ندوة «جنوب الباطنة في ذاكرة التاريخ العُماني» توصي بتوثيق الإرث الفكري واستثمار الموارد التاريخية والثقافية للمحافظة
في ختام أعمالها بعد ثلاثة أيام، شهدت تقديم 26 ورقة علمية
الأربعاء / 16 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 18:57 - الأربعاء 28 أكتوبر 2026 18:57
دعت ندوة «محافظة جنوب الباطنة في ذاكرة التاريخ العُماني» إلى توسيع نطاق البحث والتوثيق التاريخي للمحافظة من خلال جمع المخطوطات والوثائق وتحقيقها وإتاحتها للنشر العلمي، وإعداد موسوعات تخصصية وقواعد بيانات تحفظ النتاج الفكري الذي شهدته جنوب الباطنة عبر العصور، كما أوصت بإعداد معاجم تُعنى باللهجات والمصطلحات المحلية والمسميات الجغرافية والأعراف والتقاليد، بما يسهم في توثيق مكونات الذاكرة الثقافية والاجتماعية للمحافظة.
وتضمنت التوصيات التي قرأها الدكتور طالب بن سيف الخضوري، مدير عام البحث وتداول الوثائق بهيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، خلال حفل ختام الندوة اليوم بولاية الرستاق، الدعوة إلى استثمار الموارد المائية والمقومات الجغرافية في التنمية الاقتصادية، والإفادة من التجربة التاريخية العُمانية في إدارة المياه بما يعزز استدامة النشاط الزراعي والمشروعات الاقتصادية المرتبطة به.
وفي مجال المحافظة على الشواهد التاريخية والعمرانية، طالبت الندوة بتنفيذ مسوحات ميدانية ومعمارية شاملة للمواقع الأثرية والحارات القديمة في جنوب الباطنة، وتوظيف نظم المعلومات الجغرافية والتقنيات الحديثة في أعمال التوثيق وفق ضوابط علمية تحافظ على أصالة المعالم التاريخية.
وامتدت التوصيات إلى الكتابات الصخرية التي دعت إلى توثيقها رقميًا وإتاحة مادتها للنشر العلمي والتعريف السياحي، حمايةً لها من الاندثار وحفاظًا على قيمتها التاريخية.
وركزت التوصيات كذلك على أهمية تطوير الدراسات الأكاديمية المتخصصة وتعزيز البحوث المقارنة التي تربط التاريخ بالآثار والجغرافيا الثقافية والأنثروبولوجيا، مع الاستفادة من النظم الإدارية والتوثيقية ودراسة أبعادها القانونية من خلال تفعيل أدوار المؤسسات المختصة وإشراك المجتمع المحلي في مشروعات التطوير والاستدامة بما يتوافق مع رؤية «عُمان 2040».
وفي الجانب الثقافي والسياحي، حثت الندوة على الاستفادة من المواقع والشخصيات العُمانية المسجلة لدى المنظمات الإقليمية والدولية في تنشيط السياحة الثقافية بمحافظة جنوب الباطنة، إلى جانب مواصلة تشجيع الأهالي على تسجيل ما يحتفظون به من وثائق ومخطوطات تاريخية لدى هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، ودعوة الشخصيات المجتمعية إلى توثيق رواياتها الشفوية حفاظًا على ما تختزنه الذاكرة المحلية من أحداث وشهادات تاريخية.
ختام الحدث
جاء ذلك في ختام الندوة التي نظمتها هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية بالتنسيق مع محافظة جنوب الباطنة، حيث أقيم حفل الختام برعاية سعادة المهندس مسعود بن سعيد بن هاشم الهاشمي، محافظ جنوب الباطنة، بعد ثلاثة أيام شهدت تقديم 26 ورقة علمية توزعت على خمس جلسات تناولت جوانب متعددة من التاريخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي للمحافظة، وما تحتفظ به من مواقع أثرية ومخطوطات ووثائق وشواهد تاريخية تعكس إسهاماتها في الحضارة العُمانية.
وشهد حفل الختام كلمة للمشاركين ألقاها الدكتور هيثم بن أحمد بن سليمان السالمي، تناول فيها المكانة التاريخية والحضارية لمحافظة جنوب الباطنة وما شهدته من حراك سياسي وعلمي وثقافي واقتصادي عبر مختلف الحقب التاريخية، إلى جانب أهمية الدراسات التي قُدمت خلال الندوة في الكشف عن جوانب من الذاكرة التاريخية للمحافظة وإبراز إسهامات علمائها وأعلامها في مسيرة الحضارة العُمانية.
