وزير الخارجية :قيام هيكل أمن إقليمي خليجي شامل ممكن بشرط بناء ميثاق عدم اعتداء
الاثنين / 14 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 22:52 - الاثنين 26 أكتوبر 2026 22:52
في محاضرة بعنوان «الأمن الشامل في الخليج» بجامعة كامبريدج
«عمان واحة سلام في منطقة تمزّقها النزاعات لكنها تدرك أن أمنها يعتمد على أمن جيرانها»
من اجتماع 1976 إلى 2026 هل تنجح الدول الـ8 في ترتيب أمن جماعي للخليج؟
«الحوار الإقليمي ينبغي أن يبدأ قبل أن تُفرض على المنطقة حلول ترسّخ التبعية والإقصاء»
أي هيكل لأمن الخليج لا يشمل إيران لن يكون مستقرا بطبيعته
لم يعد بالإمكان الاعتماد على تعاون الشركاء الخارجيين
تعثّر الملفين النووي وهرمز أحدث تداعيات «مزيج غير مستقر من استعراض القوة والتبعية في الخليج»
كامبريدج (خاص عُمان): في نوفمبر 1976، اجتمع في مسقط وزراء خارجية البحرين وإيران والعراق والكويت وعُمان وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، للعمل على وضع ترتيب أمن جماعي للخليج، وكانت تلك، كما يقول وزير الخارجية العُماني، 'آخر مرة تجتمع فيها دول الخليج الثماني حول طاولة واحدة'.
ومساء الاثنين، قال معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية إن ذلك الاجتماع يمكن أن يُعقد مرة أخرى، على أن يتجاوز جدول أعماله الملفات العاجلة إلى هدف 'أكثر جرأة' يتمثل في بناء ميثاق عدم اعتداء بين الدول الثماني المطلة على الخليج، أي دول مجلس التعاون الست والعراق وإيران.
ووصف هذا الميثاق بأنه 'الشرط المسبق الأساسي لقيام هيكل أمن إقليمي شامل وحقيقي'.
جاء ذلك في محاضرة بعنوان 'الأمن الشامل في الخليج' ألقاها السيد بدر البوسعيدي في كلية جيرتون بجامعة كامبريدج، بدعوة من رئيسة الكلية إليزابيث كيندال، وخصصها للدروس المستفادة من عمليتي تفاوض شاركت فيهما سلطنة عُمان خلال العامين الماضيين ولم تكتملا: الأولى بشأن البرنامج النووي الإيراني، والثانية بشأن حرية الملاحة في مضيق هرمز.
وتأتي المحاضرة بعد حرب شنتها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران في 28 فبراير الماضي، وأوقفتها مذكرة تفاهم بين طهران وواشنطن في 17 يونيو. وأدت إجراءات اتُّخذت خلال الحرب إلى توقف حركة الملاحة البحرية في المضيق إلى حد بعيد.
وقال البوسعيدي إن البعض يحلو له وصف سلطنة عُمان بأنها 'واحة سلام في منطقة تمزّقها النزاعات'، مضيفا: 'لكن هذه ليست الصورة الكاملة، فعمان تدرك حقيقة أن أمنها يعتمد على أمن جيرانها'.
وقال وزير الخارجية: 'أدعو في كلمتي اليوم إلى أن نتحرك نحن في منطقة الخليج ونتولى مسؤولية أمننا بأنفسنا، وأن نقوم بذلك بطريقة شاملة'، موضحا أن الشمول يعني إشراك دول الخليج كلها 'كمسألة مبدأ وممارسة'، وأن الحوار الإقليمي المطلوب ينبغي أن يبدأ 'قبل أن تُفرض على المنطقة حلول أخرى من شأنها أن ترسّخ فعليا نمط التبعية والإقصاء'.
وتحدث البوسعيدي عن إدراك مشترك يتنامى بحقيقتين: أن الطريق إلى المستقبل ينبغي أن يشمل دول الخليج الثماني جميعا، و'أنه لم يعد بالإمكان الاعتماد على تعاون الشركاء الخارجيين'.
وكان المسار الأول محادثات غير مباشرة بين إيران والولايات المتحدة يسّرتها سلطنة عُمان في مسقط وروما وجنيف، في خمس جولات خلال أبريل ومايو 2025 وثلاث جولات في فبراير الماضي، سعى فيها الطرفان إلى تسوية خلافاتهما حول البرنامج النووي وإنهاء 47 عاما من العداء المتبادل. وذكّر البوسعيدي بأن الحرب اندلعت 'بينما كانت المحادثات حول القضية النووية لا تزال جارية'.
