أعمدة

المـجـد للـفن

في مارس 2012، اجتمع المدعوون في قصر هيرست بكاليفورنيا لمشاهدة فيلم «المواطن كين». كان القصر مُلكًا لوليام راندولف هيرست (1863–1951)، قطب الصحافة الذي رأى في الفيلم سخرية منه.

سعى هيرست لوقف الفيلم عند عرضه لأول مرة في العام 1941، لكن بعد نحو 70 عامًا عاد الفيلم إلى القصر بموافقة أسرة هيرست. عُرض الفيلم لأول مرة في قاعة الزوار الملحقة بالقصر، ثم مرة أخرى في 2015 داخل القصر نفسه.

تبدو هذه خاتمة روائية لحدث درامي. فالرجل صاحب النفوذ والمال والصحف الذي حارب الفيلم، واستخدم نفوذه محاولًا منعه، تلقى هزيمة على يد حفيده الذي رأى الفيلم على حقيقته: تحفة فنية مبهرة.

كان عرض الفيلم بقصر هيرست هو إعلان انتصار الفن على خصومه. لا نعرف بدقة ما الذي كان سيقوله هيرست لو شهد ذلك اليوم. لكننا نعرف أن الفيلم بقي، وأن صاحبه غادر العالم ولا يذكره العامة إلا عند استحضار هذه الحكاية. المعركة التي ظن المليونير أنه قادر عليها، حُسمت وأصبح هجومه على الفيلم جزءًا من الحكاية.

هكذا ينتقم الفن من خصومه، ويؤكد أنه لا يستسلم لهزيمة.

كان شارلي شابلن يعرف هذه الحكمة عندما صنع من الصعلوك ذي الشارب الصغير والمشية المتعثرة شخصية أحبها العالم. في أفلام شابلن ظهرت شخصية الثري وسلطته تتعرضان للسخرية والتحدي من صعلوك.

بذكاء الفنان أدرك شابلن أن المتفرج يشعر بالرثاء والتعاطف عندما يتعثر الفقير، لكنه يضحك عندما يتعثر الغني. بدأت فلسفة شابلن من هنا، وتطورت.

في فيلمه «الأزمنة الحديثة» أظهر شابلن كيف تُحوِّل الآلة العامل إلى ترس صغير في ماكينة ضخمة. ومن عنوان الفيلم أخذ جان بول سارتر اسم مجلته الشهيرة. وفي نشأتي في السودان كان لدينا صيدلية صغيرة تحمل ذات الاسم.

وكان أمرًا لافتًا للنظر أن تتمشى في شوارع أم درمان فتصادف لافتة كُتب عليها «صيدلية الأزمنة الحديثة»! وفي «الدكتاتور العظيم» سخر شابلن من أدولف هتلر في وقت كانت أوروبا كلها ترجف من تقدم الزعيم النازي.

يجب أن نتذكر أن الفيلم صُوِّر في وقت لم يكن العالم فيه قد أدرك كل جرائم هتلر وأبعادها، والولايات المتحدة التي يعيش فيها شابلن تلتزم الحياد تجاه الحرب التي بدت أوروبية في ذلك الوقت.

لكن الفنان داخل شابلن كان يعرف أكثر من الساسة. كان العالم على أعتاب حرب مدمرة، لكن الفنان هو من استشعر خطورة الاستبداد وأخبر به الجميع.

لم تكن المأساة القريبة مضحكة، لذلك ختم شابلن فيلمه بخطبة إنسانية عن الحرية والتضامن. بعد سنوات قليلة ستكلف هذه الحرب العالم مذابح وتطهيرًا عرقيًا وقنابل ذرية.

لكن رؤية الفنان عادة ما يكون لها ثمن فادح، خاصة في أزمنة مضطربة. ومتى لم يكن الزمان مضطربًا؟ لذلك دفع شابلن ثمن فنه وثاقب بصره. الحرب الباردة، التي كانت في بدايتها، قد فتحت الباب واسعًا للخوف من الشيوعية. وصعد السيناتور جوزف مكارثي مستفيدًا من مناخ الخوف ذاك.

فاتهم فنانين ومفكرين ومثقفين بالانتماء للشيوعية، وانتشر الرعب بين الناس خشية من عواقب الاتهامات. شابلن كان أحد الذين أثاروا ريبة مكارثي ومناخ الترصد بأفلامه التي تنتقد الفقر والسلطة.

وفي سبتمبر 1952، غادر شابلن الولايات المتحدة في طريقه إلى لندن لحضور العرض الأول لفيلمه «أضواء المسرح»، ليلغي النائب العام الأمريكي في اليوم التالي لسفره تصريح عودته ويمنعه من الرجوع إلى أمريكا. مرة أخرى يظن النفوذ أنه منتصر على الفن. لكن شابلن كان يعرف أكثر. اختار الهجرة إلى سويسرا منتظرًا.

بينما لعب الزمان لعبته وبدأ نجم السيناتور المهووس في الخفوت، وأصبح مطارِد المثقفين مُطارَدًا. في ديسمبر 1954، وجّه مجلس الشيوخ لومًا رسميًا لمكارثي لينتهي صعوده السياسي، وينزوي ليموت في العام 1957.

أما شابلن، الذي نعرفه اليوم ونعرف أفلامه، فقد انتظر عشرين عامًا حتى يعود منتصرًا إلى أمريكا ويتسلم جائزة أوسكار خاصة عن مجمل أعماله.

وقف الفنانون يصفقون لتشارلي مدة اثنتي عشرة دقيقة. الرجل الذي غادر تحت ظلال الشك يرجع في العام 1972 ليجد أعماله صارت من ذاكرة السينما، وصعلوكه المنبوذ هو الأقرب للجميع.

اليوم، بعد كل هذه السنوات، ما زال شابلن وصعلوكه علامتين فنيتين، بينما «المكارثية» أصبحت سُبّة توصف بها عملية اختبار الولاء ومطاردة المثقفين. هذه حقبة مظلمة لا يفخر بها إنسان.

ظل الفن دومًا متهمًا، لكنه ظل يحارب ويقاوم بصبر وبمزيد من الفن. وسواء أدرك الفنان نصره مثل شابلن، أو انتصر بعد زمن مثل العبقري أورسون ويلز مخرج «المواطن كين»، فإن التاريخ يعرف في أحيان كثيرة من يحفظ سيرتهم وينصرهم.