العرب والعالم

لبنان.. "حبس أنفاس" على أرضية الإنتخابات الإسرائيلية وانعكاساتها

هل يمنح "غضب الشمال" الإسرائيلي تفويضاً جديداً لاحتلال الجنوب؟

 

تزامناً مع الانتخابات الإسرائيلية، الأكثر إثارة للتساؤلات القلقة حول مصير المنطقة، في ظلّ أيّ نتائج ستؤدّي إليها وأيّ حكومة ستنشأ عنها، وعلى بُعد أيام من الإنتخابات النصفيّة الأمريكية، دخل لبنان مرحلة من الإنتظار السياسي المفتوح على احتمالات التصعيد، ومعها بدا، بحسب قول مصادر مراقبة، 'معلّقاً' على نتائج استحقاقين، يتجاوز تأثيرهما الحدود الإنتخابية، ليطال مستقبل المواجهة مع إيران والتوازنات الإقليمية، وعرضةً لضغوط سياسية وميدانية تتجاوز حدوده، خصوصاً أن أيّ تسوية على جبهته تبدو مرتبطة بمسار إقليمي لم تتضح معالمه بعد.


وبانتظار ما ستفضي اليه الإنتخابات الإسرائيلية التي جرت اليوم وما ستفرزه صناديقها، وما قد يليها من قرارات في الحرب والتفاوض، والإنتخابات النصفيّة الأمريكية في 3 نوفمبر المقبل، التي يُنتظر أن تكشف عن طبيعة التوازن داخل الكونجرس وانعكاساته على قدرة الإدارة الأمريكية على إدارة ملفّات المنطقة، فإنّ ثمّة إجماعاً على اختصار المرحلة الحالية بـ'الساعات الحاسمة'، لا للبنان وحده، بل للمنطقة برمّتها.

وذلك، في ظلّ تكاثر مؤشرات 'الإنفجار الإقليمي الكبير' مع اقتراب العدّ العكسي للإنتخابات الأمريكية، ومنها إصدار السفارة الأمريكية في بيروت، يوم السبت الفائت، بيان تحديث لتحذير السفر الى لبنان.

وقد أتى هذا التحذير على وقع تصعيد إسرائيلي وتفجيرات كبيرة جنوباً، وخرق لـ'الخطّ الأصفر'، ومناورة ضخمة أجراها الجيش الإسرائيلي على مدى يومين عند الحدود مع لبنان، حاكت هجوماً مفاجئاً وتسلّلاً جوياً وبرياً، واختبرت الجاهزيّة للإنتقال إلى التصعيد.
تسوية أم مواجهة؟
وإذا كانت الإنتخابات الإسرائيلية ستحدّد هويّة القيادة التي سيتعامل معها لبنان في المرحلة المقبلة، فإن مستقبل الجنوب لا يتوقف على نتائجها وحدها.

ذلك أن الأهمّ بالنسبة إلى لبنان ليس بالضرورة هويّة الفائز، بل حدود التغيير الذي قد تفرضه النتائج على السياسة الإسرائيليّة تجاه الجبهة الشماليّة، وخصوصاً أن التنافس بين بنيامين نتنياهو وخصومه لم يعكس اختلافاً جذريّاً في التعامل مع التهديدات المرتبطة بـ'حزب الله' وإيران، بقدر ما تمحور حول إدارة المواجهة ونتائجها.

ولعلّ لبنان، أسوةً بغزّة والضفة الغربية وجنوب سوريا، يشكّل الساحة الأكثر مدعاة للإنشداد إلى الإنتخابات الإسرائيلية، نظراً إلى خطورة الإحتمالات التي قد تنشأ عن استمرار الواقع الإحتلالي الإسرائيلي في جنوبه، إذا لم تحمل الإنتخابات تغييراً جارفاً في السياسات المقبلة لإسرائيل، أقلّه على صعيد 'إدارة الحروب' الدائرية وصراعاتها، وفي صلبها مصير الجنوب وعبره كلّ لبنان.


وفيما الأنظار اللبنانية تترقّب مسار الأحوال الجنوبية، فإن إسرائيل مستمرّة في توسيع حضورها العسكري في جنوب لبنان، غارات وتفجيرات وشقّ طرقات واستحداث مهبط للمروحيّات، في مشهد يطرح تساؤلات عن طبيعة المرحلة المقبلة، وما إذا كان الإنتظار السياسي يمهّد لتسوية ما أم لمواجهة أوسع.