وفي كلمته خلال حفل الختام، أعرب سعادة الدكتور حمد بن محمد الضوياني، رئيس هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، عن شكره وتقديره للباحثين والأكاديميين المشاركين في الندوة، مثمنًا جهودهم وما قدموه من أوراق علمية أسهمت في إبراز جوانب متعددة من تاريخ محافظة جنوب الباطنة وإرثها الحضاري.
وتحدث سعادته عن أهمية الندوة وما أتاحته من قراءات علمية في الوثائق والمخطوطات والشواهد التاريخية، مشيرًا إلى قيمة مخرجاتها في إثراء البحث التاريخي العُماني وتعزيز المعرفة بتاريخ المحافظة وإسهاماتها السياسية والاقتصادية والعلمية والثقافية.
جلستا اليوم الختامي
وكان اليوم الختامي قد شهد عقد جلستين علميتين، ترأس «الأولى» الدكتور سليمان بن عمير المحذوري، وشهدت تقديم خمس أوراق، استهلتها الدكتورة فوزية بنت سيف الفهدي بورقة بعنوان «الرستاق في الذاكرة الشعرية العُمانية في عصر دولة اليعاربة: دلالات المكان والسلطة والعلم»، توقفت فيها عند الدلالات الحضارية والسياسية والعلمية التي اكتسبتها الرستاق في الخطاب الشعري خلال تلك الحقبة، والعلاقة بين حضور المكان في النصوص الأدبية والتحولات التي شهدتها عُمان، حيث أبرزت صورة المدينة مركزًا سياسيًا وعلميًا ارتبط بأحداث وشخصيات أسهمت في تشكيل مرحلة مهمة من التاريخ العُماني، وما أضفاه الشعراء على الرستاق من معانٍ تتجاوز حدودها الجغرافية إلى حضورها في الذاكرة الثقافية.
التنوع اللهجي
وفي الجانب اللغوي، قدم الدكتور عامر بن أزاد الكثيري، المحاضر الأول بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية بصلالة، ورقة بعنوان «الخصائص اللغوية للهجات محافظة جنوب الباطنة في ضوء التنوع اللهجي العُماني: دراسة وصفية مقارنة»، كشف فيها «الكثيري» عن تنوع لهجي ملحوظ في جنوب الباطنة، وقال: «إن بعض لهجات المحافظة ترتبط بلهجات تقع خارج حدودها الإدارية نتيجة التواصل التاريخي بين المجتمعات المحلية، ومن أبرز الأمثلة صلة لهجة وادي السحتن بلهجة مسفاة العبريين، إلى جانب التقاطعات اللغوية بين اللهجات الجبلية في شمال الباطنة وجنوبها».
وتناول الباحث أثر الأودية والممرات الجغرافية في انتقال الظواهر اللغوية وتشكيل أنماط التواصل بين سكان المناطق المختلفة، مستندًا إلى مادة لغوية جُمعت من ستة رواة من كبار السن في ولايات الرستاق ونخل والعوابي ووادي المعاول خلال الفترة من سبتمبر 2018م إلى يوليو 2019م، ومقارنتها بمعطيات لغوية من مناطق عُمانية أخرى، حيث أظهرت الدراسة أن التقارب الجغرافي والتواصل الاجتماعي أسهما في تكوين الخصائص المشتركة بين هذه اللهجات.
صورة المكان
وانتقلت الجلسة إلى صورة جنوب الباطنة في التراث الأدبي من خلال ورقة قدمتها الدكتورة شيخة بنت عبدالله المنذري، الأستاذة المشاركة بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية بالرستاق، بعنوان «تمثلات النسق المكاني لمحافظة جنوب الباطنة في التراجم الأدبية العُمانية: كتاب شقائق النعمان أنموذجًا»، رأت فيها «الباحثة» أن التراجم الأدبية تحتفظ بذاكرة مكانية يمكن من خلالها التعرف على العلاقة بين الشعراء والبيئات التي عاشوا فيها، وما حملته نصوصهم من إشارات إلى المدن والقرى والمعالم والوقائع التاريخية، موضحة أن قراءة هذه التراجم تكشف عن الصلات بين الجغرافيا والحياة الأدبية والاجتماعية، وعن حضور جنوب الباطنة في تشكيل الوجدان الشعري العُماني.
