أفكار وآراء

خيار إسرائيل المأساوي

ترجمة: أحمد شافعي

من قوانين الطبيعة الاجتماعية النفسية السارية في العالم أن الضعفاء يفكرون في الأقوياء أكثر مما يفكر الأقوياء في الضعفاء. وحينما يتعلق الكلام بالانتخابات القادمة في الولايات المتحدة وإسرائيل ينهار هذا القانون.

فكثيرا ما يبدو الساسة في اليسار واليمين في الولايات المتحدة هذه الأيام أشد تركيزا على إسرائيل وتعاملها في الفلسطينيين وسياساتها في الشرق الأوسط من تركيزهم على الشئون الداخلية المعهودة من قبيل عدد التلاميذ في الفصل الدراسي أو البطالة. وكثير من الإسرائيليين يرون هذا لغزا، لكن اللغز الذي يفوقه هو غياب الاهتمام الإسرائيلي بالانتخابات الأمريكية.

فليس بين المرشحين في إسرائيل، سواء رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أم خصومه، من يجري حوارا جادا مع الناخبين قبل سباق السابع والعشرين من أكتوبر حول تغير وضع إسرائيل في الولايات المتحدة والعالم. بل إن أزمة صورة إسرائيل لا تصل إلى القضايا الأساسية الخمسة العليا في حملاتهم الانتخابية.

وإذن فقد تهاوى فعلا قانون الطبيعة الاجتماعي النفسي؛ فالقوة العظمى الأمريكية مشغولة بإسرائيل، وإسرائيل نسبيا لا تبالي بمكانتها في الولايات المتحدة. وفي حالة خسارة نتنياهو الانتخابات لن يكون لذلك علاقة بأزمة سمعة إسرائيل. وإن فاز -وهو أمر وارد للغاية- فلن تكون لفوزه من علاقة بتأييد الرئيس ترامب له في الثامن عشر من أكتوبر.

فهل حقا لا يبالي الإسرائيليون بالعالم كيف يفكر فيهم؟ لا، بل يبالون كثيرا، لكن ما يعنيهم أكثر هو ما يفكر فيه أعداؤهم. فمشكلة إسرائيل أنها يجب أن تراعي لنفسها سمعتين: سمعة للغرب وأخرى للشرق الأوسط. والسمعتان تتصادمان؛ فالإسرائيليون يريدون من العالم الغربي أن يحبهم، ومن أعدائهم في الشرق الأوسط أن يرهبوهم.

في الأيام التالية لمجزرة السابع من أكتوبر التي ارتكبتها حماس في الإسرائيليين أظهرت غالبية البلاد الغربية تعاطفا عميقا مع إسرائيل، لكن للعملة وجها آخر؛ إذ كان غزو حماس ومذبحتها إشارة في المنطقة إلى أن إسرائيل فقدت قوتها، وأثارت محبة الغرب الإسرائيليين، أما تبدد خوف أعدائهم فأثار فيهم قلقا وجوديا.

بعد ثلاث سنين أدت تدخلات الجيش الإسرائيلي ـ التي تضمنت اغتيال قادة حماس وحزب الله، وتفكيك سلاسل القيادة لديهما، ومنعهما من القدرة على إطلاق الصواريخ ـ إلى استعادة الجيش قوة الردع في الشرق الأوسط.

لكن المشكلة هي أن الأفعال التي استردت لإسرائيل صورتها في المنطقة ألحقت أذى كبيرا بصورتها في الغرب.

وبين الخوف والحب لعبة محصلتها صفر؛ فلو كانت إسرائيل أظهرت أي قدر من ضبط النفس حفاظا على تعاطف الغرب لكان ذلك منعها من استرداد إحساس الخوف منها لدى أعدائها. وكل ما فعلته لتحقيق الخوف كان يأتي على التعاطف. والخلاصة أنها لا يمكن أن تحظى بالاثنين.

يمكن أن نفهم هذه المفارقة حينما نميز بين نوعين من المآزق الأخلاقية: الثنائية والمأساوية. المأزق الثنائي يضع الناس بين خيار جيد وخيار سيئ، والمأزق المأساوي يضعهم بين سيئ وسيئ.

