أفكار وآراء

قناة أمريكية صينية لسلامة الذكاء الاصطناعي

ليزي سي. لي - سايمون هيدلين

كانت النتيجة الأكثر وضوحا وملموسية للقمة التي عُقدت الشهر الماضي بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينج، التوصل، على ما يبدو، إلى اتفاق لإنشاء قناة أمريكية صينية للإبلاغ عن الحوادث المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.

ولكن حتى لو أبدت أيٌّ من الحكومتين استعدادا لاستخدام هذه القناة المباشرة، أو الشروع في تبادل البيانات عبر المحيط الهادئ، فإن عليهما أولا معالجة مسألة أكثر إلحاحا: فالشركات الأمريكية والصينية المطوِّرة لنماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدما لا توفر حاليا المعلومات التي ستحتاج إليها الحكومتان لهذا الغرض.

في الولايات المتحدة، لا يوجد أي قانون اتحادي أو لائحة تنظيمية اتحادية تُلزم شركات الذكاء الاصطناعي تحديدا بإبلاغ الحكومة عن الحوادث المتعلقة بالسلامة والقدرات التي قد تنطوي على مخاطر.

وعلى الرغم من أن بعض الولايات أقرّت قوانين تُلزم بالإبلاغ عن هذه الحوادث، فإن التشريعات الاتحادية، مثل: «قانون الإبلاغ عن حوادث الذكاء الاصطناعي» و«قانون فرونتير»، تعثّرت في الكونجرس. وهكذا، لا تزال صناعة الذكاء الاصطناعي تتولى إلى حد كبير تنظيم نفسها بنفسها.

علاوة على ذلك، ورغم أن «اتفاق البيت الأبيض بشأن الذكاء الفائق» يتضمن تعهدا بتحديد مشكلات السلامة ومعالجتها، فإنه لا يفرض إخطار الجهات التنظيمية بهذه المشكلات، ولا يحدد مواعيد نهائية للإبلاغ عنها.

وفي الوقت نفسه، تعمل «قوة الذكاء الفائق» المنفصلة، التي أنشأتها إدارة ترامب، على تطوير آليات حكومية للإبلاغ عن الاختراقات الأمنية والهجمات الإلكترونية وغيرها من الحوادث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. غير أن هذه القوة ليست جهة تنظيمية، وستحتاج توصياتها إلى أن تُترجم إلى تدابير قابلة للإنفاذ حتى تصبح ملزمة.

وهناك أيضا نقص حاد في التمويل المخصص لاختبارات الذكاء الاصطناعي والرقابة عليه على مستوى الحكومة الاتحادية. فوفقا لـ«تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي لعام 2026» الصادر عن جامعة ستانفورد، أطلق المطوّرون الأمريكيون خلال العام الماضي 59 نموذجا بارزا للذكاء الاصطناعي، في حين لم يطلق المطوّرون البريطانيون سوى نموذج واحد.

ومع ذلك، لا تتجاوز الميزانية السنوية للهيئة الاتحادية الأمريكية الرئيسية المعنية باختبار الذكاء الاصطناعي، وهي «مركز النهوض بالابتكار والمعايير للذكاء الفائق» (CAISSI) التابع لوزارة التجارة، 15 مليون دولار، مقارنة بميزانية تقارب 90 مليون دولار لـ«معهد أمن الذكاء الاصطناعي» (AISI) في المملكة المتحدة.

وبالنظر إلى أن «اتفاق البيت الأبيض» يبدو أنه يتصور اضطلاع المختبرات المطوِّرة لنماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدما بالجزء الأكبر من اختبارات السلامة بنفسها، فلا يزال من غير الواضح ما الدور الذي ستؤديه الحكومة في التحقق من صحة هذه الاختبارات، وما إذا كانت أي جهة حكومية ستتمكن من الوصول إلى قدرات حوسبية كافية لإجراء اختباراتها الخاصة.

وعلى خلاف الولايات المتحدة، لا تواجه الحكومة الصينية عراقيل سياسية تعوق عملها، وقد أرست بالفعل هيكلا تنظيميا واسع النطاق، إذ دعت «إدارة الفضاء السيبراني الصينية» (CAC) مؤخرا إلى فرض ضوابط على سلوك أنظمة الذكاء الاصطناعي، وإتاحة إمكانية تتبّع النماذج، وإجراء اختبارات أمنية، ووضع ضمانات للحماية من الثغرات الأمنية في الأنظمة ومخاطر فقدان السيطرة عليها.

ومع ذلك، لا توجد في الصين حتى الآن هيئة مماثلة لـ«مركز النهوض بالابتكار والمعايير للذكاء الفائق» (CAISSI)، أي هيئة مركزية متخصصة في سلامة الذكاء الاصطناعي تتمتع بتفويض واضح.

ورغم أن الحكومة الصينية تمتلك صلاحيات واسعة في التعامل مع شركات التكنولوجيا، فإن مسؤوليات الرقابة موزعة بين «إدارة الفضاء السيبراني الصينية»، ووزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات، و«اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح» (NDRC)، ووزارة العلوم والتكنولوجيا، وغيرها من الجهات الحكومية.

