لتبقى المنطقة العربية بلا عنف طائفي
الاثنين / 14 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 21:41 - الاثنين 26 أكتوبر 2026 21:41
إن مشهدًا كهذا لا يمكن المرور عليه بوصفه حادثًا عابرًا، ولا يجوز تبرير دوافعه أو التقليل من خطورته؛ فهو يكشف عن تنامي خطاب الكراهية، وضعف الوعي بقيم المواطنة، وتراجع ثقافة التسامح والعيش المشترك وحسن الجوار، التي دعا إليها الدين الإسلامي الحنيف، وتبنته الأعراف الاجتماعية.
فالمسيحيون العرب لم يكونوا وافدين إلى المنطقة العربية ولا عابرين عليها، بل ساهموا في نهضتها الثقافية والوطنية والاقتصادية والفكرية، وحملوا هموم الأمة وقضاياها، وكانوا شركاء في بناء الدولة والمجتمع. وليس أدل على ذلك من أسمائهم العربية مثل محمد وعمر ومروان وعاصم وعلاء ومازن وغيرها.
أما الأسماء الأجنبية فيعود إلى «مجيء البعثات الدراسية والعلمية الأجنبية إلى المنطقة العربية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، والتي كان ظاهرها الحفاظ على الطوائف المسيحية وفي الخفاء كان الهدف الاستيلاء على مناطق نفوذ الدولة العثمانية، فأخذت فرنسا تفرض نفسها حامية للمسيحيين الكاثوليك، وروسيا القيصرية نصبت نفسها مدافعة عن المسيحيين الأرثوذكس، ولذلك حمل المواليد الجدد أسماء كاثوليكية مثل «كلود، جان، مادلين، جوزفين».
كما حملوا أسماء قديسات وقديسين أرثوذكس مثل «قسطنطين، هيلانة، نقولا، بندلي». مثلما ذكر الكاتب الفلسطيني شوقي أبو خليل.
فالمجتمعات التي تفقد تنوعها تفقد جزءًا من روحها وسلمها الاجتماعي.
ومن هنا، فإن الحفاظ على الوجود المسيحي العربي، وتعزيز شعوره بالأمان والانتماء، هو في الأساس واجب أخلاقي ووطني وإنساني.
فالتطرف يولد عادة في بيئات متزمتة تغذيه منظومة من الجهل والتحريض والانغلاق، ومشاعر زائفة بامتلاك الحقيقة الأبدية.
وفي هذا السياق، يحضرنا حكم الرأفة الذي أصدرته القاضية اللبنانية جوسلين متى بحق ثلاثة شبان أساؤوا إلى تمثال السيدة مريم العذراء في إحدى الكنائس بمنطقة عكار شمال لبنان عام 2018.
فقد ألزمتهم بحفظ آيات من سورة آل عمران، ليتعرفوا إلى مكانة السيدة مريم والمسيح عليه السلام في القرآن الكريم. كان ذلك الحكم مثالًا على عدالةٍ واعية ترى أن وظيفة القضاء ليست الانتقام، بل الإصلاح، وأن مواجهة الجهل تكون بالمعرفة قبل العقوبة.