أعمدة

ازرع.. تحصد

تنبأ الروائي الفرنسي ميشيل ويلبيك بأن يصل المسلمون إلى الحكم في فرنسا. كتب عن هذا في روايته «استسلام».

آمن كثير من القراء والكتاب أيضا بعنصرية ويلبيك وتطرفه، آخرون اختبروا معضلة أن تكتب بنثر مبهر، وحساسية واضحة، لكنك عنصري أرعن وطفيلي، بالنسبة لي وأصدقائي، قلنا إن تلك الكراهية التي يبديها ضد المسلمين، ليست حصرية، انه ببساطة يكره الجميع، وقلنا أيضاً، إن ممارسة الصوابية السياسية على نص إدبي، هو الحكم على الأدب والفن بالإعدام.

لم تكن هذه هي المرة الوحيدة التي تنبأ فيها ويلبيك بـ«كارثة» وشيكة. التقيت مرة بزميل له يعمل في نفس الجامعة، أسقط دفاعاتنا عن كون ويلبيك يستخدم الكراهية لقول شيء ما، وقال لنا إنه عنصري بغيض، ويكره العرب والمسلمين بشكل خاص.

لكنه مع ذلك تنبأ بالفعل بأحداث منها «السترات الصفر» في فرنسا عام ٢٠١٨ عندما خرج المتظاهرون ضد غلاء المعيش والتفاوت الطبقي وغير ذلك.

لم أتوقف عن التفكير فيه خلال الأسبوع الماضي مع الأحداث في باريس، والمظاهرات التي خرجت إلى الشارع. مع ذلك لم يكن وحده مصدر التفكير في الأحداث. إن أي مراجعة كلاسيكية للرأسمالية، أو نظرة سطحية على الليبرالية المتأخرة، لن تكلف شيئا لحساب فظائع تنتظرنا جميعا بلا استثناء.

ما الذي يتوقعه العالم من تقلص أو تلاشي دور الدولة في تقديم الخدمات على اختلافها والتنازل عن برامج الرعاية الاجتماعية لصالح الشركات ورأس المال، رأس المال الذي لا يقيده أي شيء، «دعه يمر» فلا يضبط توحشه أي شيء، ومع تكتيكات من قبيل استخدام المهاجرين كعمالة رخيصة لأنها غير قانونية، أو استبدال العمال بالآلة، كل ما بإمكانه وبعملية حسابية ساذجة أن يرينا اختفاء الطبقة المتوسطة، وسقوط الناس في وحل تفاوتات طبقية مروعة.

تزداد الضرائب كل يوم في أوروبا، وتتأثر بسبب هذا النظام «المعولم» بكل ما يجري من حولها. إغلاق مضيق هرمز الآن وغلاء أسعار الوقود، لكن المسؤولين يقفون ذاهلين أمام انتفاضة الناس، والتي ما إذا كنت مذهولا منها ومن قدرتها التدميرية، لكنت في موقع لا تستحق فيه العمل الذي تشغله في السلطة.

إنك ببساطة لم تقرأ التاريخ! مع جائحة كورونا خسر الناس وظائفهم، وأولئك الذين ابتدؤوا مشاريع صغيرة، خسروها أيضا.

وليس من المدهش أن يزداد الأغنياء ثراء حينها. والمعروف أن اقتصاد الأزمات هو أكثر الفرص المواتية لفرض وتمرير قرارات اقتصادية شعبية، مثل فرض الضرائب، هذا هو موضوع كتاب «عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث» لنعومي كلاين الذي يتتبع عبر التاريخ استغلال هذه الأوقات أكثر من غيرها في صناعة مشهد اقتصادي وقانوني استثنائي.

يخبرني صديقي الجزائري الذي يعيش مع زوجته وابنته في منطقة فرنسية بعيدة عن باريس، أنه لا يمتلك أكثر من نصف ساعة يوميا لممارسة أي نشاط يحبه، يعمل صديقي هذا مهندساً في شركة تنتج ألواحا بالطاقة الشمسية، ولكثرة الطلب عليها، فهو وزملاؤه يعيشون تحت وطأة ضغط عمل لا يمكن تصوره.

أما الفنان الذي التقيته في لندن في آخر زيارة لي، وهو فنان معروف يمتلك صالة خاصة لدق الوشوم، وعلى الرغم من التكلفة العالية التي يفرضها على الزبائن، إلا أنه مستعد للتخلي عن هذا كله بعد أن أنجب ابنته قبل أربعة أشهر، وكان يعيش في لندن منذ ١٢ عاما، قال لي إنها ليست مكانا للعيش خصوصا بالنسبة لعائلة، قادمة من اليونان؛ حيث العلاقات الاجتماعية أكثر ترابطا، والركض من أجل لقمة العيش ودفع الضرائب والفواتير أقل.

أعرف أن المحافظين سيتلقفون كلامي هذا بفرح، للتدليل على أن تلك المجتمعات متفسخة ومفككة، لكن هذا لا يحدث لأسباب دينية أو اجتماعية، إنها سلطة المال والثراء التي تنخر في كل المجتمعات وإن تأخر بعضها، فهي ذاهبة إليها لا محالة، ما لم تكن هنالك إرادة جماعية لتحقيق الخير شاملا للجميع، وبعقد اجتماعي عادل.

لم يكن ويلبيك نبيا، إنه ببساطة استخدم ما نظرت إليه الفلسفة منذ كارل ماركس وحتى هذه اللحظة. لطالما قدمت الرأسمالية وعدا بأنها ستقضي على نفسها وعلينا معها، وإن كان ذلك بتفسير البنى الاقتصادية في وقت ما وتأثيراتها المباشرة وغير المباشرة إلا أننا هذه المرة أيضا نطور وحوشا سنفقد السيطرة عليها.

لديّ سؤال مهم جدا في هذا السياق: ترى مع إفقارنا لهذه الدرجة، من سيشتري من الأغنياء وهم ١٪ من سكان العالم، بضائعهم وعقاراتهم؟ أوه لابد وأن يطوروا روبوتات مستهلكة. حل عظيم فعلاً.

اختم بما كتبه ويلبيك: «سَكَتَ على نحوٍ ممنهج: حينما يسكت المرء على نحوٍ ممنهج وينظر إلى الناس في أعينهم، ونعطيهم الانطباع بأننا نُحبّ كلامهم، فإنهم يتكلمون. يستلذون كوننا ننصت إليهم، كل المحققين يعرفون ذلك؛ كل المحققين، كل الكتّاب، وكل الجواسيس».