مستقبل الردع النووي في أوروبا: اختبار جديد لوحدة الناتو
الاحد / 13 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 20:40 - الاحد 25 أكتوبر 2026 20:40
ترجمة: نهى مصطفى
في اجتماع مطلع هذا العام طُرح على كبار ممثلي وزارات الخارجية في عدد من الدول الأوروبية سؤال: من لا يزال يعتقد أن الولايات المتحدة ستدافع عن بلاده إذا تعرضت لهجوم؟ لم يرفع أحد يده. كشف هذا المشهد مدى تراجع ثقة الحكومات الأوروبية في واشنطن التي شكلت لعقود ركيزة أساسية لأمن أوروبا وحلف الناتو بوصفها حليفًا يمكن الاعتماد عليه.
على مدى الأشهر الثمانية عشر الماضية انشغلت بروكسل وعواصم دول الناتو بمناقشة سبل تعزيز القدرات الدفاعية التقليدية للقارة لتعويض تراجع الدور الأمريكي، لكن بالتوازي مع ذلك يدور نقاش أكثر هدوءًا وإلحاحًا حول الضمانة الأمنية الأهم: المظلة النووية الأمريكية.
قبل أكثر من نصف قرن اندلع ما وصفه الاستراتيجي الفرنسي ريمون آرون بـ «النقاش الكبير» بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة حول سبل الحفاظ على الردع النووي الأوروبي في مواجهة تنامي القدرات النووية السوفييتية. آنذاك خشي القادة الأوروبيون أن يعكس تركيز واشنطن المتزايد على الدفاع التقليدي عن القارة ترددًا في حمايتها نوويًا، لا سيما مع تطوير موسكو صواريخ قادرة على بلوغ الأراضي الأمريكية. وكان السؤال المحوري: هل تخاطر الولايات المتحدة بتعريض بوسطن لهجوم نووي دفاعًا عن برلين؟
انتهى النقاش باتفاق جديد يقضي بتخلي الدول الأوروبية عن تطوير أسلحتها النووية مقابل إتاحة مشاركة أوسع لها في صنع القرارات النووية الأمريكية.
واستمر هذا التفاهم نحو ستة عقود معززًا أمن جانبي الأطلسي، ويضع حدًا لانتشار الأسلحة النووية، لكن هذا الاتفاق انهار الآن. فواشنطن تدعو إلى تقسيم جديد للمسؤوليات تتولى بموجبه أوروبا الدفاع التقليدي عن نفسها بينما تواصل الولايات المتحدة توفير الحماية النووية، غير أن هذا الترتيب لا يبدد الشكوك. وكما قال أحد المشاركين في الاجتماع: «إذا لم تؤمنوا بالتزام الولايات المتحدة بموجب المادة الخامسة فإن الردع الموسع يصبح في حكم الميت».
لذلك تبحث بعض العواصم الأوروبية بهدوء إمكانية امتلاك أسلحة نووية خاصة بها فيما عرضت فرنسا تعديل سياستها النووية للمساهمة في حماية حلفائها.
ورغم وجاهة هذه الخيارات لا يقدم أي منها حلًا كافيًا لضمان أمن أوروبا من دون زيادة مخاطر الانتشار النووي.
وثمة بديل أفضل: إبرام اتفاق نووي أمريكي-أوروبي جديد يتيح للأوروبيين مشاركة فعلية في صياغة القرارات. ينبغي للدول الأوروبية الأعضاء في الناتو بقيادة فرنسا والمملكة المتحدة أن تضطلع بدور أكبر في الردع النووي بالتوازي مع إعادة بناء الشراكة الدفاعية عبر الأطلسي التي شكلت ركيزة أمن الجانبين لعقود.
