابست بالعاصمة الصربية بلغراد. نوڤي ساد هي ثاني أكبر مدينة في صربيا، وتبعد أقل من ساعة بالقطار عن العاصمة. لم تصمد محطتها المصونة سوى أشهر قبل أن ينهار سقفها الخرساني متسبباً في مقتل حوالي 16 شخصا.

التداعيات الأولية للكارثة أسفرت عن استقالة وزير الإعمار والتحقيق مع عشرات المتهمين بالتورط، إلا أن التحقيقات والمحاكمات فشلت في تحميل أي طرف مسؤولية الحادثة.

أمام هذه الخسارة التي تمر دون مساءلة والفساد الحكومي انطلقت سلسلة من المظاهرات التي بدأت كتعبير عفوي غرضه تكريم الضحايا لتتحول إلى عصيان مدني في حراك سيمتد لعامين، ويُغير وجه السياسة الصربية عبر تجربة استثنائية في التاريخ الأوروبي الحديث.

يؤرخ لنا باحث العلوم السياسية إيفايلو دينيف Ivaylo Dinev في مقالاته العديدة التي ترصد الحراك الخط الزمني للأحداث.

تجمع الطلبة التضامني - الذي تبع الكارثة - وُوجِهَ بتدخل عنيف دبره الحزب الحاكم، فاستجاب الطلبة لذلك بحصار واحتلال الجامعات حول صربيا تحولا إلى إضراب شمل معظم المؤسسات التعليمية بما في ذلك صفوف التعليم الثانوي، بل حتى التعليم الأساسي.

تطورت الاحتجاجات لتشمل المظاهرات الميدانية، والمسيرات، وقطع الطرق، وحصار مبنى الإذاعة والتلفزيون الصربي، وتوسع الإضراب ليشمل شركات ومؤسسات القطاع العام المختلفة.

مطالب المتظاهرين وقتها تمثلت في الكشف عن الوثائق الخاصة بتطوير المحطة المنهارة، والإفراج عن المتظاهرين المعتقلين، ورفع مخصصات قطاع التعليم. وردود فعل الحكومة تراوحت بين الوعد بتلبية المطالب من جهة، والاعتقالات الواسعة والتهديدات بقطع المعونة المالية عن الطلبة، واستخدام آلتها الإعلامية للترويج بأن الحراك موجه من الخارج.

إلا أن هذا لم يؤثر على مصداقية الحركة التي أيدتها غالبية الشعب الصربي حسب الباحث، بل إنه منذ ألأيام الأولى انضم إلى الطلبة فوراً أكاديميون ومحامون وإعلاميون ورياضيون ومشاهير.

قائمة المطالب توسعت أيضاً مع مشاركة القطاعات المختلفة، وسريعاً ما أصبح هدف الحراك الإطاحة بفوتشيتش الذي قضى أكثر من عقد في السلطة.

المقاربة السياسية للحركة أصرت على اللامركزية؛ حيث كان للجميع حق التصويت في التجمعات العامة، كما نأى المحتجون بأنفسهم عن الأحزاب السياسية القائمة.

خلال الانتخابات (المبكرة استجابة للاحتجاجات والإضرابات المستمرة) تقدمت الحركة بقائمة انتخابية من المرشحين المستقلين المكونة من طلبة وأكاديميين ومهنيين وعمال دون أن تكشف عن مرشحها لرئاسة الوزراء في حال الفوز.

تُشير آخر نتائج انتخابات الأحد إلى أن الحركة فازت بأكثر من 52٪ من أصوات الناخبين مقابل حوالي 40٪ للحزب الحاكم، ما يعني أن حركة الطلبة ستشكل أغلبية البرلمان.

في تجارب كثيرة كان عدم مركزية الحركات يكشف عن تحديات لاحقة، ويؤدي أحياناً إلى اختطاف الحركة عندما تأتي لحظة اختيار ممثل عنها، لكن التجربة الصربية بتنظيمها العالي تمكنت كما يبدو من منح المشاركين ذلك الشعور بأنهم جزء من الحركة، وأن صوتهم مؤثر وذو وزن بينما اختارت ممثليها المتنوعين عندما حانت لحظة التمثيل.

التحدي الذي يُشير إليه كثير من المعلقين هو نقص خبرة المرشحين السياسية، والتحدي الصعب أمامهم للتعامل مع النظام القائم.

سياسة الحركة الخارجية ليست واضحة بعد؛ حيث ركز برنامجها حتى الآن على التحديات المحلية. وسؤال ما إذا كانت ستكون أقرب للاتحاد الأوروبي (الذي لم يُبدِ فعلياً موقفاً واضحاً من الحراك) أو روسيا سيتضح مع تشكيل الحكومة الجديدة.

يتزامن هذا الانتصار مع فوز آخر في أمريكا اللاتينية؛ إذ حُسمت الانتخابات لصالح اليسار بقيادة لولا (كنتُ قد كتبت عن الانتخابات البرازيلية مطلع الشهر بعد الجولة الأولى). إلا أن للانتصار الصربي طعما آخر؛ فهذا الحراك بنى قائمته الانتخابية من مرشحين مستقلين.

هذا الحراك استطاع أن يحشد الشعب لتسجل الانتخابات أعلى عدد من الناخبين منذ عقود. في البرازيل يميل اليسار أكثر فأكثر نحو الليبرالية الاقتصادية التي تفاقم الفقر وانعدام العدالة في هذا البلد الكبير الذي يعاني جل سكانه.

ويبدو أن التصويت للولا قادم من التخوف من حليف ترامب ونتنياهو اليميني الشعبوي بينما يفتح الحراك الصربي أفقاً سياسياً جديداً مقنعا من فقدوا الأمل بأن يذهبوا لصناديق الاقتراع، وينجح عبر تنظيمه ومثابرته في تشكيل مشهد سياسي أقرب للشارع. ويمنح الحراك الطلابي في كل مكان زخماً وقرينة بأن ثمة أملا في إنقاذ المستقبل.