عمان الثقافي

المـغــيّـب «وأزمـة المـوت» قراءة ثقافية في مشهد «المغّيب» في ديوان «أمسكنا الوعل من قرونه»

 

ذكر الزبيدي في معجمه في مادة (غ ي ب): الغيب: كل ما غاب عنك. والغيب: ما غاب عن العيون، سواء أكان محصلًا في القلوب أم غير محصل. والمغيّب والمغيّبة في المعتقد العماني الشعبي شخص فارق الحياة بموته، وأُقيم طقسه الجنائزي، لكنه يُخيّل للأحياء ظهوره في هيئات وأمكنة عدة بعد دفنه وتغييبه تحت الثرى.

تمارس مفردة «المغيّب» في عقل المجتمع العماني الجمعي حضورها الذاكراتي، في مسافة ممتدة من العقيدة إلى الوهم، أفرزت هذه المسافة، في رحلتها تجاه المعرفة، كثيرًا من الحكايات الشعبية التعليلية عن حضور الموت، وهي إذ تكرس بالحكايات علة الموت فإنما تعبر عن صدمة الإنسان في «التغييب» الأبدي؛ وقد ظلت بقايا هذه الصدمة حاضرة منذ الإنسان القديم؛ حين اصطدم بفكرة الموت في بدايتها الأولى. لم يكن في بال الإنسان القديم، وهو يعيش متوازنات الخوف والرجاء في الكون من حوله، اشتغال يرهب عقله، ويقض هجعته، أعمق من قضية الموت ومآله. لقد كان العالم السفلي بمثابة المملكة التي يلتقي فيها أحياء الأرض جميعًا، هناك حيث يتابعون حياة أخرى جديدة بعيدة عن منغصات العالم العلوي. عرف الإنسان القديم أن حياة أخرى تنتظره، فاستعد لها بالطعام والشراب والمركب... هكذا تعاملت أديان الحضارات القديمة، وأساطيرها، مع فكرة الموت قبل أن يمتطي الإنسان صهوة التمرد عليها.

«المغيّب» فكرة عقدية متجسدة ماديًا من خلال مخيال اجتماعي متواطئ على وهم الإيمان بالحياة الأبدية، ورفض فكرة الموت. ويكاد هذا المخيال الشعبي يرسم صورة بانورامية واحدة لتجسد «المغيّب» الهارب من جدثه بعد اجتماعه بالأموات في هيئة الأحلام! إنها أزمة الموت، وصدمة الانقطاع حين تلاحق الأحياء في أعزة فقدوا الاتصال بهم للأبد! ليصبح كل موت مجرد تغييب مؤجل يخفف به حرقة الفراق.

لقد جعل الفراقُ الشاعرَ متمم بن نويرة يبكي أخاه مالكًا عند كل قبر يراه؛ لأنه يجسد في مخياله «تغييب» أخيه. إذ «لا يصبح موت الآخر بالنسبة للإنسان تحديًا أو تطاولًا على وجوده الخاص، إلا حين تكون ثمة رابطة حب أو تعاطف تجمعه بذلك الآخر، فتجعله يشعر بصميم التماسك الشخصي الذي يجمع بينهما في وحدة ذاتية لا تنفصم! هنا يجيء موت الحبيب فيكون بمثابة تجربة ذاتية يعاني فيها «موته» على سبيل التعاطف». يقول متمم بن نويرة في بكاء أخيه مالك:

لقد لامني عند القبور على البكا

رفيقي لتذراف الدموع السوافك

وقال أتبكي كل قبر رأيته

لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك

فقلت له إن الأسى يبعث الأسى

فدعني فهذا كله قبر مالك

لكن أخا متمم «مغيّب» بصورة الفناء في مظهرها الدنيوي؛ لا يظهر بين الأحياء في الواقع مرة أخرى، ولا يمارس حياته الطبيعية في أمكنة أو مناطق أخرى، بعد أن يموت من غيّبه، كما يحدث في الذاكرة الشعبية العمانية.

يذهب المعتقد الشعبي في الحكايات المتناسلة إلى أن «المغيّب» لا يستطيع أن يبادل الناس، الذين يتعرفون عليه، الكلام؛ لأنه محكوم بسلطة الساحر، وخاضع لها. هذه الحكايات امتداد في فكرتها لتلك القوة السحرية التي رسمتها الأساطير في الحضارات القديمة، وخضع لها الإنسان القديم في تفسير ظواهر الكون من حوله، إلا أن تلك القوة ضعفت في مراحل التاريخ، ومع تقدم الفكر الإنساني ورحلته في البحث والتجربة، تراجعت سيادة السحر، ومع هذا ظلت مجتمعات تعتقد بحقيقته وفاعليته، بينما استثمرت مجتمعات أفكاره وعرضتها على التجربة في الابتكار العلمي والتكنولوجيا؛ تعزيزًا لحضارتها، بعد أن تجاوزت الجانب العقدي فيه.

