أفكار وآراء

من الذي يمول هيئات الرقابة المالية ؟

في عام 2021، أثار وزير مالية زيمبابوي، مثولي نكوبي، ضجة كبرى عندما أصدر ضمانات بقيمة تزيد عن 15 مليون دولار لقروض خاصة قدمها بنك زيمبابوي التجاري دون الحصول على موافقة البرلمان.

كان ذلك مثالا صارخا بشكل خاص على ممارسة شائعة للأسف في زيمبابوي: تخصيص موارد الدولة لمشاريع غير أساسية لا تقدم أي منفعة عامة. بطبيعة الحال، لم تُسَدَّد بعض هذه القروض، ليتحمل دافعو الضرائب في النهاية مهمة تغطية الخسائر.

في أبريل 2022، تقدم تحالف زيمبابوي المعني بالديون والتنمية (الذي كنت أتولى قيادته آنذاك)، بالاشتراك مع ثلاثة مقدمي طلبات آخرين، بالتماس إلى المحكمة العليا في زيمبابوي لإصدار حكم يقضي بضرورة موافقة البرلمان على الاقتراض العام قبل حدوثه.

في مارس 2023، أمرت المحكمة الحكومة بنشر مشروع قانون في الجريدة الرسمية خلال الاثني عشر شهرا التالية يحدد دور البرلمان في الموافقة على القروض والضمانات، ويضع الإجراءات اللازمة للمصادقة أو الرفض.

لم يتسن تحقيق هذا الانتصار إلا بفضل مِـنحة. الواقع أن مبادرة المجتمع المفتوح من أجل جنوب أفريقيا، وهي مؤسسة إقليمية، أخذت على عاتقها تمويل المحامين الخارجيين الذين تولوا الدفاع في القضية، بالإضافة إلى باحثينا، في دورة امتدت ثلاث سنوات. وعندما انتهت الدورة، تلاشت معها القدرة على خوض هذه المعارك القانونية.

من المؤسف أن هذا النموذج لتمويل المساءلة العامة في البلدان النامية من خلال المنح بدأ ينهار؛ فقد انخفضت المساعدات المقدمة من المانحين في منظمة التعاون والتنمية (OECD) بنسبة 23.1% بالقيمة الحقيقية في عام 2025، وهو أكبر انخفاض سنوي مسجل على الإطلاق.

في الوقت ذاته، تعمل الحكومات على تشديد شروط تسجيل منظمات المجتمع المدني وتقييد اختيار المنظمات التي يمكنها تلقي تمويل من الخارج.

يسمح قانون تعديل المنظمات التطوعية الخاصة في زيمبابوي، والذي استُـنّ في أبريل 2025، للسلطات بإلغاء تسجيل منظمات المجتمع المدني ومصادرة أصولها دون رقابة قضائية. وفي السلفادور فَرَضَ قانون الوكلاء الأجانب، الذي أُقر بعد شهر واحد فقط، ضريبة بنسبة 30% على كل التمويل الأجنبي.

سوف يكون إضعاف مشاركة المجتمع المدني ملموسا على نطاق واسع، خاصة وأن كل اقتراح يرمي إلى جعل التمويل العالمي أكثر استدامة وإنصافا يعتمد على مواطنين قادرين على فهم تحليل القدرة على تحمل الديون وإجبار وزير ما على تحمل المسؤولية عن ذلك.

يدعو التزام إشبيلية، الذي اعتمد في المؤتمر الدولي الرابع لتمويل التنمية العام الماضي، إلى تعزيز الرقابة البرلمانية على الديون، ومؤسسات التدقيق المستقلة، ودور المجتمع المدني في كشف التدفقات المالية غير المشروعة. ولكن لم يذكر أحد من سيتحمل تكاليف هذا العمل.

ربما تكمن الإجابة في نوعين من الصكوك الدولية: اتفاقيات استرداد الأصول المسروقة، واتفاقيات معالجة الديون السيادية. كل منهما من الممكن أن يتضمن بندا يقضي بتخصيص حصة ثابتة من المبلغ ــ 5% نقطة انطلاق معقولة ــ لتمويل الرقابة المستقلة على الموارد المالية العامة في البلد المتلقي. سوف تكون هذه الأموال محمية من تدخل السلطة التنفيذية، وخاضعة للتدقيق للعام، ومضمونة طوال مدة البرنامج.

جرى تطبيق هذا النهج بالفعل في اتفاقيات إعادة الأصول. في ديسمبر2017، أعادت سويسرا ما يقرب من 321 مليون دولار سرقها الرئيس النيجيري السابق ساني أباشا بموجب اتفاقية نصت على المراقبة من جانب البنك الدولي وإشراف المجتمع المدني على كيفية إنفاق هذه الأموال.

