صمت الحكاية
الثلاثاء / 15 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 19:13 - الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 19:13
لقد عشنا حرب فلسطين الدائمة وانتفاضة أطفال الحجارة الأولى والثانية، وقَتل محمد الدرّة العلني على شاشات التلفزيون، في مشهد صادم سنة 2000، في انتفاضة الأقصى، اهتزّ العالم لطفل صغير يحتمي بوالده الذي يسعى بيده العارية أن يُظلّه من وابل الرصاص المتساقط عليه، وشاهدنا يومها إصابة الولد والوالد، وإصرار الإسرائيلي الدمويّ على القضاء على الطائر وفرخه، دون رحمة أو وجل أو احترام للذات البشريّة، لقد عشنا حرب العراق، وحال القصف الذي نُقل إلينا مباشرة، دمار للدور وتقتيل للعباد والحيوان والتراث، الحرب التي تفوق وحشية أضرى الحيوانات، ودهشنا من قدرة الإنسان على القتل، وعلى إفناء المسالم قبل المحارب، وبقينا مع ذلك نؤمن بالإنسانية لا نُطبِّع مع القتل ولا مع الدماء، ننشط في الوقوف ضدّ الحرب والظلم والسطو والعربدة وامتهان الإنسان، وكتب قُصَّاصنا وشعراؤنا عوالمهم وحرقة الإنسان العربي منتهك الوجود، عديم الوزن في ميزان القوى العظمى، كتب أدباؤنا أعمالا جامعة بين الشهادة والتمثّل، بين رصد الواقع الذي فاق الأسطرة وإيجاد عوالم ممكنة تمتصّ الواقع وتعيد تخييله، أقمنا فنونا وآدابا شاهدة على جُرم المجرم، لم تتزعزع هويتنا السرديّة على الرغم من شدّة الصدمة البصرية الحيّة، لم نكن نتعامل مع عالم رقميّ قادر على صناعة الأذهان.
تتداعى في ظلّ هذا الوضع سرديّاتنا الكبرى، أساطيرنا التي رافقتنا طيلة عصور، تُخرس آلات الذكاء الصناعي كل تخييل ممكن، تحدّ من تصوّر عوالم أخرى، يحلّ واقع أبعد من خيال المبدع.
حرب تخوضها القوّة الكبرى الماردة في العالم، أمريكا، تعمل فيها على تعديل ميزان الكون وفق مزاجها، حرب مع إيران الدولة التي لم تجد حلاّ سوى أن تهزّ سبات جيرانها وأن تدمي حياتهم الهانئة وأن تقطع سلامهم الذي نعموا به، حرب في اليمن ومن اليمن، تُفارق نطاق نزاعها الداخليّ لتتقسّم أنصارا وأضدادا، حربٌ في لبنان الذي لم يهدأ ولم يسكن يخوضها الكائن الغاصب الضارب لهوا وغضبا وغصْبا خبْط عشواء يمنة ويسرة، كلّما وجد فرصة أو منفذا أو مدخلا أو علّة أو سببا، وكلّما لم يجد سببًا، يأخذ من سوريا قسطا من الأرض، ومن بقايا فلسطين أقساطا من الأرض وما تيسّر من الأرواح، ويأخذ من إيران نصيبًا من الثأر، وما خفي قد يكون أمرّ وأدهش، حرب في العراق بين الإخوة الأعداء، حرب في السودان يأخذ منها كلّ ذي قوّة أو مال نصيبا.
ما يُخيفني ويُرْعبني أنّ جيلا من الشباب تفتّح وعيُه وإدراكه على حال الحرب، على الدماء، على خوارزميّات تقود الأذهان وتُوجّهها، لا نعلم أيّ وعي مبطّن تُضمره، وتزرعه في عقول أطفالنا، الذين تصالحوا مع الحروب والدماء والتقتيل والتقطيع من خلال أفلام الرعب المفتوحة أمامهم، ومن خلال برمجيّات لعبيّة لا نتحكّم فيها.
خوفي الحقيقي أن نفقد حكايتنا الأساس، أن نضيع خواصّنا، ألاّ ننصت لحكايات جدّاتنا، أن ننصرف عن السرديّة التي نشأنا عليها والتي تنتهي بالظالم إلى الفساد وبالمظلوم إلى الفوز والظفر، خوفي أن تموت حكاياتنا وتحلّ حكاياتهم.