أمّا على الوجه المكمل لهذه الصورة، لجهة احتمالات التصعيد في لبنان ربطاً بالإنتخابات الإسرائيلية، فإن ثمة من يرى أن الإسرائيليين لم يقترعوا اليوم لأحزاب أو تكتلات معيّنة، بل اختاروا ما يمكن أن يحصل في المنطقة، مع ما يعنيه الأمر من كون مرحلة ما بعد الإنتخابات الإسرائيلية هي مرحلة جديدة، تبدو الحرب فيها وكأنّها 'قدر محتوم'، فيما الأسئلة تتركز على تاريخ بدء الحرب ومداها، ومدّتها وتداعياتها.


والتصعيد في المنطقة، سواء تجاه إيران أو لبنان، يصعب حصوله من دون موقف أميركي واضح.

ذلك أن التصعيد الذي يتجاوز مستويات معينة، ولا سيما إذا طال الضاحية الجنوبية لبيروت، أو اتخذ أبعاداً أوسع في الجنوب اللبناني، قد يجعل المواجهة مرتبطة بالحسابات الأمريكية أكثر مما هي مرتبطة بالقرار الإسرائيلي وحده. وعليه، وبحسب إجماع مصادر سياسية متعدّدة، تبدو المرحلة المقبلة مرشّحة لمزيد من التعقيد، سواء أسفرت الإنتخابات الإسرائيلية عن حكومة جديدة، أو أعادت إنتاج المأزق السياسي القائم.


تقرير لافت.. وسؤال مشروع
وفي الوقت الذي يقف فيه لبنان أمام مرحلة، قد تكون أشدّ خطورة من مجرّد تبدّل في السلطة الإسرائيليّة، والسؤال الأساسي لم يعد مقتصراً على ما إذا كانت الحرب ستندلع، بل بات يتعلّق أيضاً بما يمكن أن يُطلب من الدولة اللبنانيّة فعله لمنعها، حذّر تقرير نشرته مجلة 'ناشيونال إنترست' الأمريكية من أن إسرائيل تتجه نحو تكريس احتلال طويل الأمد لأجزاء من جنوب لبنان، وسط مؤشرات إلى أن الإنتخابات الإسرائيلية قد تؤدّي إلى توسيع العمليات العسكرية، بدلاً من إنهائها، في ظل تعثّر المفاوضات مع لبنان وغياب ضغط أميركي جدّي لفرض الإنسحاب.


وبحسب التقرير الذي أعدّه المحلّل في السياسة الخارجية ألكسندر لانغلوا، فإنّ الوجود العسكري الإسرائيلي في لبنان يتحوّل تدريجياً إلى 'احتلال مفتوح'، قد يعيد إنتاج تجربة الإحتلال التي استمرّت 18 عاماً (1982- 2000)، ولكن في ظروف إقليمية أكثر خطورة وتعقيداً، معتبراً أن استمرار الإحتلال يمنح 'حزب الله' مبرّراً أساسياً للتمسّك بسلاحه، ويجعل نزعه أكثر تعقيداً.

وبذلك، لا يعود السؤال، وفق قراءة المجلة الأمريكية، مقتصراً على موعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، بل يتجاوز ذلك إلى احتمال أن تتحوّل الأراضي اللبنانية المحتلّة إلى جزء من استراتيجية أمنية إسرائيلية دائمة، وأن تقود الإنتخابات المقبلة إلى توسيع الإحتلال بدلاً من إنهائه.


أما على المستوى الأمريكي، فيشير التقرير إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب، رغم قدرتها على ممارسة ضغوط على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عندما تقتضي المصالح الأمريكية ذلك، تبقى شديدة الإنحياز إلى إسرائيل، ولا تعتبر مواجهة سياساتها أولوية في معظم الحالات.


وإلى أن تُفرج الساعات المقبلة عن أحداثها، وسط تكاثر السيناريوهات وغياب الضمانات، وفي ظلّ التحذيرات الغربية والعربية التي تصل الى لبنان، ومفادها أنه أمام 'أيام صعبة'، فإن سؤالاً واحداً يشغل اللبنانيين، ومفاده: هل اقتربت ساعة الإنفجار بالتقاء العقربيْن الأمريكي والإسرائيلي على ترك 'ساعة الصفر' معلّقة على حاصليْن إنتخابيّين؟