في أحد أطوار رحلة أوديسيوس إلى وطنه إيثاكا تضطر سفينته إلى الإبحار في مضيق بالغ الضيق. على جانب منه وحش ذو ستة رؤوس اسمه سكيلا إن اقتربوا منه افترس منهم ستة من الجنود، وفي الجانب الآخر كاريبديس، وهو وحش يبتلع ماء البحر ثم يقذفه، فينشئ دوامة تغرق السفينة وكل من عليها من الرجال.

ولا بد أن يختار أوديسيوس بين الاثنين؛ فيسأل الإلهة كيركي إن كان يمكنه أن يجتنب الدوامة ويصد الوحش في الجانب الآخر وبذلك يخرج سالما. فوضح له أن هذا مستحيل، وأن المسار العقلاني الوحيد المتاح له هو البقاء بعيدا عن الدوامة والاقتراب من سكيلا؛ فلا بد أن يختار أودسيوس كارثة ليجتنب الفناء.

بعد السابع من أكتوبر واجه الإسرائيليون أيضا مأزقا مأساويا؛ إذ وجدوا أنفسهم في مواجهة خيارين سيئين في حرب جيش حماس وحزب الله. وخوض حرب مع جيش كهذا يقتضي عمليات برية وسط مدنيين، وهذه وصفة مضمونة لوفيات وخراب كبيرين، فكان قرار خوض الحرب خيارا سيئا.

لكن عدم خوض الحرب كان يترك حماس قادرة على تكرار المجزرة، ويشير إلى أعداء إسرائيل بأنها فقدت قدرة الدفاع عن نفسها، ويحرم الإسرائيليين من الثقة في أنهم قادرون على مواصلة بناء مستقبل في بلدهم؛ فقرار عدم خوض الحرب كان أيضا خيارا سيئا.

بالنسبة لغالبية الإسرائيليين كان الاختيار بين الخيار الأول والثاني اختيارا بين وحش ذي ستة رؤوس، ووحش قادر على إغراقهم جميعا.

وبرغم التكلفة الباهظة لهذا القرار فإن الحكم عليه ليس في أيدي الناخبين الإسرائيليين.

فالحرب ومسوغاتها ليست بموضوع جدال عام في انتخاباتهم الراهنة، وليست من القضايا التي تفرق بين نتنياهو والمرشحين المتنافسين على خلافته؛ ذلك أن ثمة اتفاقا واسعا في إسرائيل على أننا اخترنا الأزمة لا الفناء.

لكن حيثما يشعر الإسرائيليون بالوضوح الأخلاقي يواجهون أيضا الحكم الأخلاقي من الغرب. وهذا التباين بين رؤية الإسرائيليين ورؤية الغرب لسلوك إسرائيل يضرب بجذوره في خلل تصنيفي. هو خلل يفسر السبب في أن إسرائيل اليوم هي الدولة الأكثر تعرضا لسوء الفهم في العالم؛ فقد وقعت في مأزق مأساوي، لكن الحكم عليها يصدر وكأن المأزق ثنائي.

لقد كان على إسرائيل أن تختار بين السيئ والأسوأ، لكن محاكمتها تتم وكأنها اختارت السيئ لا الجيد.

والانتخابات تطرح مأزقا آخر؛ فإسرائيل اليوم منقسمة إلى كتلتين: أنصار نتنياهو وخصومه. وهذا في نظر كثير من الإسرائيليين مأزق ثنائي؛ فثمة خيار سيئ والآخر جيد، لكن في حال إفراز الانتخابات طريقا مسدودا - وهو ما تتنبأ به استطلاعات الرأي- فمن المرجح أن تواجه إسرائيل مسارين مختلفين كلاهما لا يحظى بشعبية تذكر: انتخابات أخرى أو حكومة تقتسم السلطة بين نتنياهو وخصمه الأساسي جادي آيزنكوت. وفي هذه الحالة سوف يواجه الإسرائيليون مرة أخرى مأزقا مأساويا، ولكنه هذه المرة على الصعيد المحلي.

ميكا جودمان باحث زميل في معهد شالوم هارتمان بالقدس، ومقدم مشارك لبودكاست (حزب الأفكار)، وله العديد من الكتب

الترجمة عن نيويورك تايمز