في العام ذاته، تبنت المملكة المتحدة والولايات المتحدة وأربعة بلدان مستهدفة ــ نيجيريا، وسريلانكا، وتونس، وأوكرانيا ــ مبادئ المنتدى العالمي لاسترداد الأصول (GFAR)، التي تلزِم الحكومات التي تعيد الأصول أو تتسلمها بالشفافية والمساءلة.

ولكن، حتى الآن، كان مثل هذا الرصد يُـعَـد من قبيل المجاملة، فَـيُـمنَح وفقا لتقدير الحكومة التي يتصادف أنها تحتفظ بالأموال المسروقة.

ويدعو التزام إشبيلية إلى تجربة أساليب جديدة لإعادة الأصول، بما في ذلك إدراج بند في هذه الاتفاقيات ينص على أن تقوم جهة خارجية بمراقبة صرف الأموال على سبيل الإشراف لمنع التلاعب من جانب الحكومة المتلقية.

ومن الممكن أن تتبنى معالجات الديون، التي يجري التفاوض عليها في لجان الدائنين والمنتديات المتعددة الأطراف، نهجا مماثلا: توجيه حصة ثابتة من التوفير في خدمة الديون إلى صندوق خاضع لإدارة مستقلة ويدعم الرقابة على الموارد المالية العامة. وسوف تُـقَدَّم الـمِنَح على أساس تنافسي، وتُنشر في قاعدة بيانات، وتخضع لتدقيق خارجي وفقا للمعايير المنصوص عليها في التسوية.

وافق الدائنون بالفعل على شروط مماثلة لفئات مختلفة. في عام 1998، خصصت أوغندا التوفير الناتج عن تخفيف أعباء ديونها في إطار مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون، ووجهتها لبرامج مكافحة الفقر.

في عام 2023، أتمت الإكوادور عملية مبادلة الديون بالطبيعة، حيث يذهب جزء من الفائدة على القرض الجديد لتمويل صندوق مخصص للحفاظ على جزر جالاباجوس بمبلغ يقارب 12 مليون دولار سنويا، لمدة ثمانية عشر عاما ونصف العام، على أن يديره مجلس يضم ممثلين عن الحكومة، والأوساط الأكاديمية، وقطاع الأعمال.

لن تتطوع أي حكومة مقترضة أبدا بتمويل الأشخاص الذين يدققون حساباتها. ولكن عندما يُدرج هذا الالتزام في شروط التسويات، فإن الأموال تبقى متاحة حتى الميزانية أو الانتخابات التالية. يمنح هذا الدائنين أيضا نظرة ثاقبة على ممارسات الإفصاح من جانب الجهة المقترضة.

الرقابة هي أرخص تأمين في مجال التمويل السيادي. وجدت مجموعة من الاقتصاديين الذين يتتبعون الكشف عن الديون غير المعلنة في 154 دولة على مدار القرن الماضي أن ما يقرب من نصف حالات التخلف السيادي عن السداد تزامنت مع تعديلات كبيرة بالزيادة في الديون العامة المعلنة.

تتراكم الديون الخفية في أوقات الرخاء وتطفو إلى السطح في الأوقات العصيبة، عندما يفحص شخص ما أخيرا السجلات.

وإذا جرى تمويل الرقابة العامة على الوجه اللائق، فإن التدقيق الخارجي يبدأ قبل وقت طويل من حدوث التخلف عن السداد وقد يمهد الطريق للإصلاح. لنتأمل هنا الأمر القضائي الذي حصلنا عليه من المحكمة العليا في زيمبابوي.

كانت نتيجة مهمة، لكن الحُكم لم ينجح رغم ذلك في الحد من المشكلة بأي قدر. صيغ مشروع القانون لكنه لم يُنشر في الجريدة الرسمية؛ وانقضى الموعد النهائي الذي حددته المحكمة دون اتخاذ أي إجراء. أما المنظمات التي كان بإمكانها أن تخوض معركة قضائية من أجل إنفاذ هذا الأمر، فقد انتقلت إلى أعمال أخرى ممولة بالمنح.

مع تسارع الجهود الرامية إلى إصلاح البنية المالية العالمية، يتعين على صُـنّاع السياسات أن يدركوا أن تحسين إدارة الديون يبدأ بالمساءلة في الداخل.

في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في أكتوبر، عقدت منصة المقترضين الجديدة، التي تسعى إلى منح البلدان النامية صوتا أقوى في المناقشات العالمية حول الديون، أول اجتماع لمجلس إدارتها.

وفي حين يشكل التنسيق الاستباقي بين وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية ــ باعتبارهم المسؤولين الذين يوقعون على القروض ــ ضرورة أساسية لتحقيق مستويات دين مستدامة، فإنه يجب أن يكون مقترنا بتمويل خارجي طويل الأجل لمنظمات المجتمع المدني القادرة على حملهم على الوفاء بوعودهم.

جانيت تشو المديرة التنفيذية للمنتدى والشبكة الإفريقية حول الديون والتنمية (AFRODAD).

خدمة بروجيكت سنديكيت