ويتطلب تقييم المخاطر التي تنطوي عليها نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدما خبرات تقنية متخصصة، وتنسيقا بين جميع الجهات الحكومية الصينية المعنية، بما فيها الأجهزة الأمنية. غير أن بعض الجهات الحكومية الصينية تفتقر إلى القدرات التقنية الكافية، في حين يعمل كثير من أصحاب الخبرات التقنية الأكثر عمقا في معاهد بحثية خاصة لا تملك صلاحية إلزام الشركات بإتاحة الوصول إلى نماذجها الأكثر تطورا، ناهيك عن فحص سجلاتها الداخلية أو إجبارها على إجراء تغييرات عليها.

وفي الوقت الراهن، أوفدت الحكومة مسؤولين من «إدارة الفضاء السيبراني الصينية» و«اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح» إلى مختبرات الذكاء الاصطناعي الصينية، لمناقشة إمكانية فرض قيود على طرح النماذج الأكثر تقدما. غير أن السلطات ستحتاج في نهاية المطاف إلى إلزام الشركات بتشكيل فرق داخلية لاختبار السلامة، وتوفير قدرات حوسبية كافية، وإخضاع النماذج الأكثر تطورا لاختبارات السلامة قبل طرحها.

ومع اقتراب موعد الحوار الصيني الأمريكي المقبل بشأن سلامة الذكاء الاصطناعي، المقرر عقده في نوفمبر، ينبغي للولايات المتحدة والصين التركيز على المتطلبات التي من شأنها زيادة فرص نجاح قناة الإبلاغ عن الحوادث.

فمن جانبها، تحتاج الحكومة الأمريكية إلى سياسة واضحة وشفافة وملزمة لاختبار نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدما. ويتعين على البيت الأبيض إما الكشف عن إطاره التنظيمي الحالي وجعله ملزما، وإما التعاون مع الكونجرس لإقرار تشريع من قبيل «قانون فرونتير»، الذي يحظى بدعم الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

وتحتاج الحكومة الاتحادية أيضا إلى وضع قواعد لعمليات التدقيق الخارجي على شركات الذكاء الاصطناعي، تمنح المدققين تفويضا واضحا، وتحدد التزاماتهم بالإبلاغ، وتكفل لهم استقلالية فعلية، على أن تتولى هيئة تمثل القطاع أو جهة حكومية اختيار هؤلاء المدققين ودفع أتعابهم.

وفي الوقت نفسه، يتعين على إدارة ترامب أن تتبنى نهجا أكثر استباقية في مراقبة مدى امتثال الشركات للمتطلبات التنظيمية. وينبغي لها الاستعانة بـ«قوة الذكاء الفائق» لمراجعة الآلية الحالية المعيبة لطرح النماذج الأكثر تقدما، والنظر في كيفية التعامل مع النماذج ذات الأوزان المفتوحة التي تتزايد قدراتها باستمرار، والبدء في التحرك نحو إنشاء آلية للاستجابة لحوادث الذكاء الاصطناعي تتمتع بصلاحيات فعلية تضمن فاعليتها.

أما على الجانب الصيني، فإن تفعيل قناة الإبلاغ عن الحوادث يتطلب ردم الفجوة بين الصلاحيات التنظيمية والخبرات التقنية؛ إذ يمكن لـ«إدارة الفضاء السيبراني الصينية» تحديد متطلبات السلامة وترتيبات الإبلاغ عن الحوادث، فيما تتولى الهيئات التقنية تطوير آليات التقييم والتحقق من صحتها، وتعمل «اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح» وغيرها من الجهات المعنية بالصناعة على تقدير الآثار المترتبة على الاستثمار وانتشار التكنولوجيا، بينما تظل وزارة التجارة معنية بالقواعد المنظمة لنقل التكنولوجيا والصادرات. ومع منح الولايات المتحدة «قوة الذكاء الفائق» صلاحية إجراء مراجعة شاملة لدور الحكومة الأمريكية، ينبغي للصين أن تنظر في اتخاذ خطوة مماثلة.

وتحتاج الصين أيضا إلى معالجة القصور في قدراتها على تقييم نماذج الذكاء الاصطناعي، وضمان إتاحة قدرات حوسبية كافية للشركات والجهات المعنية بالتقييم والهيئات الحكومية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة مع التقدم السريع الذي تحققه النماذج الصينية ذات الأوزان المفتوحة، ذلك أنه بمجرد إتاحة أوزان هذه النماذج، تتراجع بدرجة كبيرة قدرة مطوّريها على معرفة الكيفية التي تُستخدم بها أنظمتهم، أو رصد حالات إساءة استخدامها.

إن سلامة الذكاء الاصطناعي تحدٍّ عالمي، وتعتمد مواجهته على تعاون وثيق ومتنامٍ بين القوتين الرائدتين في هذا المجال.

وما إنشاء قناة للإبلاغ عن حوادث الذكاء الاصطناعي إلا خطوة صغيرة في الاتجاه الصحيح. وسيستغرق توصل الحكومتين الأمريكية والصينية إلى اتفاقيات ملزمة وقابلة للتحقق وقتا طويلا، لكنهما لا تستطيعان تحمّل المزيد من التأخير بسبب إخفاقهما في إقرار الإصلاحات الداخلية الضرورية.

ليزي سي. لي باحثة متخصصة في الاقتصاد الصيني لدى «مركز تحليل الصين» التابع لمعهد سياسات «جمعية آسيا».

سايمون هيدلين باحث في سياسات الذكاء الاصطناعي

خدمة بروجيكت سنديكيت