أفكار وآراء

الانتخابات الإسرائيلية: أما آن للعرب التوقف عن حالة الإنكار المرضي؟

في حملة الانتخابات الإسرائيلية التي تجري اليوم يسخر بنيامين نتنياهو والمعلق المتطرف مردخاي كيدار من اهتمام العالم العربي بفرص هزيمته في الانتخابات.

صمم نتنياهو حملته الدعائية على أنه بطل الأمن والتوسع والتوحش الإسرائيلي وأن العرب جميعا مرعوبون منه ويحلمون ليل نهار بهزيمته لأنها تحيي عندهم عودة قطار التسوية وقيام دولة فلسطينية.

في الحقيقة يستحق النظام العربي الرسمي جانبا كبيرا من هذه السخرية لأنه يعيش حالة إنكار مرضٍ -على الأقل منذ اغتيال فرصة السلام التاريخية إسحاق رابين١٩٩٥!! - مفادها أن خروج نتنياهو رمز اليمين الليكودي وحلفائه من السلطة سيوقف الإبادة في غزة وشن الحرب على إيران التي تقوض اقتصاديات دول الخليج والعراق.

وتعود حالة الإنكار هذه إلى إنكار أشد يعتقد أن نتنياهو وحكومته استثناء لا يمثل المجتمع السياسي الإسرائيلي ولا المجتمع الإسرائيلي كشعب.

المفارقة المدهشة أن كل الاستطلاعات الموثقة تؤكد أن منافسي نتنياهو على تشكيل الحكومة مثل ايزنكوت وبينيت وليبرمان وولابيد يتفقون على هدف تدمير إيران حتى يتغير نظامها أو تتفكك الدولة الإيرانية، ومجمعون على رفض الدولة الفلسطينية وإنشاء مناطق أمن محتلة في لبنان وسوريا ويناقشون -هم المدججون بالسلاح حتى أسنانهم ولديهم ترسانة نووية- بوقاحة سياسية لماذا لدى مصر جيش يتسلح !.

يؤيد المجتمع الإسرائيلي كجمهور الحرب على إيران والضفة وغزة ولبنان وشن غارات على قطر واليمن. والعربي الجيد عندهم جميعا هو العربي الميت أو المقتول برصاصهم.

هو مجتمع يعيش بمزاج يميني متصاعد منذ فوز بيجين والليكود بانتخابات ١٩٧٧ لدرجة أن ما كان يسمى يسارا إسرائيليا انقرض تماما من السياسة الإسرائيلية، ولا يحدثني البعض عن بعض الكتاب اليساريين في هآرتس الذين لا تأثير لهم على الناس ليزعم أن هناك تيارا أو معسكر سلام في إسرائيل.

من ضمن تكريس الأسطورة والإمعان في الإنكار وتحويله لوهم جمعي وليس لنخب السياسة فقط ما زعمه أحد المسؤولين العرب السابقين أن الفارق بين نتنياهو وبينيت الذي تولى السلطة فترة قصيرة منذ ٢٠٢١هو الفارق بين السماء والأرض.

المثير للشفقة في حالة الإنكار العربي أن كل استطلاعات الرأي تؤكد تقارب قائمتي نتنياهو أيزنكوت مع تقدم نسبي للأخير. أي أن الانتخابات الإسرائيلية لن تفرز فوزا حاسما لطرف وستصل لما يسمونه الانسداد أو الشلل السياسي الشامل الممتد نسبيا من ٨٤ وبشكل مسيطر منذ ٢٠١٩.

في هذا الانسداد لا تتشكل حكومة إلا عبر ائتلاف المساومات مع الأحزاب الصغيرة في تشاور يستغرق أسابيع. وقد تفشل المساومات والمطالب الجشعة للأحزاب المرجحة وتصل الأمور لمأزق يستدعي حل الكنيست وإعادة الانتخابات.

في الحالتين فإن يد نتنياهو ستكون مطلقة في أسابيع المشاورات أو أسابيع الدعوة للناخبين لإعادة الانتخابات.

ما يهم العرب هنا هو أن مشروع نتنياهو - ترامب في شن حرب جديدة على إيران في الغالب بعد انتخابات اليوم في إسرائيل و٣ نوفمبر في أمريكا وهو الذي أصبح مشروعهما الشخصي المفضل -كما يقول مصدر تركي لجريدة إسرائيلية - سيتم تنفيذه إذا لم يصل الوسطاء قبلها لاتفاق جديد بين واشنطن وطهران يحل محل مذكرة التفاهم.

هدف الخطة حسب سيناريوهات منشورة في صحافة إسرائيل هو إشعال حرب شاملة في المنطقة عبر شن حملة قصف ثالثة مركزة وقاسية على إيران قد تشمل مرافقها النفطية وبنيتها التحتية فترد عليه إيران بهجمات مماثلة على دول الخليج فتنضم دول الخليج إلي أمريكا وإسرائيل في الحرب ضد إيران وتكون في هذه الحالة دفاعا عن النفس؛ أي يزول الحرج الشعبي من أنها تضمن لتحالف أمريكي إسرائيلي أو ناتو سني عربي إسرائيلي ضد إيران الجارة والمسلمة وإن كانت شيعية المذهب !

