عمان اليوم

معمل التقنيات الجغرافية بجنوب الباطنة.. نموذج رائد للتحول الرقمي المكاني للأغراض التعليمية

 

العُمانية: يشكّل معمل التقنيات الجغرافية الحديثة بالمديرية العامة للتعليم بمحافظة جنوب الباطنة نموذجًا رائدًا في توظيف التقنية المكانية لخدمة العملية التعليمية بمدارس المحافظة فهو بيئة تعليمية وتقنية متطورة ومبادرة رائدة في مجال التحول الرقمي المكاني للأغراض التعليمية في سلطنة عُمان، يُعنى بنقل المناهج الدراسية من قالبها النظري إلى تطبيق عملي تخصصي يحاكي الواقع الجغرافي والجيومكاني بدقة وكفاءة، ويضع لبنة أساسية لبناء عقول وطنية شابة قادرة على المساهمة الفاعلة في الاقتصاد الرقمي.
وقالت موزة بنت مبارك السعيدي مشرفة أولى جغرافيا بالمديرية العامة للتعليم بمحافظة جنوب الباطنة المشرفة على المعمل في تصريح لوكالة الأنباء العُمانية: إن الهدف من تأسيس المعمل في المحافظة هو إحداث نقلة نوعية في طريقة تعلم وفهم الجغرافيا والتاريخ والهوية والمواطنة، والسعي لتضمين ثقافة التفكير المكاني في المنظومة التدريسية، وتنمية المهارات التطبيقية للطلبة والمعلمين عبر دمج برمجيات التحليل وأجهزة الرفع المساحي والتقنيات الرقمية بالموقف الصفي، ويستهدف المعمل بصفة أساسية جميع معلمي ومعلمات الدراسات الاجتماعية بالمحافظة، إلى جانب مجموعات واسعة من الطلبة، عبر مبادرات مركزية مثل: 'جيو الثلاثاء لطلبة المدارس'، يتم استهداف مدرستين أسبوعيًّا بواقع 50 طالبًا وطالبة (25 من كل مدرسة) بانتظام على فترات صباحية ومسائية، مع التركيز المكثف على صفوف التطوير والمناهج الحديثة (مثل الصفوف الخامس إلى الثامن والصف الثاني عشر).
وأضافت: أن المعمل يُعد ترجمة عملية لمحاور رؤية 'عُمان 2040' نحو بناء اقتصاد قائم على المعرفة والتكنولوجيا وتطوير التعليم المدمج بالتقنية، حيث يخدم المعمل قطاع التعليم والتحول الرقمي من خلال تمكين الكوادر التعليمية والطلبة من مهارات المستقبل المتوافقة مع الثورة الصناعية الرابعة، والانتقال بالخدمات والوسائل التعليمية إلى النمذجة الرقمية والمحاكاة الجغرافية ثلاثية الأبعاد و 'الذكاء الاصطناعي المكاني'، مشيرةً إلى أن المعمل يسهم بشكل كبير في تعزيز مفاهيم الهوية والمواطنة، حيث يستطيع الطالب من خلال التفكير المكاني الرقمي، استكشاف جغرافية سلطنة عُمان وتاريخها وتطورها الحضاري بشكل تفاعلي وعميق، فرسم خرائط الحدود، وتتبع المواقع الأثرية العُمانية عبر الأقمار الصناعية، وتحليل المقومات الطبيعية والاقتصادية للمحافظات يعزز لدى الطالب الفخر بالمنجزات الوطنية، ويربط مفهوم 'المواطنة' بأبعاد جغرافية رقمية يراها ويتفاعل معها بنفسه، مما يعمق حسّه بالانتماء والمحافظة على موارد الوطن.
وحول أبرز التقنيات الحديثة المتوفرة في المعمل، قالت إن المعمل يضم منظومة متميزة من الأجهزة والمعدات التخصصية تشمل أجهزة الرفع المساحي والطبوجرافي الجوي والأرضي (مثل أجهزة تحديد المواقع عالية الدقة GPS ومحطات الرصد المتكاملة)، وأنظمة برمجية متقدمة مثل: برمجيات التحليل والمحاكاة ونظم المعلومات الجغرافية والرسم الخرائطي وتطبيقات مثل Google Earth وأجهزة وتقنيات مرئية مثل: أجهزة الإبصار ونظارات الواقع الافتراضي وثلاثي الأبعاد لمعاينة التضاريس والظواهر الطبيعية، ويتم توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في المعالجة التلقائية والذكية للبيانات الجيومكانية الضخمة، والتعرف الآلي على أنماط التغيرات البيئية والتضاريسية من خلال صور الأقمار الصناعية، ومحاكاة السيناريوهات الجغرافية المستقبلية مثل: التوسع الحضري أو التغيرات المناخية، فضلًا عن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في دعم الطلاب لإنشاء خرائط تفاعلية ذكية وحل المشكلات المكانية بدقة وسرعة.