لم يتجاوز المجتمع العماني فكرة «المغيّب» إلا بعد مخاض طويل من التمرد على هذا العرف العقدي، وعززت الثقافتان الدينية والعلمية حضورهما في المجتمع، وتسيّدتا المشهد؛ مما جعل كثيرًا من المعتقدات الشعبية تنسحب إلى مساحة صغيرة في المجتمعات المغلقة بعد أن فقدت ثقافتها السيادة في المجتمعات الكبيرة المفتوحة، وعليه خسرت كثيرًا من وظائفها التي ما عادت تصلح للمجتمع العصري. في الوقت نفسه، يجب أن نشير إلى أنه من الخطورة بمكان أن تخسر هذه الحكايات الشعبية، بشكل خاص، والموروثات الثقافية بشكل عام، وظيفتها الهوياتية؛ لأنها جزء من ذاكرة الجماعة الشعبية التي تشكل الانتماء الثقافي؛ فالشعوب التي ليس لها أساطير تموت من البرد، كما يُنسب إلى الكاتب الفرنسي «دو بان» قوله.

عودًا إلى «المغيّب» بوصفه فكرة تعليلية «وهمية» أنتجتها الثقافة الشعبية؛ لتتجاوز بها صدمة الموت، مع ما يخلّفه هذا الاعتقاد بـ«الوهم» من تشظٍّ في المجتمع حين يمس فئة تجاوز الزمن فاعليتها. كانت الحكايات الشعبية التي تكرّس معتقد «المغيّب» تحتل مكانة في المجتمع، حتى الموت نفسه لم يكن ليحظى بقبر يرقد فيه بسلام؛ لكثرة ما شوهد الموتى أحياء يمارسون بهيئات سوية حياة طبيعية في أمكنة قصية، أو بهيئات تبعث الخوف والرعب في الأحياء! أُقصي الأول وعُذّب الثاني، واستُعبد؛ هكذا تروي الحكايات الشعبية، وهكذا بقيت في الذاكرة الشعبية حتى يومنا هذا، لكنه بقاء مجرد من عقديتها؛ لهذا خبت فاعليتها.

كيف يتعامل الشعر مع الحكايات الشعبية والأساطير؟

الشعر ليس رواية للحكايات أو الأساطير، ولا يمارس في إيقاعه الشعري إعادة إنتاج الحكاية؛ ليقدمها للقارئ، فهو إذ يفعل ذلك فإنه يفارق لغته الرمزية الخاصة، ويتخلى عن رؤيته العميقة للكون والواقع من حوله. فالشاعر، وإن كان يمارس الدور السحري الذي يمارسه الساحر في «المغيّب»، إلا أنه سحر من نوع آخر، يهيمن بسطوته الرمزية العميقة على القارئ حين ينقل تلك الحكاية إلى عالم آخر بلغة مكثفة بالرموز، تجعل من عملية القراءة أشبه بممارسة طقس صامت يبحث عن تأويل لتلك اللغة المشفرة، وإيقاعها الجمالي. والشاعر، وفق مخياله الرؤيوي، يعيد تشكيل الحكاية أو الأسطورة؛ في لغة شعرية معتمة بالضباب العاطفي، لغة تخفي ثورة ناعمة على الوعي الجمعي المتكلس.

فانظر -على سبيل المثال- إلى هذا المقطع الشعري الذي استثمر فيه الشاعر إسحاق الخنجري حكاية السحرة وعلاقتهم بالغياب، وكيف يمكن للخيال أن يخلق رموزه الخاصة، ويشكل مشهدًا بالغ الجمال. إن جملة واحدة قادرة على أن تسري بك من واقعك الملطخ بالجفاف إلى عالم الحكايات والأساطير في مشهد مفعم بالطراوة، ومفخخ بالرموز. يقول الخنجري في قصيدته «رحيل» من ديوانه «وحده قلقي» الذي صدر عام 2009م:

وحيدا

مع الموت والساحرات

أخيط المساء

في المشهد السابق تناصٌّ عميق يستحضر، في لحظة الانكسار العاطفي، حكاية السحرة، والأموات «الأحياء»، وثيمة الخوف التي تتداولها الأمسيات بمشاهدها الحكائية.