أثار إطلاق الاتحاد السوفييتي سبوتنيك عام 1957 معضلة لحلف الناتو؛ فبعد أن أثبتت موسكو قدرتها على إطلاق صواريخ عابرة للقارات خشي الأوروبيون أن تتردد واشنطن في استخدام أسلحتها النووية للدفاع عنهم؛ خشية تعريض أراضيها لهجوم سوفييتي. انقسم الحلف بين دعاة امتلاك الدول الأوروبية أسلحتها النووية بقيادة فرنسا، وأنصار حلول أقل تكلفة، مثل إنشاء قوة نووية متعددة الأطراف تتيح للأوروبيين المشاركة في إدارة الردع مع احتفاظ الرئيس الأمريكي بالقرار النهائي بشأن استخدام الأسلحة. كشف الجدل عن معضلة الردع الموسع: قد يكفي احتمال ضئيل للرد النووي الأمريكي لردع الخصم، لكنه لا يكفي لطمأنة الحلفاء إلى أن واشنطن ستخاطر بمدنها دفاعًا عنهم. لخص وزير الدفاع البريطاني الأسبق دينيس هيلي هذه المفارقة بقوله: إن الردع يحتاج إلى مصداقية بنسبة 5% بينما تتطلب طمأنة الحلفاء مصداقية بنسبة 95%.
انتهى الخلاف باتفاق تخلت بموجبه الدول الأوروبية عن امتلاك أسلحة نووية مقابل دور أكبر في صياغة الاستراتيجية النووية الأمريكية.
وأتاح إنشاء مجموعة التخطيط النووي التابعة للناتو للأوروبيين المشاركة في التخطيط، وأكد أن أمنهم جزء من الاستراتيجية الأمريكية. في عام 1968 وافقت الدول الأوروبية باستثناء فرنسا والمملكة المتحدة اللتين امتلكتا أسلحة نووية على تثبيت وضعها غير النووي بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
استمر التعاون عبر ترتيبات تتيح لعدد من الدول الأوروبية استضافة قنابل نووية أمريكية، واستخدام طائراتها القادرة على حملها. وأسهمت المشاركة في صنع القرار في طمأنة الحلفاء بينما ركزت التطورات العسكرية الأمريكية على تعزيز قدرة الردع الفعلية.
أما فرنسا فاختارت في عهد شارل ديجول مسارًا مستقلًا رافضةً إخضاع قرارها النووي لقيادة الولايات المتحدة. وطوّرت ترسانتها الخاصة، وامتنعت عن المشاركة في مجموعة التخطيط النووي للناتو، ثم انسحبت عام 1966 من هيكل القيادة العسكرية المتكامل للحلف من دون الانسحاب من الحلف نفسه. ورغم الموقف الفرنسي أسهم الاتفاق النووي في ترسيخ نظام عزز الردع، وطمأن الحلفاء الأوروبيين إلى الحماية الأمريكية، وقلّل دوافعهم إلى امتلاك أسلحة نووية خاصة بهم.
على عكس نقاشات الستينيات، لم ينشأ الجدل النووي الحالي عن تغير موازين القوى العالمية، بل عن تحول أحادي الجانب في موقف الولايات المتحدة تجاه أوروبا. ففي ولاية ترامب الثانية تخلت واشنطن عن مبدأين أساسيين في الدفاع الجماعي لحلف الناتو: الاتفاق على طبيعة التهديدات، وعدم قابلية أمن الدول الأعضاء للتجزئة. لم يعد بإمكان الأوروبيين اعتبار التزام واشنطن بأمنهم أمرًا مضمونًا رغم أن أمن الولايات المتحدة ارتبط تاريخيًا بأمن أوروبا. وكما قال إلبريدج كولبي المسؤول عن السياسات في البنتاجون: لم يعد بوسع الدول الاعتماد على أمريكا باعتبارها أمرًا مفروغًا منه. لم يفعل الأوروبيون ذلك قط؛ إذ اعتقدوا أن واشنطن تشاطرهم الإيمان بوحدة أمن جانبي الأطلسي، وهو ما تجسد في تفعيل الناتو المادة الخامسة للمرة الأولى بعد هجمات 11 سبتمبر 2001.