هذه الحرب التي لا تشكو من البؤر الملتهبة المرشحة لانفجار شامل في مناطق الجزيرة العربية واليمن والخليج، والبحر الأحمر، ولبنان وفلسطين قد تتسع لتشمل مصر وحوض النيل وكامل منطقة الشام والعراق.

فمصر ودول حلف مكة تركيا وباكستان تعهدوا بصور مختلفة بدعم السعودية عسكريا فى حرب الحوثيين. وإذا نفذ ترامب ونتنياهو المهووسان بإيران واللذان أصبحت هيبتهما السياسية بل وربما مستقبلهما السياسي مرتبطا جزئيا بإيران قد ينزلق الجميع إلى حرب إقليمية غير مسبوقة قد تستمر طويلا في الزمان واتساعا في المكان والخريطة.

ستلحق حرب مثل هذه أذى كبيرا بالملاحة والتجارة وأمن الطاقة ونمو الاقتصاد العالمي ولكنها لدول الخليج العربية ومصر والشام والعراق ستلحق ما هو أبعد من الأذى؛ ستكون كارثة تقوض النمو الاقتصادي وتفكك دولا عربية جديدة تنضم لنحو سبع دول فاشلة أو مقسمة حاليا.

السؤال هنا، وبما أن تجاهل ترامب لمصالح حلفائه العرب مرشح للاستمرار بدليل إعلانه تأييده الشخصي لنتنياهو في الانتخابات والذي ليس له تفسير أهم من أنه يريد استكمال الحرب على إيران بنفس الشريك الذي بدأها معه، هل ستستمر النخب النافذة العربية في الاستمرار في حالة الإنكار والعشم في رحيل نتنياهو أو قدوم الديمقراطيين للكونجرس بدلا من حزب ترامب الجمهوري، وهم يرون بأم أعينهم خطة حرب قد تزيل من على الأرض كل إنجاز بنوه منذ قرن من الزمان ؟.

هل سيستمرون في أسطورة أن خيار السلام هو الخيار الاستراتيجي بعد أن رأوا كيف ظهرت إسرائيل على حقيقتها بعد ٧ أكتوبر كدولة توسعية تنظر لمعاهدات السلام مع مصر والأردن كهدنة مؤقتة تنتهي عندما تتحين فرصا لتهجير الفلسطينيين اليهم، وكيف أن أراضي لبنان وسوريا ليست سوى جغرافيا مفتوحة مستباحة لهيمنة أمنية بمناطق مسيطر عليها من الجيش الإسرائيلي.

يتحدث الإسرائيليون عن جنوب سوري يهيمنون عليه ممتد لحدود العاصمة دمشق ويقترح بعضهم على الحكومة السورية - التي أعلنت استعدادها لإبرام اتفاق سلام مع تل أبيب ـ أن تنقل عاصمة الأمويين التاريخية إلى حلب قريبا من حليفتها تركيا.

هل سيظل العرب في حالة الإنكار وشعارها أن ٩٩٪ من أوراق اللعبة مع الولايات المتحدة. الشعار المعادي لقواعد الاستراتيجية التي تدرس في العالم.

الشعار الذي ساروا عليه ٥٠ سنة في التيه ودفعهم للوهم الذي لم يتحقق يوما في أنهم كلما أثبتوا الولاء للتحالف الاستراتيجي الأمريكي والعمل تحت قيادتها المركزية أنها ستعدل بينهم وبين إسرائيل، وأن تخليهم عن خيار المقاومة ستعوضه واشنطن بالضغط على تل أبيب وتجبرها على حل عادل للقضية الفلسطينية.

ليس أمام العرب إلا احترام لحظات التنوير التي كشفتها صراعات وحروب ما بعد ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ من أن العدو الرئيسي للاستقرار والمحرك الرئيسي للحروب هي إسرائيل، وأن واجبهم هو الخروج من الشرنقة التي وضع كيسنجر المنطقة فيها منذ نوفمبر ٧٣.

عليهم أن يعودوا للفكرة الرئيسية، وهي أن قلب الأمن القومي العربي هو القضية الفلسطينية، وأن لا تنازل عن الحد الأدني الموجود في مبادرة السلام العربية، وقبلها لا تطبيع ولا أبراهام ولا بهارات.

على العرب أن يجتمعوا مع الأتراك والباكستانيين وأطراف أوروبية والصين وروسيا على مجهود سياسي واستراتيجي واحد في هذه المرحلة لمنع نتنياهو أو إيزنكوت من تنفيذ مخطط إشعال المنطقة وجر عرب الخليج والجزيرة ومصر وربما لبنان والعراق إلى حرب لا تبقي ولا تذر.