أن تعاصر التحول وأن تعيه
الأربعاء / 16 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 10:03 - الأربعاء 28 أكتوبر 2026 10:03
حين دخلت الحملة الفرنسية القاهرة صيف 1798، كان عبدالرحمن الجبرتي هناك يدوّن، سجّل المدافع والمراسيم وأسعار الخبز، وسجّل دهشته وهو يتفرّج على علماء الحملة يجرون تجاربهم في الكيمياء. ترك الجبرتي شهادة لا يستغني عنها أي مؤرخ، لكنه ظلّ يقرأ ما جرى، في الغالب، نازلة تنقضي بخروج أصحابها. بعد ثمانية وعشرين عاما سافر رفاعة الطهطاوي إلى باريس إماما لبعثة دراسية، وكتب هناك «تخليص الإبريز». خرج الطهطاوي من الصدمة ذاتها، صدمة اللقاء بأوروبا، بسؤال صار مشروعا: كيف تتعلم أمة ممن تفوّق عليها دون أن تذوب فيه؟ وظل هذا السؤال يشغل الفكر العربي قرنا كاملا بعده وقد تناوله هذا الملحق بالتفصيل في عدده الماضي.
والفارق بين الرجلين هو المسافة بين أن تعاصر التحول وأن تعيه، فمعاصرة اللحظة لا تضمن رؤيتها، وأكثر الذين عاشوا المنعطفات الكبرى رأوا تفاصيل أيامهم، وفاتَهم قراءةُ اتجاهاتِها. يحدث هذا لأن التحول الكبير يبدأ في الغالب صغيرا ومتفرقا، فلا يجمعه في صورة واحدة إلا عقل اعتاد الربط بين الأحداث وربطها بمسبباتها وبمآلاتها. من هنا تبدأ مسؤولية المثقف في قراءة الوجهة داخل التفاصيل، وتسمية التحول قبل أن يتصلب، ويصير قدرا غير قابل للنقاش.
ونحن اليوم في لحظة من هذا النوع؛ حيث الحرب تعيد ترتيب حسابات الإقليم، والثورة التكنولوجية تعيد رسم كل تفاصيل الحياة والعمل والإدراك، وحيث تتبدل قواعد العيش في مجتمعاتنا الخليجية والعربية بهدوء لا يلفت الانتباه. ورغم كل ما يحدث من تحول عميق وخطر وجودي إلا أن بعض المثقفين في العالم العربي ما زالوا يبذلون طاقاتهم في التعليقات السريعة ويؤجلون الاشتغال على السؤال الأهم والأخطر: إلى أين يمضي هذا كله؟ إلى أين تمضي منطقتنا ولغتنا وذاكرتنا وما الذي نستطيع حمله معنا وما الذي يمكن أن نتركه خلفنا؟
مسؤولية المثقف في لحظة كهذه تتمثل في أن يرى بعينه قبل أن يُستفتى، وأن يقول لمجتمعه ما يحتاج إلى سماعه مهما كان ما سيقوله ثقيلا أو مؤلما. وعليه أن يصمد أمام غواية الاصطفاف، فالمجتمعات في لحظات التحول تميل إلى الاستقطاب، وتحتاج من يذكّرها بأن الأسئلة الكبيرة قلما تُحسم بالانحياز إلى معسكر. ولهذه المسؤولية وجه آخر يقع على المجتمع ومؤسساته؛ فالمثقف الذي نطالبه بالسؤال يحتاج فضاء يتسع للسؤال، ويحتمل أن يأتي الجواب على غير ما نحب.
أدّى الجبرتي ما يؤديه شاهد أمين، ومصر والعالم العربي مدينان له، غير أن التدوين بداية الوعي، والمثقف الذي يقف عنده يترك لغيره، وغالبا لأعلاهم صوتا، أن يقرر ما تعنيه اللحظة.