الآخر الذي يصنعنا ونصنعه: في سوسيولوجيا صناعة «العدو»
الأربعاء / 16 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 10:01 - الأربعاء 28 أكتوبر 2026 10:01
انبثقت فكرة هذا المقال من كتاب لافت لباحث فرنسي يُدعى بيير كونيسا، صدر عام 2011 بعنوان «صنع العدو: أو كيف تقتل بضمير مرتاح». تتقاطع أفكار هذا الكتاب مع الأدبيات السوسيولوجية، ما يجعل استكشافها من منظور سوسيولوجي مفيدًا لفهم مشهد الحروب المتجددة في عالمنا اليوم. من هنا، يصبح الغوص في آليات بناء المجتمع ضمن هذا السياق رحلة لا غنى عنها. وببساطة، تعني «صناعة العدو» رسم ملامح خصم أو طرف آخر وتحويله إلى تهديد يلوح في أفق المجتمع أو الجماعة، ليصبح وقودًا لتعبئة الأفراد ضده، سواء أدركوا ذلك أم لا. ونرى مثالًا متواصلًا على ذلك في تصوير الفلسطينيين بوصفهم تهديدًا وجوديًا في الخطابات الإسرائيلية. وغالبًا ما تتولى وسائل الإعلام أو الخطاب السياسي أو الثقافي هذه المهمة، فتنسج صورة العدو في الوعي الجمعي.
في مقدمة الكتاب، أشار كونيسا إلى اقتباس شهير لألكسندر أرباتوف، المستشار الدبلوماسي لميخائيل غورباتشوف في السنوات الأخيرة للكيان السوفياتي، حين قال: «سنقدم لكم أسوأ خدمة، سنحرمكم من العدو!». وفي سياق آخر، يقول فريدريك نيتشه: «من يحيا على محاربة عدوه، من مصلحته أن يدعه يعيش» في كتابه «إنسان مفرط في إنسانيته». من هنا، تبدو شرعية الذات آتية من الآخر، من وجود عدو يجب محاربته دومًا، وهذا لا ينطبق على الأفراد فقط، بل حتى على مجتمعات تُغذَّى على هذا المبدأ إلى أن يصبح الأمر ضرورة اجتماعية. تشير هذه المقولات إلى أن صورة العدو ليست مسألة هامشية، بل تدخل في بناء الهوية الجماعية، وهو ما يشكل الأساس لفكرة صناعة العدو التي يتناولها المقال.
خطاب صناعة العدو لا يولد من العدم، بل تنسجه المؤسسات الوطنية بخيوط دقيقة عبر مراحل متعاقبة. يقود هذا الخطاب أفراد ومؤسسات يجيدون رسم ملامح العدو وإشعال العداء ضده، ويصفهم كونيسا بـ«محددي العدو». قد يكون هؤلاء أفرادًا يضخّون الأفكار في شرايين الوعي الجمعي، كما في رواية «كيم» لروديارد كيبلنغ التي رسخت الفكر الإمبريالي في الهند، أو مؤسسات سينمائية مثل هوليوود، لا سيما أفلام الويسترن، التي حولت قتل السكان الأصليين في أمريكا الشمالية إلى أساطير بطولية تتلألأ على الشاشات.
لا يصبح من المهم من يكون محدد العدو هذا، أو من يرسم الهوية؛ الأهم أن يلتف المجتمع بكل أطيافه حول فكرة وجود كيان آخر يهدد وجوده ويستدعي المواجهة بكل الوسائل. هنا يبرز دور الوعي الجمعي، إذ أصبحت مؤسسات الدولة اليوم بحاجة إلى إشعال حماس الرأي العام لشن الحروب، بخلاف الماضي حين كانت الحروب قرارًا مغلقًا إلى حد معقول في يد الملوك أو الحكام.
في الحرب الأهلية اليوغسلافية (1991-2001)، قام بعض المثقفين المعادين للسلطة، وبعض الزعماء السياسيين، والسلطات الدينية، وبعض العائلات بخلق العدو للوصول إلى التعبئة الحربية. ويطلق كونيسا على هؤلاء مصطلح «صنّاع الأساطير»، لأنهم يستغلون مفردات من قبيل «الموروث» و«الأسلاف» وغيرها لتبرير العداء وتدجين الرأي العام في هذا التوجه.
كما أن الاستفتاءات والقرارات التي يشارك فيها المجتمع لا تحدث بنية طيبة، إذ تحمل السردية التي تخرجها النخب الحاكمة للمجتمعات في صميمها نظرة صارمة إلى الآخر، ونيّة واضحة لجعله عدوًا من الأهمية بمكان تدميره. في الحادي عشر من سبتمبر، يظهر دليل ذلك، حين احتاج جورج بوش الابن إلى موافقة على غزو أفغانستان، فطلب الكونغرس «تفويض استخدام القوة العسكرية» (AUMF)، وقد أفرزت صدمة هجمات 11 سبتمبر إجماعًا شعبيًا ونخبويًا غير مسبوق في الظروف العادية. أما غزو العراق، فاحتاج إلى بناء خطاب مختلف، راحت ضحيته أرواح كثيرة اعتُبرت تهديدًا. تم ذلك عبر خطاب ممنهج شُيطن فيه العدو أولًا، ثم مُرّر الموضوع عبر الكونغرس الذي أقر الغزو.