باتت واشنطن تربط التزامها الأمني باعتبارات أخرى، منها الإنفاق الدفاعي الأوروبي، ومدى دعم الحلفاء للسياسة الخارجية الأمريكية. في أغسطس طلب البنتاجون من حلفائه في الناتو الالتزام بسياسات ترامب الخارجية، وشراء المعدات الأمريكية، ومعارضة مبادرات تفضل الصناعات الدفاعية الأوروبية.
رغم تردد بعض القادة الأوروبيين في الإقرار علنًا بهذا التحول بات معظمهم يعتقدون سرًا أن الولايات المتحدة لم تعد ضامنًا موثوقًا لأمن القارة. ويثير ذلك مخاوف أشد بشأن الردع النووي: كيف ستواجه أوروبا هجومًا روسيًا إذا تخلت واشنطن عن الدفاع عنها؟ وكيف سترد الدول غير النووية على روسيا إذا استخدمت التهديد النووي لإجبارها على وقف دعم أوكرانيا؟
ليست هذه المخاوف افتراضية؛ فقد لوحت موسكو مرارًا باستخدام السلاح النووي منذ عام 2022، وكان أحدث تهديداتها في سبتمبر عقب مناورات للناتو قرب كالينينجراد -الجيب الروسي المحاذي لبولندا-.
تتبلور ثلاثة خيارات لسد الفجوة التي أحدثها التحول في السياسة الأمريكية. الأول هو إعادة صياغة الاتفاق النووي مع توزيع جديد للمسؤوليات وفق ما تسميه واشنطن «الناتو 3.0»: تواصل الولايات المتحدة توفير الردع النووي بينما تتولى أوروبا مسؤولية دفاعها التقليدي. ألمحت واشنطن إلى توسيع اتفاقيات المشاركة النووية ونشر جيل جديد من القنابل في أوروبا، لكن زيادة الأسلحة لا تعالج المشكلة الأساسية: تراجع الثقة في التزام الولايات المتحدة بأمن حلفائها بعدما بات هذا الالتزام مشروطًا بالولاء السياسي.
أما الخيار الثاني فهو إنهاء الاتفاق والسعي إلى امتلاك أسلحة نووية أوروبية مستقلة. أبدت بولندا والسويد وألمانيا اهتمامًا متزايدًا بهذا الاحتمال، لكن تطوير ترسانات وطنية سيستغرق سنوات، ويهدد معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وقد يشعل سباق تسلح يضعف أمن القارة بدلًا من تعزيزه.
يتمثل الخيار الثالث في المبادرة الفرنسية التي طرحها إيمانويل ماكرون في مارس 2026 لتعزيز الردع الأوروبي. وتشمل إشراك الحلفاء في تدريبات نووية، ونشر طائرات فرنسية قادرة على حمل أسلحة نووية مؤقتًا في أراضيهم، وتوسيع المشاورات بشأن الاستراتيجية النووية. وانضمت عشر دول أوروبية إلى المبادرة. يمثل هذا التوجه تحولًا مهمًا في العقيدة النووية الفرنسية؛ إذ يربط أمن فرنسا بأمن شركائها الأوروبيين، لكنه لا يمنحهم دورًا مباشرًا في اتخاذ القرارات النووية أو التخطيط لها، ولا يقدم ضمانًا نوويًا صريحًا، كما يعتمد على ترتيبات ثنائية بدلًا من إطار جماعي لحلف الناتو. كذلك يمنح التوجه الاستراتيجي الفرنسي خيارات أضيق لإدارة التصعيد مقارنة باستراتيجية الناتو الأكثر مرونة.
لذلك قد تعزز المبادرة الفرنسية الردع وطمأنة الحلفاء، لكنها لن تكفي وحدها لسد الفجوة التي خلفها تراجع الثقة في الالتزام الأمريكي.
لا يقدم أي من الخيارات الثلاثة حلًا كافيًا لمعضلة الردع النووي الأوروبي، لكن الجمع بين عناصرها قد يتيح حلًا عمليًا. يتطلب ذلك تعزيز القدرات النووية الأمريكية والأوروبية داخل الناتو، وإشراك فرنسا في هياكل التشاور والتخطيط النووي، وتوسيع اتفاقيات المشاركة النووية لتشمل دولًا إضافية؛ فاستمرار الوضع الراهن لم يعد ممكنًا في ظل التهديد الروسي وتراجع الثقة في الالتزام الأمريكي، والبديل قد يكون انتشارًا نوويًا سريعًا.