وقال إن عُمان كانت تعتقد أن تلك المحادثات تحرز تقدما كبيرا وأن الاتفاق 'أصبح في متناول اليد'، مضيفا: 'ونحن مازلنا نتمسك بهذا الرأي حتى يومنا هذا'. فالبنود الأساسية للاتفاق، كما قال، ما زالت قائمة 'إذا قرر الطرفان العودة إلى هذه المفاوضات'، وإن كان طريق العودة إلى الطاولة 'أصبح الآن شديد الصعوبة على الولايات المتحدة وإيران'.
أما المسار الثاني فجرى بين عُمان وإيران في إطار مذكرة التفاهم، بهدف التوصل إلى ترتيبات تساعد في ضمان حرية الملاحة عبر مضيق هرمز.
وقال البوسعيدي إن المحادثات رفيعة المستوى والمشاورات الفنية بين البلدين أسفرت عن وضع الخطوط العريضة لترتيب مؤقت، 'لكن، حتى هذا الترتيب يواجه عقبات سياسية'، مؤكدا 'ببساطة، يصعب تصور تنفيذ أي ترتيب من هذا القبيل ما لم تكن إيران والولايات المتحدة على استعداد لتقديم تنازلات والتوصل إلى تفاهم عملي'، موضحا أن هذا التفاهم يشمل التراجع عن بعض الإجراءات التي اتُّخذت خلال الحرب الأخيرة.
واستخلص البوسعيدي من التجربة ما وصفه بالدرس الرئيسي وهو أن القضايا التي ينبغي أن تعالجها دول الخليج بنفسها باتت أكثر تعقيدا، ويستحيل حلها أحيانا، لأن ترتيبات أمن المنطقة 'لم تتطور بما يكفي' بعد أن اعتمدت كثيرا على قوى خارجية.
وتعثّر الملفين النووي وهرمز، في رأيه، أحدث تداعيات 'مزيج غير مستقر من استعراض القوة والتبعية في الخليج'، فحلهما مستحيل 'لأن قوى خارجية تحدد شروط المشاركة، في حين تعجز القوى الإقليمية عن تولي المسؤولية الجماعية عن وضع ترتيبات أمنها بنفسها والتوصل إلى توافق بشأنها'.
ورجّح البوسعيدي أن يكون 'اشتراط إقصاء إيران' أشد ما فُرض على المنطقة من الخارج من أولويات ضررا، وقال إن إيران صُوّرت 'على أنها التهديد الذي ينبغي تنظيم الأمن الإقليمي لمواجهته'، ما أدى إلى 'نظام إقليمي غير مستقر قائم على تصور خاطئ تماما بوجود عداء إقليمي جوهري بين إيران ودول الخليج العربية' مؤكدا 'ليس هناك وجود لعداء جوهري من هذا القبيل.
توجد مشاكل، نعم' مضيفا أن العرب والفرس 'عاشوا في سلام حول الخليج لقرون عديدة'.
وقال إن إيران أُقصيت 'بصورة منهجية على مدى قرابة نصف قرن' عن أي دور مهم في ترتيبات أمن المنطقة، بعواقب سلبية عميقة طالتها وطالت المنطقة بأسرها.
وهي، كما ذكّر، بلد يبلغ تعداد سكانه 93 مليون نسمة، ويعود تاريخه إلى ثلاثة آلاف سنة، ويمثل نحو نصف ساحل الخليج. 'وبالتالي، فإن أي هيكل لأمن الخليج لا يشمل بلاد فارس لن يكون مستقرا بطبيعته'، وقال: 'وسيكون غير سليم من الناحية الهيكلية'.
وذهب أبعد من ذلك حين قال إن إقناع الأصدقاء والحلفاء من خارج المنطقة بأن إيران ليست بالضرورة عدوا قد يكون مفيدا، 'لكنه ليس ضروريا'، لأن 'الحل لا ينبغي أن يعتمد على الأصدقاء والحلفاء من خارج المنطقة'. وأضاف: 'وقد حان الوقت الذي لم يعد فيه من المنطقي إلقاء اللوم على الآخرين'.
ووضع البوسعيدي ذلك في تاريخ طويل من خطط أمنية صاغها آخرون للمنطقة، من اتفاقية سايكس -بيكو بعد الحرب العالمية الأولى، إلى 'مجلس السلام' في غزة الذي قال إن الفلسطينيين لا يقومون فيه بأي دور في تحديد شروط عيشهم وحكمهم. وقال إن القوى الإقليمية عجزت عن تقديم بدائل، وفضّلت 'السير في الطريق الأسهل وهو السماح للآخرين بتوفير الأمن'.