أما «زهران القاسمي» فإنه ابن القرية والجبل، يجمع بين شائقة السرد وعمق الصورة الشعرية، يتردد بين الجبال ليصطاد أسرار الحياة، وفي الكهوف يتعمق في ملابس الراحلين الممزقة، وبقايا من ذكريات جرفتها الأودية بين البساتين والحقول. يرصد صورة الإنسان في عمق تهجده، ويتأمل «شاوية»:

توقظ الفجر..

تأمره بخلع ثيابه..

لتغسله بموال عذب...

تترك أطفالها في معية قمم شاهقة..

وتسرح بالصدى.

وحين تسكنه الجماعة يوغر صدر الذاكرة بمشاهد من «التناغم البدائي»، فيفتح طاقة الحياة على تجليات الطبيعة من حوله:

كافحنا وقاتلنا الرياح والمطر..

صرخنا في وجه الجنيات..

أطلقنا عواءنا مع الذئاب..

أمسكنا الوعل من قرونه.

يستقطع زهران القاسمي من حكايات المغيّبين التي يتناقلها الناس، ويتردد صداها بين الجبال والصحارى والبحار والأودية، مشهدًا شعريًا باذخًا بالرؤى، مكثفًا بالصور، مغرقًا بالرموز؛ ما يجعلنا بشكل حقيقي نعيش صورة شعرية، و«عندما نعيشها نتعلم أن نعرف أن في واحد من أليافها الصغيرة، صيرورة وجود متجسد في وعي باضطراب الوجود الداخلي».

يرسم زهران صورة «المغيّب»، وهي تتشح بالفوضى والضياع، وفاعلية الزمن تجرها نحو الغياب؛ إنه الإنسان الشاعر حين ينتابه إحساس فاجع بالآخر الذي يُحتفى بموته في ذاكرة محشورة بالوهم، ومتواطئة عليه. يتمرد الشاعر على ذلك كله حين يحاول أن يرمم الذاكرة الخربة، ويمد جسور اللغة على رفات الوهم، يقول:

شعرك الأجـعـد المنسدل

هناك تساؤل تحمله القراءة عن صورة «المغيّب» بشعر أجعد! ألا يحيل الشعر الأجعد إلى فئة من الناس، أو عرق، أو لون، أو بشرة؟ إن هذا التساؤل قد نجد إجابته ببساطة لو أنها حكاية سردية! لكن الشعر أعمق من هذا الاصطفاف؛ للشعر الأجعد رمزيته الملتوية الخشنة التي لا تستقيم، وتستعصي على فعل الأمشاط. ولكي يزداد غموض هذا الكائن، جاء «الانسدال» على الشعر الأجعد، وهو تناقض صريح في طبيعته، لكن الشاعر أراد أن يشكل من هذا المتناقض المادي معنى آخر أعمق من المرئي؛ حين يجمع الخشن والناعم في صورة واحدة يتجاوز بها الصورة النمطية لمعنى الإنسان. إن «قصيدة النثر تدشين لمغامرة جديدة تتخطى حدود المواضعات والأقيسة لتسهم في اختبار مكنات الكائن الشعري، والوجود الشعري الذي يقيم داخله هذا الكائن، هذه المكنات اللامتناهية هي التي تفتح عوالم متعددة تسافر داخلها اللغة، وقد أصبحت متجردة من الصورية والدلالية المبيتة، والقصد والأمثولة؛ ذلك لأنها تمثل جوهر المختلف الذي يُكتشف في أبعاده اللامرئية، وفي حدسيته المدركة لأشكال لا متناهية من الكثافة الشعرية».

إن «الشعر الأجعد» منبت طبيعي يمثل الحقيقة البيولوجية مكانًا وصفةً، لكن «الانسدال» عملية مصطنعة خضعت لفاعلية الزمن وإغواء الحكي بتحريف الوصف؛ ليستثمرها الخيال وفق دراما شعرية مكتظة بالإحساس والعاطفة.

أن يتوجه الخطاب الشعري إلى «المغيّب» وينتقي مظهر «الشعر» و«انسداله»، فهو يشتغل على الزمن وفاعليته، لكنه اشتغال يمهد لصورة أكثر اتشاحًا بالسواد. حين يتمرد هذا الكائن الغيبي على سكونه، تتعرى مسافات الزمن في جسده. يستيقظ من ذاك السكون العالق في ذاكرته، يبحث عن درب لخلاص أبدي في أساطير جربها العابرون إلى الحياة؛ في تميمة دلّت الغياب إلى الحضور، وفي نجوم سلكت بالظلام إلى الضياء. يقول:

تنكشه أصابع مجذومة

تبحث عن تميمة لجبهتك

تبحث عن حل مسألة متعلقة بالنجوم

في هذا السديم المعكر بالضياع، ثمة كهف يُرسم على جدرانه سرد يطفح بالخوف والرعب، وحكايات معتمة بخفافيش الليل، تُستعبد في ظلامه حكاية «المغيّب». وثمة حراك يتلمس طريق النجاة من نفق الظلام، ومن حصار الصورة المحفورة بذكرى الموت والغياب. يقول:

أنت الطامح بالخروج

من كهف المغايبة

الكهف المغلق منذ مائة سنة

عندما تُطعن الحقيقة، فإنها تظهر في وجه حكاية ممسوخة تبحث عن الخلود المفقود منذ آلاف السنين؛ تفتش عنه في امتداد الإنسان القديم؛ في أدواته المعرفية التي أردفته على صهوة الزمن؛ في التميمة والنجوم والكهوف، حيث الحكاية تسرد صورة سريالية مشوهة، تغيب فيها معالم الإنسان. يمارس الأحياء وظيفتهم الحكائية على ذكرى الأموات، فلا الحكاية تتطهر من لعنة الغياب، ولا الموت ينجو من محرقة الحكي، وبين الحكاية والموت يطل بطل المشهد «المغيّب» من زاوية في حارة قديمة، أو في قافلة نوق عابرة، أو على إثر كلاب تنبح ليلًا خلف منزله. يقول:

حين فتحوا حكايتك

لم يكن لك أي صلة بعوالمهم

لذا أكلوا كل من معك

وانسحبوا

تتمرد مفردة «الأكل» على مركزية الحكاية التي صنعها الوهم، المفردة التي تفجرت بها عوالم السحرة، واستمدت الحكاية منها وقود الخوف. هذه «الوليمة البشرية» كفيلة بأن تستدعي في ذاكرة الجيل السابق مخزونًا من الحكايات الشعبية وعوالمها الماورائية، لتدرك تمام الإدراك أن هذا النوع من الخوف تحوّل ذات زمن إلى بناء ثقافي، احتاج المجتمع إلى مراحل زمنية من الوعي المعرفي لهدم جدرانه. وبما أن الحرية فكرة أنطولوجية، فإن الإنسان المصاب بفكرة «المغيّب» لديه قلق أنطولوجي في علاقته بالمطلق؛ لهذا فالخطاب الشعري هنا يتوجه إلى «المغيّب» ليحرّض على فكرة الانعتاق من هذا القلق المزمن الذي أصاب الوعي في أنطولوجيته.

أيها المغيب...

انزع الشوكة من لسانك

فك هذه القيود الصدئة

أو اسحبها خلفك

لتكون جزءًا منك

إن نداء «المغيّب» نفسه انزياح عن الوهم إلى الحقيقة؛ يمتد النداء في مسافة النقاط المتقطعة إلى الشمولية؛ إلى المجتمع المتواطئ على السردية العقدية؛ ما يجعل أفعال الأمر التي يحتضنها جواب النداء موجهة، بتقنية الانزياح، إلى المجتمع المغيّب وعيًا في حقيقة الأمر، وإن بدا النداء في شكله النصي للإنسان «المغيّب» الذي اصطنعته الذاكرة الشعبية جسر عبور لتفسير صدمة الموت العاطفية. إن الأفكار التي تتخذ من الكهوف سكنًا لها لا تنتج حضارة، وإن العقول التي تمنح الآخر قيادتها لا تصنع وعيًا. من أراد أن يبني معرفة، عليه أن يشرع نوافذه للنور والهواء. وقمع المعرفة في جوهرها الوجودي، أيًّا كانت أدوات القمع (الشوكة - القيود)، ينتج مجتمعًا يقدّس أفكارًا معلّبة تعرقل رحلة الوعي الحضاري. يقول:

اخرج

للنور الذي فـقـدته عيناك

وإن شئت

أحرق تعويذتك الأخيرة

لينهدم الكهف

فتتحول حكاية «المغيّب» من سطوة الطقس العقدي إلى سجل شفاهي لفكرة تؤرخ رحلة المجتمع إلى آفاق المعرفة. لعلنا في الختام يمكن أن ننظر إلى قضية «المغيّب» على أنها محاولة عبور؛ فكرية تفسر رحلة الموت، وعاطفية تخفف من صدمة الفراق، ترتد في أصلها الميثولوجي إلى ذاك الإنسان القديم الذي يفسر ظواهر الكون من حوله بأدواته البسيطة، وهو ما يعني أن الإنسان في أوج تحضره العصري الثقافي والتقني تظل هناك كوّة بدائية بداخله يطل منها على شيء من جوانب ثقافته.