المخيف في الأمر أن هذه الحروب تشتعل تحت عباءة الشرعية الكاملة. والأدهى أن صناعة العدو ليست وصفة جامدة، بل تتبدل ألوانها مع تغير الظروف المتاحة؛ فعندما وفرت صدمة أفغانستان مبررًا جاهزًا لاعتبارها عدوًا، اضطرت أمريكا إلى نسج خطاب شيطاني جديد لتبرير الهجوم على العراق. وطالما أن العدو صورة يتم بناؤها، فتفكيكها ممكن حتمًا.
هناك فكرة قالها عالم الاجتماع إميل دوركهايم حول الأضحية، وتشير باختصار إلى أن التضحية تهدئ القلق الاجتماعي في الأزمات. وقد تكون هذه الأضحية شخصًا أو جماعة ما، تُجعل كبش فداء؛ فحين يكون المجتمع في حالة عصيبة، يحتاج إلى أن يوجّه أصابع الاتهام إلى أحد يعزو إليه آلامه، ثم يثأر منه. وهذا، وفق دوركهايم، تمثّل في قضية «دريفوس» الشهيرة عام 1894، حين أُدين ضابط يهودي في الجيش الفرنسي بتهمة الخيانة، وتم استخدامه ككبش فداء لتفريغ التوترات السياسية والاجتماعية في فرنسا آنذاك.
وإذا كان دوركهايم يحلل حاجة المجتمع إلى أضحية، فإن عالم الاجتماع الأمريكي مارك جورغنزماير يوسّع الفكرة إلى أن للعدو وظيفة اجتماعية على مستوى الصراع الكوني بين الخير والشر، كونه يساعد الجماعات على تخيل قوتها وخلق معنى لوجودها وصراعاتها. وفي هذه الحرب الكونية، تصبح صورة العدو ضرورة، لأن الحرب تعطي شعورًا بالأمل والقوة للذين يصدقونها. وفي أحيان، يُعاد تعريف العدو سياسيًا ليصبح عدوًا كونيًا.
مثلًا، في دراسة لنتائج هزيمة 1967، ظهرت أصوات في بعض الخطابات الإسلامية تقول إن التخلي عن الإيمان أدى إلى الهزيمة العسكرية، وأن الدين وحده بإمكانه تحقيق النصر. وفي الطرف المقابل، كان انتصار إسرائيل إشارة ربانية على البدء في المناداة بفكرة «إسرائيل الكبرى» وتوسيع الاستيطان.
وفقًا لتحليل كونيسا السوسيولوجي، فالآخر وصنع عدو منه يمثلان حاجة اجتماعية. ويصبح تشكيل هذا العدو، بوصفه «آخر» معادلًا لـ«الأنا» الجمعية، ضروريًا في حالة الأزمات التي يقوم فيها بدور الأضحية. ويكون هذا واضحًا في الأزمات، إذ تقتضي الحاجة وجود عدو لتوحيد صفوف الجماعات الفرعية المكوِّنة للمجتمع؛ فصراع فصائل المجتمع الباكستاني مع الهند حول كشمير أنشأ هوية أكبر، هي على مستوى «نحن الباكستانيون». كما يقول أحد المحللين الفرنسيين: «كان لدى العدو السوفياتي جميع مزايا العدو الجيد [...] إن غيابه يخرق تماسكنا ويجعل قوتنا غير مجدية».
نتيجة وجود هذا العدو، الذي يكون مختلفًا بالضرورة وفقًا للأجهزة الإعلامية للمجتمع، ولتعميق هذه الفكرة في الأذهان، يصبح هذا العدو سيئًا ومكروهًا، ويصبح «كائنًا مختلفًا» يُبرَّر قتله. ولأن هناك أطراف صراع في حرب فُرضت على إيران، فإننا نشاهد الأمر بصيغة فائقة أمامنا مباشرة. وهنا يستحضر كونيسا الإحصائية الشائعة القائلة إن الحرب تقتل 90% من المدنيين، في مقابل 10% فقط من العسكريين.
صناعة العدو عملية اجتماعية مهمة ترسم حدود الجماعة وتمنحها هوية في مواجهة «الآخر». فالعدو لا يبقى مجرد خصم في صراع ما، بل يتحول إلى بناء اجتماعي معقد يؤدي أدوارًا تتجاوز ساحة المعركة. لهذا، لا يكفي تتبع صنّاع العدو، بل يجب الغوص في أعماق آليات استمراره وتجذره في المخيلة الجمعية. ويأتي الإعلام، أو بالأحرى أدوات التضليل الإعلامي، في طليعة هذه الأدوات، كما في قصة «حاضنات الأطفال» الكويتية عام 1990، حين ساهمت شركة Hill & Knowlton في رسم صورة مفبركة ومضللة لصدام حسين والجنود العراقيين، من خلال اتهامهم بسرقة وقتل الأطفال الكويتيين.
تكمن هنا خطورة صنع العدو في فكرة خلق صورة عن الخصوم من العدم، ثم تكرارها إلى أن تصبح حقيقة راسخة. وعندما يصبح الآخر «المُختَرع» تهديدًا دائمًا، تصبح مواجهته جزءًا من تعريفنا لأنفسنا. هكذا، لا نصنع العدو وحده؛ فالعدو، بدوره، يشارك في تشكيلنا.
مُبارك المخيني كاتب عماني