كما تناولت ما يتضمنه كتاب «شقائق النعمان» من تراجم ونصوص تمثل سجلًا للأدباء والأعيان، وما يتيحه من قراءة للمكان من خلال رموزه الثقافية والسياسية والاجتماعية، بما يعزز قيمة المصادر الأدبية في دراسة التاريخ المحلي وحفظ الذاكرة المكانية.
المواقع والشخصيات
وفي ورقته «المواقع والشخصيات العُمانية المدرجة في المنظمات الإقليمية والدولية: قراءة تحليلية في الأبعاد الثقافية والاقتصادية»، استعرض الدكتور يونس بن جميل النعماني، مدير دائرة قطاع الثقافة باللجنة الوطنية العُمانية للتربية والثقافة والعلوم، الأبعاد الثقافية لحضور منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، ومنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة «الإيسيسكو»، والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم «الألكسو»، وما تتيحه برامج هذه المنظمات واتفاقياتها من مجالات للاهتمام بالمواقع التاريخية والشخصيات ذات الإسهام الحضاري.
وتناول الباحث انتقال عدد من المواقع والشخصيات العُمانية من نطاق الاهتمام المحلي إلى الحضور الإقليمي والدولي، وأهمية الاستفادة من هذا الاعتراف الثقافي في تطوير المبادرات المعنية بحماية التراث والتعريف به، وتعزيز الفرص الاقتصادية والسياحية المرتبطة بالمواقع التاريخية، مع العناية باستدامتها والمحافظة على قيمتها الحضارية.
الحارات التاريخية
واختتمت الجلسة الأولى بورقة قدمتها مريم بنت صالح السعدي بعنوان «الحارات التاريخية في سلطنة عُمان وإمكانات توظيفها في السياحة التراثية: حارتا بيت القرن وقصرى أنموذجًا»، سلطت فيها الضوء على حارتي بيت القرن وقصرى وما تمثلانه من شواهد على التراث المعماري المحلي، مستعرضة إمكانات إعادة تأهيل الحارات التاريخية والمحافظة على عناصرها العمرانية وإدماجها ضمن المسارات السياحية والثقافية، بما يتيح للزوار التعرف على تاريخ المكان وطبيعة الحياة التي شهدتها هذه الحارات.
جنوب الباطنة في الصحافة
وتواصلت أعمال الندوة بالجلسة العلمية الثانية التي ترأستها الدكتورة خلود بنت حمدان الخاطري، واستهل فيها الدكتور عبدالعزيز بن هلال الخروصي الجلسة بورقة حملت عنوان «جنوب الباطنة في الصحافة العُمانية خلال الفترة من 1972 إلى 1985م: صحيفة عُمان ومجلة العقيدة أنموذجًا»، أوضح فيها أن صحيفة عُمان ومجلة العقيدة أفردتا مساحات للأخبار والتحقيقات الصحفية الميدانية التي تناولت مراحل البناء والتطوير في جنوب الباطنة، إلى جانب المقابلات مع شخصيات من أبناء المحافظة وما قدمته من معارف وخبرات في مجالات متعددة، فضلًا عن نشر الإسهامات الأدبية والثقافية التي كشفت عن قدرات أبناء المنطقة ومواهبهم الإبداعية.
وتوقف الباحث عند المناشدات التي نشرتها الصحافة للمطالبة بتوفير خدمات أساسية، من بينها إنشاء المدارس والمؤسسات الصحية وإيصال الكهرباء ورصف الطرق وتطوير خدمات البريد والهاتف، معتبرًا أن هذه المواد الصحفية تمثل مصدرًا مهمًا للتعرف على أولويات المجتمع وحاجاته خلال تلك المرحلة.
كما تناول تفاوت حضور ولايات المحافظة الست في التغطيات الصحفية، وربط ذلك بظروف المرحلة وما شهدته بعض المناطق من افتتاح للمشروعات وتطور في وسائل النقل والاتصال، وما أتاحته هذه التحولات من فرص أوسع للوصول الصحفي وتوثيق الأحداث.