وأوضحت أن الأطلس التعليمي الرقمي يمثل قاعدة بيانات جغرافية بصرية وتفاعلية تتيح للمعلمين عرض طبقات الخرائط المختلفة (السياسية، والطبيعية، والتاريخية) ودمجها في الحصة الدراسية عمليًّا، ويقوم الطلاب بالتحكم ببيانات الأطلس، والمقارنة بين الخرائط عبر الزمن، واستخراج الإحصاءات المكانية، مما يحول الأطلس من مجرد كتاب صور صامت إلى أداة بحث واستقصاء نشطة، مؤكدةً أن المعمل أحدث نقلة نوعية في طريقة فهم الطلاب للمواد الدراسية مقارنة بالطرق التقليدية، حيث نقل المعمل المادة من مرحلة الحفظ والتلقين التقليدي للخرائط الصماء إلى مرحلة التعلم القائم على الممارسة والاستكشاف وحل المشكلات، كما أن رؤية الطالب للتضاريس عبر مجسمات ثلاثية الأبعاد وتعامله المباشر مع أجهزة الرفع والمسح جعلت استيعاب مفاهيم مثل 'معالجة البيانات الجغرافية' وإنتاج الخرائط أسهل وأكثر رسوخًا في أذهانهم.
وعن البرامج التدريبية والمشاريع الابتكارية، بيّنت موزة السعيدي أن المعمل يقدم سلسلة من البرامج التدريبية التخصصية المكثفة التي تشمل التشغيل والتعامل مع أجهزة المسح الأرضي والرفع الطبوغرافي الميداني، واستخدام برمجيات التحليل المكاني ونظم المعلومات الجغرافية وإنتاج الخرائط الرقمية، وآليات توظيف أدوات المعمل عمليًّا في الموقف الصفي وفق المستجدات الحديثة للمناهج الدراسية، كما أن المعمل يدعم بقوة بيئة الابتكار العلمي؛ وقد حققت المحافظة مسبقًا المركز الأول على مستوى سلطنة عُمان في تقييم المشروعات الطلابية في التقنيات الجغرافية الحديثة للعام الدراسي 2023 / 2024م وحققت أيضًا المركز الثاني ضمن الفرق المجيدة في التقنيات الجغرافية الحديثة للعام الدراسي 2025 /2026م ومن الأمثلة التطبيقية للمشاريع قيام الطلاب باستخدام أدوات المعمل في معالجة البيانات الجغرافية ميدانيًّا، وتصميم خرائط رقمية تفاعلية ومجسمات ثلاثية الأبعاد لمحاكاة قراهم ومناطقهم السكنية وتتبع الظواهر البيئية فيها.
وأشارت إلى أن هناك تعاون وتنسيق مستمر للتبادل المعرفي مع المؤسسات الوطنية مثل الهيئة الوطنية للمساحة والمعلومات الجيومكانية عبر تقديم برامج تدريبية تخصصية مشتركة؛ حيث يسهم الفريق الفني المركزي بالتعاون مع الهيئة في رفد المعمل بأحدث المستجدات، وتدريب الكوادر الإشرافية والتعليمية على أدوات معمل التقنيات، وتسهيل تبادل وبيانات الخرائط والمعلومات الجيومكانية الرسمية لضمان دقة المواد التعليمية وتوسيع نطاق توظيفها.
وعن التحديات والخطط المستقبلية أوضحت بأن التحدي كان في الحاجة لتمكين عدد كبير من الكوادر التدريسية على البرمجيات والأجهزة الحديثة المعقدة خلال فترة وجيزة، ومتابعة الصيانة الدورية للأجهزة التخصصية، وتم وضع حلول واقعية لاستدامته من خلال تخصيص فنيين متخصصين للمعمل للإشراف التشغيلي اليومي، بجانب تفعيل المبادرات الدورية المنظمة مثل (جيو الثلاثاء) وجدولتها بانتظام لتغطية كافة المدارس تدريجيًّا، مع إعداد 'معلمين مدربين' ينقلون المعرفة لزملائهم داخل المدارس، وبالنسبة للخطط المستقبلية للتوسع في استخدام هذه التقنيات، فهناك توجه نحو توسيع نطاق البرامج التدريبية لتدخل في الممارسات اليومية المباشرة لجميع مدارس المحافظة، وربط مختبرات المعمل بشبكات رقمية تتيح للمدارس البعيدة الاستفادة من البرمجيات والأطالس الجغرافية الرقمية عن بُعد، والعمل على استحداث وتطوير معامل جغرافية فرعية أو مركزية تدعم تدريس المناهج الحديثة لجميع الصفوف.
وأكدت موزة بنت مبارك السعيدي مشرف أول جغرافيا بالمديرية العامة للتعليم بمحافظة جنوب الباطنة المشرفة على المعمل في ختام حديثها على أن التفكير المكاني لم يعد مجرد رفاهية معرفية أو مهارة مقتصرة على قراءة الخرائط التقليدية، بل هو اللغة البرمجية لمهن المستقبل وعصب التخطيط الذكي؛ بدءًا من الطيران والتحليل البيئي وإدارة الأزمات، وصولًا إلى الهندسة والذكاء الاصطناعي الجيومكاني، فمن يمتلك أدوات التحليل المكاني اليوم، يمتلك القدرة على قيادة وتطوير مدن ومجتمعات الغد.