عمان الثقافي

التناص التراثي والعجائبيّة في قصص سمير العريمي

 

ينحو سمير العريمي في قصصه -التي اطلعتُ عليها- منحى الجملة المكثّفة الرامزة، وهذه اللغة التي لاحظتُها في مجموعتيه: «سفرٌ هو حتى مطلع الشمس/ وعين القطر»، قادتُه في نهاية المطاف إلى كتابة قصص قصيرة جدا لا تتجاوز غالبا خمسة أسطر.

 ومن الثيمات التي تتميز بها الكتابة في نصوص العريمي، التناص التراثي والعجائبيّة كالجن والسحر، وقصص الموت، والاختفاء والتحوّل.

يمكنُ ملاحظة تلك الثيمة التي تنبثق منها الفكرة السردية لتشكّل حبكةَ القصِّ في النص، كما في نص قصة: (صباحٌ.. وجه ذاك البحر)، الواردة في مجموعته القصصية الأولى «سفر هو حتى مطلع الشمس» الصادرة في عام 2006م حيث تبدأ القصة هكذا: «حجرة مُظلمةٌ، تحومُ في سمائها الخفافيش.. رائحة خانقةٌ.. حرٌّ تسيحُ معه الأجساد.. تتهادى من كوَّةٍ صغيرةٍ في العِلِّيَّة هسهساتٌ، وأناتٌ تشقُّ الجدران الرَّطبة لتصلَ إلى مسامعه، هل هم بشرٌ يعانون.. أم مُجرّد أوهام؟ لطالما حذرتْهُ أمُّهُ وهي تهمسُ:

لو سمعتَ صوتًا يُناديكَ في الظلمة لا تَجِبْ. لأنه (بسم الله الرحمن الرحيم) ساحر...»

هذه البداية ليست سوى مقدمة لمشاهد يحكيها السارد مع أمه وأبيه وغيرهما، وتظهرُ من خلال هذه السردية (علامات الاستدعاء التراثي والعجائبيّة): «حتى السحرة يا أمي لن يطيقوا مثل هذا المكان»، «اللعنة حتى يداي مربوطة»، «كانت الأصفاد مُحكمة. أول مرة وُثِّقتا فيه بعد الولادة مباشرة وهو في القماط.. سَمَع بوضوح، (سُودوه الدَّاية)، تقول: رِبطِيه الصَّيَّاح عن يِعوّر عُمرُه».

وفي قصة (سفرٌ هو حتى مطلع الشمس)، التي استمدت منها المجموعة اسمها يدور صراعٌ بين الأخ الصغير وأفراد أسرته: (الأب والأم والأخ الأكبر)، حيث يرفض الأخ البقاء ويُقرر الرحيل، بعد أن ترك الدراسة، وطلب منه الأب مغادرة البيت «أن تترك الدراسة فهذا شأنك لكن عليك أنْ تُغادر البيت دون رجعة، سامِعْ..»، «وأين يذهب؟ -إلى جهنم الحمراء إن شاء؛ لكن لن يجلس هنا عالة على غيره».

تبدأ القصة بمشهد أقرب إلى المشهد المسرحي، وهي مشاهد لا تخلو من التناص مع التراث الديني والأسطوري، يقول السارد: «كانت غلالة من السحب الماطرة تسيحُ فوق الأفق عندما أخذ يُلوِّح بيدِه اليُمنى من الزورق الطافي على لُجَّة الوداع، رأيتَني أطيرُ حواليه كطائرِ نورس حزين فقد سِربَهُ، وعندما همّ بمسح دُرَّتين ترقرقتا من عينيه بظاهرِ كفِّه المُرتعشة، حطَّ الطائرُ على قلبه فحلَّتْ بهِ السكينة وغشيتهُ الرحمة وحفَّت به الوداعة وذكرهُ محبُّوه فيمن عندهم».

أما مشهد الولادة؛ فهو مشهد صوَّرتْهُ القصة بعجائبيّة بحثًا عن الحرية ومقاومةً للعُرفِ، يقول السارد: «ظلّ يقاوم لحظة الميلاد إلى أن جاء بطلقٍ صناعي، رفض امتصاصَ ثدي أمِّه، كان يصرخُ إذا قُيَّدَ في القماط أو تُرِكَ في المهد، رأته أختُهُ يَرضعُ في حُضنِ امرأةٍ بيضاء طويلةٍ في ثوبٍ يَقَق؛ فلم يصدِّقوها...» .

لم تُكن تلك المرأة البيضاء الطويلة الخارقة لحظة سردية عابرة لأنها شكلت تلك الشخصية المتمردة منذ لحظة الولادة وحتى لحظة السفر، وهي اللحظة التي قرر فيها الرحيل وأخوهُ الأكبر يُناظرُ المشهدَ بحزنٍ وألم: «وما إنْ تغطيتُ بالملاءة حتى ارتفع شراعُ الزورق الأبيض، وفي اللحظة التي غادرتُ فيها نفسي طيرًا. كانت امرأةٌ طويلةٌ في ثوبٍ يَقَق تنتشلُ الزورقَ وترتفعُ به للسماء؛ لتنطلقَ سابحة نحو مطلع الشمس».

