انشغلت وسائل الإعلام العربية بصورة لافتة بتغطية الانتخابات الإسرائيلية منذ مطلع الأسبوع، وبلغ هذا الانشغال ذروته مع البدء في عملية الاقتراع ومجرياتها ونتائجها الأولية. وحُق لها الانشغال بهذه الانتخابات التي تجري في بلد يمثل نظامه السياسي أكبر مصدر تهديد مستمر ومتواصل للأمن القومي العربي على مر ما يقرب من الثمانية عقود.
وحُق للإعلام العربي من ناحية مهنية أن ينشغل بالانتخابات الإسرائيلية ويقدم تغطية مستمرة لها ويفرد لها حيزا كبيرا من مساحة اهتمامه ليس فقط بالتغطية الإخبارية بنقل الأحداث، وإنما بالتحليل والبرامج الحوارية التي تقدم بالشرح والتفصيل «كبسولات» معرفية، وإضاءات على الجوانب المخفية من بنية النظام السياسي وتركيبته الحزبية وطبيعته القائمة على التكتل والائتلاف؛ وهي إضاءات مطلوبة ومهمة للجمهور العربي، على الأقل من باب «أعرف عدوك».
وحتى كتابة هذا المقال لم تحسم بعد نتيجة الانتخابات التي احتدم التنافس فيها بشكل أساسي بين أكبر ائتلافين هما الليكود بزعامة رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، وحزب يشار برئاسة غادي آيزنكوت؛ حيث ما تزال عمليات فرز الأصوات تجري وسط تكهنات متضاربة عن عدد الأصوات التي حاز عليها كل من الحزبين.
وأيّا كانت النتيجة، فوز معسكر نتنياهو، أو خسارته لصالح آيزنكوت فإن ذلك لا يعني شيئا ذي بال ولا يمثل فارقا يذكر بالنسبة للفلسطينيين وللأمة العربية من الخليج إلى المحيط.
فليس ثمة فوارق جوهرية بين «ليكود» نتنياهو و«يشار» آيزنكوت، فكلتا الكتلتين تتفقان في الرؤية وتتحدان في الهدف حيال القضية المركزية للأمة العربية، وهي القضية الفلسطينية، وفي قلبها قضية إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ورفض تهجير الشعب الفلسطيني وطمس هويته. وهي رؤية لا يقتصر تبنيها على العالم العربي والإسلامي وحده، بل تبنتها الأمم المتحدة؛ حيث اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر من العام الماضي قرارا بأغليية 142 صوتا بشأن تسوية القضية الفلسطينية وحل الدولتين باعتباره حلا مرضيا وعادلا وواقعيا، ويمكن تطبيقه على أرض الواقع.
وكان من الممكن أن يكون انشغال إعلامنا العربي بانتخابات إسرائيل لهذا الحد أكثر أحقية واستحقاقا لو كان آيزنكوت المنافس لنتنياهو يقف في الاتجاه المعاكس ويتبنى رؤية استراتيجية تقوم على القبول بحل الدولتين، ففي هذه الحالة يكون الهم والشغل الشاغل بمن سيفوز وبمن سيخسر الانتخابات فريضة قومية وواجب يتعين أن يؤديه الجميع.
لكن ظل الموقف الإسرائيلي بألوان طيفه السياسي من اليمين إلى اليسار يرفض بشكل قاطع قيام دولة فلسطينية، ويعتبر القرارات الأممية بهذا الشأن مجرد حبر على ورق.
بل أكثر من ذلك وكرد فعل مضاد عمل نتنياهو على التوسع أكثر فأكثر في الاستيطان وفرض السيادة العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة وصعّد من وتيرتها بصورة غير مسبوقة تحت غطاء وضوء أخضر أمريكيين كاملين؛ حيث جاهر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بتأييده ومساندته لنتنياهو في سباقه الانتخابي مع آيزنكوت، وقال إنه يفضل نتنياهو على غيره لأنه «الشيطان الذي يعرفه» على حد تعبيره.
ولا يبتعد موقف آيزنكوت عن موقف نتنياهو بخصوص التوسع في الاستيطان كثيرا وهو خلاف في إطار التوافق؛ فبينما يتبنى نتنياهو استراتيجية تنحو نحو الضم الفعلي للأراضي الفلسطينية بالقوة العسكرية، يتبنى آيزنكوت استراتيجية تقوم على الحفاظ على الوضع الراهن والتدرج دون تقديم أي تنازلات فيما يتعلق بالحقوق الوطنية الفلسطينية، وأولى هذه الحقوق الوطنية حق إقامة دولة مستقلة، وفي هذا المنحى «وافق شن طبقة» كما يقول المثل العربي الشهير.
والحقيقة الواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار هي أن اتفاق الأحزاب والكتل السياسية الإسرائيلية على رفض حل الدولتين لم يعد خافيا على أحد، وأهم من ذلك أن هذا الرفض المتفق عليه يقوم على أساس أيديولوجي ديني عنصري قوامه الفكر الصهيوني الذي لا يعترف بإمكانية التعايش بين الأمم والشعوب والحضارات، ويقوم على فرضية التفوق وتقسيم الإنسانية إلى قسمين اثنين لا ثالث لهما، الأول «هُم» أو «شعب الله المختار» بزعمهم، والثاني «الأغيار» أو بقية الشعوب بمختلف معتقداتهم وتوجهاتهم؛ وبالتالي وبناء على هذه القسمة الضيزى فإنهم أحق بأن يكونوا فوق هؤلاء الأغيار ولا يتساوون معهم، والحق ما يرونه حق، والعكس بالعكس.