وتساءل السيد بدر: 'لماذا لا تسمح لمن يمتلكون موارد عسكرية هائلة بمستوى القوى العظمى بأن يتولوا أمور أمنك نيابة عنك، خاصة إذا كنت قادرا على تحمل التكاليف؟' قبل أن يضيف 'لكن الكلفة السياسية على المدى البعيد كانت باهظة جدا'، فهذا الأمن جاء بكلفة مالية كبيرة، ومعه 'أولويات سياسية ومصالح وطنية لم تخدم دائما مصالح المنطقة ودولها وشعوبها'.
وتساءل البوسعيدي مرة أخرى 'كيف ضاعت هذه الفرصة؟'، عائدا إلى اجتماع مسقط 1976 والذي عقد بعد أن سحبت المملكة المتحدة قواتها من شرق السويس، حين أدرك قادة المنطقة أن هناك 'حاجة وفرصة في آن واحد' لتنظيم هيكل يضمن الأمن والاستقرار للجميع.
ثم جاءت الثورة الإيرانية عام 1979، والغزو السوفييتي لأفغانستان، والحرب العراقية الإيرانية على امتداد الثمانينيات، لتغيّر ديناميات المنطقة. وقال إن ردود الفعل الدفاعية التي أعقبتها، على مشروعيتها وضرورتها في ذلك الوقت، 'تحولت إلى نظام إقصائي يمنع التعاون الإقليمي الحقيقي'.
واستعرض محطات الانخراط الأمني الأمريكي منذ مبدأ كارتر عام 1980، الذي عدّ أمن الخليج مصلحة وطنية حيوية للولايات المتحدة، مرورا بإنشاء القيادة المركزية الأمريكية عام 1983، وصولا إلى الأسطول الخامس في المنامة والقاعدة الأمريكية في قطر.
ولم يستثنِ وزير الخارجية السيد بدر البوسعيدي عُمان من مراجعته فهي كما قال، كانت 'أول من شارك في هذا الشكل من التعاون الأمني'، حين أبرمت اتفاقية التسهيلات العسكرية مع الولايات المتحدة عام 1980، التي تتيح وصول الجيش الأمريكي 'عند الضرورة وبموافقة متبادلة فقط'. وقال إن عُمان أدركت على مدى عقود الإنجازات المهمة لهذه الاتفاقية، 'حتى وإن اتضحت عيوبها وقيودها في الآونة الأخيرة'.
وقال إن مجلس التعاون الخليجي، الذي تأسس عام 1981 ولم يُقصد به أن يكون منظمة عسكرية أو أمنية، حقق تعاونا إقليميا حقيقيا وأصبح 'بمثابة حجر الزاوية في التنمية الاقتصادية في بلداننا'، لكنه أحدث مع مرور الوقت أثرا 'غير متوقع وغير مقصود' تمثّل في ترسيخ جغرافية سياسية أدت إلى 'تغذية الشك المتبادل'.
ولا يدعو البوسعيدي إلى التخلي عن الشراكات الخارجية، وإن قال إن 'دورها في هيكل الأمن الإقليمي لا يمكن أن يكون رئيسيا'. وعبّر عن أمله في ألا تأخذ هذه الشراكات شكل الالتزامات العسكرية، وأن تبدو أقرب إلى التعاون الاقتصادي والاستثمار في مستقبل الخليج، 'مع الخليج كله، الدول الثماني جميعا'.
وقال إن هذا الطموح كان جزءا مما كان على المحك في المحادثات بين إيران والولايات المتحدة، وإنه ناقشه شخصيا مع الطرفين 'لساعات طويلة'، متوقعا أن تتيح مرحلة ما بعد الحرب 'فرصة اقتصادية هائلة' للولايات المتحدة ولدول المنطقة نفسها.
ولم يقلل معالي وزير الخارجية من صعوبة ما يقترحه قائلا: 'التفاصيل ستكون صعبة، والمحادثات ستكون شاقة وطويلة'، و'لكن الاتجاه المطلوب اتباعه واضح، وينبغي اتخاذ الخطوات الأولى الآن'. واختتم الوزير محاضرته بالقول 'قد يبدو العمل على تحقيق هذا الهدف أمرا يتعارض مع المنطق في ظل الظروف الراهنة لكنه في الحقيقة المسار العقلاني الوحيد'.