يتطلب هذا التوجه ثلاثة تغييرات رئيسية:
أولًا: تحديث القدرات النووية وتوسيع انتشارها. ينبغي للولايات المتحدة استبدال قنابل B-61 بصواريخ بعيدة المدى قادرة على استهداف مواقع روسية محصنة فيما تطور فرنسا والمملكة المتحدة صاروخًا بعيد المدى برأس حربي نووي بتمويل أوروبي يمكن نشره على طائرات تابعة لدول غير نووية في الناتو. كما ينبغي توزيع هذه القدرات على عدد أكبر من دول الحلف لتعزيز المشاركة الأوروبية في الردع.
ثانيًا: توسيع التشاور والتخطيط النووي المشترك. ينبغي لفرنسا الانضمام إلى مجموعة التخطيط النووي التابعة للناتو مع احتفاظها باستقلال قرارها النووي؛ فمن شأن مشاركتها أن تعزز فهم الحلفاء للاستراتيجية الفرنسية، وتتيح لباريس استيعاب احتياجاتهم الأمنية بصورة أفضل. ويمكن للدول الأوروبية أيضًا عقد اجتماعات دورية مستقلة عن الولايات المتحدة لمناقشة دمج القدرات النووية الأوروبية الجديدة في استراتيجية الحلف.
ثالثًا: تطوير الإستراتيجية النووية للحلف سيظل القرار النهائي باستخدام الأسلحة النووية بيد القوى النووية الثلاث: الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة وفق استراتيجية الدفاع الوطنية، لكن يتعين على فرنسا توضيح كيف يمكن لعقيدتها -القائمة على توجيه ضربة تحذيرية واحدة قبل التصعيد- أن تطمئن الحلفاء وتعزز الردع. ومن شأن إشراكها في التخطيط النووي وتطوير قدرات أوروبية جديدة أن يمنح أوروبا نفوذًا أكبر في صياغة استراتيجية الناتو، ويوصل إلى موسكو رسالة مفادها أن قرار الدفاع النووي عن القارة لم يعد حكرًا على واشنطن.
تتطلب هذه الخطة تغييرات جوهرية في السياسات والمواقف.
فعلى واشنطن قبول تقاسم النفوذ في صياغة استراتيجية الناتو النووية، وعلى باريس تعزيز اندماجها في الحلف، فيما يتعين على لندن توسيع تعاونها النووي ليشمل فرنسا وتطوير قدرات إضافية. أما الدول الأوروبية غير النووية فعليها تمويل أنظمة صاروخية وطائرات جديدة، وتعزيز البنية الأمنية والاتصالات مع تجديد التزامها بعدم امتلاك أسلحة نووية خاصة بها.
لن يكون ذلك سهلًا أو سريعًا؛ إذ يتطلب من واشنطن ولندن وباريس التخلي عن جزء من السيطرة على ترساناتها النووية، لكن البدائل أسوأ؛ فأمن أوروبا والولايات المتحدة مترابط، وإذا تُركت أوروبا للدفاع عن نفسها وانتشرت الأسلحة النووية بين دولها فسيصبح الأمريكيون أقل أمانًا.
ومع تراجع الوجود النووي الأمريكي وتآكل ثقة الأوروبيين في الضمانات الأمريكية يبدو الاتفاق الجديد -الذي يمنح أوروبا دورًا أكبر في تحمل المسؤولية النووية واتخاذ قرارات استخدامها- السبيل الوحيد للحفاظ على الأمن عبر الأطلسي.
إيفو هـ. دالدر زميل أول في مركز بيلفر للعلوم والشؤون الدولية بجامعة هارفارد. شغل منصب سفير الولايات المتحدة لدى حلف شمال الأطلسي (الناتو) من عام 2009 إلى عام 2013.
الترجمة عن Foreign Affairs