هذا هو تكوينهم النفسي والذهني، وهو ما يفسر سلوكهم العدواني تجاه الفلسطينيين وإنكارهم المستمر والثابت لحقوقهم الأصيلة في البقاء في أرضهم مستقلين بها وحقهم في صون ممتلكاتهم وممارسة شعائرهم الدينية بحرية، وهو أيضا ما يفسر هذه القسوة والجبروت الذي يمارسه المستوطنون في حق الفلسطينيين بالاعتداء المتكرر عليهم تحت حماية الجيش وقوات الأمن الإسرائيلية، وسرقة ممتلكاتهم وحرق مزارعهم دون استحياء ودون حساب واعتبار للرأي العام العالمي؛ ففي عقلهم الباطن الجمعي تكمن عقدة التفوق وذهان الوصاية على الآخرين تدفعهم لارتكاب الجرائم البشعة والمشينة في حق الفلسطينيين دون أن تقشعر جلودهم أو تلين قلوبهم أو ينتابهم شعور بوخز الضمير أو الإحساس بالعار من أفعالهم هذه مثلما هو الحال عند الأسوياء من الناس، وكأن مواضع الإنسانية فيهم قد نزعت أو أزيلت، وكأن مواطن الإحساس بالحياء عندهم تليّفت وصارت متحجرة.
عاد نتنياهو للحكم أو ذهب غير مأسوف عليه، أو جاء آيزنكوت من مقاعد البدلاء إلى سدة رئاسة الحكومة فالأمر سيان ولا فارق يذكر، وكما يقول المثل السوداني في مقام التشبيه «أحمد وحاج أحمد»!
لذلك هم متفقون على أن منع إقامة دولة فلسطينية مستقلة يمثل هدفا استراتيجيا مشتركا وخطا أحمر لا يُسمح لأحد بتعديه أو الاقتراب منه أو المساومة عليه.
والسبب ببساطة هو أن قيام دولة فلسطينية مستقلة ينهي الاحتلال الإسرائيلي، ويضع حدا لمعاناة الفلسطينيين، ويعيد لهم حقوقهم وهويتهم الوطنية، وإدارة مواردهم الطبيعية وبناء اقتصادهم وإقامة علاقاتهم الخارجية بصورة مستقلة وطبيعية مع الأمم والشعوب الأخرى، واستكمال كل مظاهر وأركان الدولة الحديثة من مؤسسات سيادية ودفاعية وعدلية وتعليمية وبنيات تحتية وخدمية، وغيرها من المؤسسات التي لا غنى لأي دولة ومجتمع عنها. وهو ما لا تريده إسرائيل وترفضه بشدة وتستكثره على الفلسطينيين.
وتتغافل إسرائيل وهي في غمرة رفضها لحل الدولتين عن المزايا التي ينطوي عليها هذا الحل الذي هو بالضرورة ليس فقط لصالح الفلسطينيين وإنما لإسرائيل فيه نصيب من المنفعة والمصلحة؛ فحل الدولتين يوفر لها السلام والعيش بأمان وسلام وهي مزية ظلت تفتقر إليها إسرائيل منذ الإعلان عن إنشائها قبل أكثر من سبعة عقود ونصف؛ والسبب واضح وهو احتلالها للأرض الفلسطينية.
كذلك فإن حل الدولتين يفتح الباب واسعا لتحقيق هدف لطالما سعت إليه إسرائيل حثيثا ولهثت وما تزال تلهث لتحقيقه، وهو التطبيع الكامل مع العالم العربي وهو هدف لن يتحقق إلا من خلال حل الدولتين، وهو حل بيد إسرائيل إن هي أرادت بلوغ هذا الهدف.
لكن مشكلة إسرائيل أن معادلتها لتحقيق هذا الهدف تقوم على مفارقة «أكل الكيكة والاحتفاظ بها في نفس الوقت» وهو المستحيل بعينه.
ومن مزايا حل الدولتين بالنسبة لإسرائيل والتي تتغافل عنها عمدا هي أن الفرصة لاندماجها في المحيط الإقليمي تصبح واسعة؛ وبالتالي سيكون في وسعها التفاعل الطبيعي مع هذا المحيط وتبادل المصالح مع قواه ودوله وشعوبه، كذلك فإن الصورة الشائهة الحالية السائدة عن إسرائيل في العالم بأسره وتراجع التأييد الشعبي والرسمي لها خاصة في أوروبا وأمريكا والتي رسمتها إسرائيل بنفسها بممارساتها السيئة في غزة على مدى ثلاث سنوات متتالية تابعها العالم لحظة بلحظة.
هذه الصورة الشائهة يمكن أن تُمحى وتتغير فيما لو قبلت إسرائيل بحل الدولتين وأقبلت على السلام بصدق، وأوقفت اعتداءاتها على الفلسطينيين وعلى سيادة الدول الأخرى حولها، وتصرفت كدولة تحترم القانون الدولي، ومبدأ حسن الجوار. لكن تأبى تل أبيب إلا أن تحقق المستحيل.. تأكل الكيكة وتحتفظ بها في نفس الوقت !.