حركة نسخ المخطوطات
وفي ورقة حملت عنوان «حركة نسخ المخطوطات في محافظة جنوب الباطنة خلال الفترة من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الهجري»، استعرض محمد بن فائل الطارشي، رئيس قسم الثقافة بإدارة الثقافة والرياضة والشباب بمحافظة جنوب الباطنة، الدور الذي أدته مراكز العلم في المحافظة في نسخ المؤلفات وحفظها وتداولها، وما شكلته هذه الحركة من إسهام في نقل المعارف الفقهية واللغوية والفلكية والطبية وغيرها من العلوم عبر الأجيال.
وتناول الباحث النشاط العلمي الذي امتد على مدى خمسة قرون، وأسهم فيه عدد من العلماء والنساخ الذين تولوا نسخ أمهات الكتب والموسوعات والمحافظة على تداولها بين طلبة العلم، مشيرًا إلى ظاهرة الأسر التي توارثت أعمال النسخ ومشاركة أكثر من ناسخ في نسخ المؤلف الواحد، إلى جانب نسخ الكتب للسلاطين والعلماء وانتقال المنسوخات إلى خارج عُمان.
كما أبرزت الورقة شبكة العلاقات العلمية التي ربطت جنوب الباطنة بمراكز المعرفة في مختلف أنحاء عُمان وشرق أفريقيا، خاصة في الفترة التي شهدت اتساع العلاقات العُمانية في عهد السلطان السيد سعيد بن سلطان، وما صاحب ذلك من تداول للمؤلفات وانتقال للمعرفة بين المراكز الثقافية والعلمية.
الحراك العلمي
ومن حركة النسخ في ولايات المحافظة إلى الحياة العلمية في وادي المعاول، قدم بدر بن سعود المعولي ورقة بعنوان «الحراك العلمي في ولاية وادي المعاول في ضوء المخطوطات والوثائق والأوقاف خلال الفترة (1156–1390هـ / 1744–1970م)»، استعرض فيها ما تحتفظ به الولاية من شواهد وثائقية تكشف عن اهتمام أهلها بالعلم والتأليف ونسخ المخطوطات ونشر المعرفة.
وتناول المعولي دور المساجد وحلقات العلم في تعليم العلوم الشرعية واللغوية، وما أسهم به العلماء وطلبة العلم في المحافظة على الحركة المعرفية خلال الفترة الممتدة من منتصف القرن الثامن عشر إلى النصف الثاني من القرن العشرين الميلادي، مشيرًا إلى أن المخطوطات والوثائق التاريخية تمثل سجلًا للحياة العلمية والاجتماعية في الولاية وتساعد على التعرف على طبيعة العلاقات بين العلماء ومراكز التعليم، كما سلط الضوء على إسهامات الأوقاف في رعاية المساجد ودعم التعليم وطلبة العلم.
أوقاف المرأة
واختتمت الأوراق العلمية بورقة قدمتها سامية بنت سيف البطاشي، الباحثة في الشؤون الإسلامية بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية، بعنوان «إسهامات المرأة الوقفية بجنوب الباطنة ودورها الحضاري»، استعرضت فيها الباحثة حضور المرأة في إدارة الأوقاف وتخصيص مواردها لخدمة المجتمع، وما تكشفه الوثائق التاريخية من تنوع المجالات التي شملتها الأوقاف النسائية في جنوب الباطنة، بما في ذلك دعم مقومات الحياة والعمل الخيري والاستثمار العقاري الذي أسهم في توفير موارد مستدامة للأعمال الوقفية، كما أبرزت الأثر الاجتماعي والاقتصادي لأوقاف النساء وما قدمته من دعم للتكافل الاجتماعي والمؤسسات التعليمية.
المعرض الوثائقي
الجدير بالذكر أن المعرض الوثائقي المصاحب للندوة يواصل استقبال زواره بقاعة مكتب والي الرستاق حتى 30 أكتوبر الجاري، ويضم أكثر من ألفي وثيقة ومادة تاريخية ورقمية موزعة على 11 ركنًا وثائقيًا ومعرفيًا وتفاعليًا تستعرض جوانب من تاريخ محافظة جنوب الباطنة وإرثها الحضاري، وتتيح للجمهور الاطلاع على المخطوطات والوثائق والشواهد التاريخية التي تحفظ جوانب من الذاكرة الوطنية العُمانية.