ونجدُ ثيمة (التناص التراثي والعجائبية) أيضًا في مجموعة: (عين القطر) الصادرة في عام 2014م، في مثل قصة: (بيبي كلثوم)، التي تستدعي فيها عجائبية المكان وتحديدًا (عين غلا)، ويستدعي من خلالها قصص الموت والنذر والسحر، ومفردات الحياة القديمة مثل الحارة والعرشان والسيارات القديمة.

ويكتب سمير العريمي قصصًا قصيرة جدا بلغةٍ ونسقٍ يواكب اللغة الخطابيّة الجديدة والثقافة المعاصرة، ومن تلك القصص نذكر قِصصًا بعنوان: (شاي كرك)، و(درون)، و(رحمة)، والشاي الكرك في عُمان وبعض بلدان الخليج العربي يعني: شاي الحليب المغلي المخلوط ببعض البهارات المعروفة شعبيًا مثل الهِيل والزنجبيل والقرنفل/المسمار والقرفة، وشاي الكرَك يكاد لا يُفارق بيتًا من بيوت أهل عُمان، أما الدرون فهي طائرة صغيرة بدون طيار. ولو وقفنا عند قصة: (شاي كرك)؛ فهي قصةٌ عجيبة إلى حدٍّ ما، والأمر يتعلق في حدث القصة المتصل بمصيرِ زوجةٍ لن تُكمِلَ حياتها مع شريكها الزوج بسبب قسمه وحلفه على الضيف لشرب شاي كَرك في بيته، إلا أن المشكلة/العقدة أنّ الحليب نفد من البيت؛ فما كان من الزوجة المُرضِعَة إلا أنْ تفعل ما فعلته من ردِّ فعلٍ عجائبي وغير مألوف في حقيقته لكي تنقذ حياتها مع شريكها: «أُصيبتْ بالذعُر بحثتْ دون جدوى.. فاضَ الشاي الأسود المغلي.. أُسقِطَ في يديها.. ماذا لو وقع اليمين.. تحسَّسَتْ صدرَها... في جنونٍ وهلع.. تذكَّرتْ رضيعها، وهكذا أصبحَ له أخٌ كبير من شاي كَرك».

وحتى في القصص القصيرة جدًا، نجدُ العجائبية موجودة فيها، وهي القصص التي ضمتها هذه المجموعة القصصية الجديدة عند سمير العريمي، وهي تمثّل التجربة القصصية الأولى في هذا النوع من القصص، وقد اطلعتُ على بعضٍ منها مخطوطةً قبل نشرها مثل: قصة شاي كرك، وقصة رحمة، وقصة موت؛ ففي قصة (موت)، يقول السارد: «رأى مُحبِّيه يبكونه بُكاءً مُرًَّا.. رقَّ لهم.. عادتْ رُوحُه.. فزع من رقدتِه، عانقهم جميعًا فردًا فردًا.. ودَّعَهُم بقلبه وروحه هذه المرّة.. قبَّلهم بين أعينهم.. أوصاهم بالتجلّد والثبات، ثم مات من جديد». أما مجمل ما نشره العريمي في مجال القصة فهي أربع مجموعات قصصية: سفرٌ هو حتى مطلع الشمس،2006م/خشبُ الورد،2010م/عين القطر2014م،/ والمجموعة التي بين أيدينا كما ينبغي لماسة أن تكون، 2027م.

وكذلك في قصة (رحمة) تحضرُ ثيمة العجائبية، وتظهر علاماتها من خلال المقطع السردي الآتي:

«صدمتْها سيارةٌ عابرةٌ فألقَتْ بها خارج الشارع.. بقيتْ جُثّة هامدةً جانب الرصيف، في اليوم التالي شاهدَ المارّةُ والسَّابلة مشهدًا أذهلهم تمًامًا.. جرَاءٌ صغيرة عمياء تًرضَعُ من الأمَّ الميّتةَ.. لم يصدِّقوا ما يرونه وسبحوا باسم الله..». وعلى وجه العموم، سنلاحظ كيف ستتحول الكتابة القصصية عند الدكتور سمير العريمي في مجموعته الجديدة: (كما ينبغي لماسة أن تكون)، بوصف أنّ كتابته القصصية الجديدة أكثر رمزية وكثافة فالقصص الجديدة جاءت على شكل مقاطع قصصية قصيرة (قصص قصيرة جدًا)، وهذا التحول الكتابي لا شك سيرافقه تحوّلٌ أيضًا في الأسلوب اللغوي الكتابي، وتحوّل في النسق الدلالي؛ فالعجائبية مثلا وإنْ ظلّتْ كثيمةٍ في نصوصه إلا أنها مختلفة عن ثيمة العجائبية في النصوص القصصية الطويلة التي تُعطي الكاتب مساحة أكبر من الكتابة والتناص، على العكس تمًاما من القصص القصيرة جدًا التي تحتاجُ إلى كثافة لغوية، وخطاب دلالي شديد الرمزيّة في مساحةٍ كتابية محدودةٍ جدًا، كما أنّ هذه القصص بحاجةٍ إلى قارئٍ يتمكّنُ من فكّ شفرة الدلالات و الأنساق المُضمرة فيها. 

د. يوسف بن سليمان المعمري أستاذ اللغة العربية المساعد في الأدب والنقد بجامعة الشرقية