أفكار وآراء

العمل المؤسسي

إن المؤسسات كالأفراد تمر بمراحل نمو تدريجية. إذا قطعتها بشكل منهجي ومتوازن تكون أكثر تأثيراً وقدرة على البقاء ومقاومة الصعوبات. وهناك مراحل متكاملة ينبغي أن تقطعها المؤسسات حتى تصل إلى مرحلة القمة، كما هو الحال بالنسبة للإنسان العادي، ولكن بفارق أن المؤسسات بما أنها تقوم بالجماعة والتكتلات، فيمكن أن تختصر المسافات الطويلة التي يقطعها الإنسان بمفرده في فترة قياسية.

وهنا تتجلى أهمية التكتلات والتجمعات والأعمال القائمة على العمل المؤسسي؛ حيث إن ثمارها أعمّ وأفضل بالقياس إلى الأعمال الفردية. إن التحولات الكبيرة في طبيعة العيش في واقعنا المعاصر والسباق التقني فيه، وجهود كبريات الشركات والمؤسسات في القطاعين العام والخاص في تحدي الزمن جعلها تنتج وتطور نظريات إدارية وأساليب قيادية وإدارية متنوعة.

كان من أبرز هذه الأساليب مفهوم العمل المؤسسي الذي يشير إلى ممارسة العمل الجماعي وأدائه بنسق منظم قائم على أسس ومبادئ وأركان وقيم تنظيمية محددة للمحافظة على النمو والبقاء والنجاح والمنافسة؛ من أجل تقديم الأفضل للجمهور المستفيد من الخدمة (customers).

والعمل المؤسسي يعتمد في جوهره على تمكين ورعاية العاملين من خلال وضع سياسات واضحة، ودليل لإجراءات العمل مفصلة ومكتوبة، والالتزام بتطبيقها إداريا ومهنيا؛ أي عن قدرة ورغبة تامة وربطها بتقييم الأداء مع تشجيعهم على الاجتهاد والبحث عن الأفضل والإبداع.

إن هذه الإجراءات المكتوبة تؤدي إلى تحقيق مبدأ الحوكمة الذي يرتكز على الشفافية والمساءلة، وضمان ألا يتفرد أي شخص مهما كانت درجته الوظيفية في عملية صنع القرار، حتى لا تتاح الفرصة لتحقيق المصالح الشخصية على حساب المصالح العامة.

ويضمن العمل المؤسسي ثبات العمل واستمراره، ويحافظ على تراكم الخبرات والتجارب والمعلومات بحيث لا تتأثر بتغير القيادات، كما يضمن العمل المؤسسي عدم تفرد القائد باتخاذ القرارات المصيرية.

ويرتبط العمل المؤسسي بمفهوم الحوكمة كمجموعة أسس محورية أشبه بالمعتقدات تصبغ حياة المنظمة وتوجه سلوكها. وتحتاج المنظمة حتى تنجح في أداء مهامها إلى تحديد ورعاية المكون الفكري الحاكم وتحوله إلى شعار معلن وفكرة توجه كل المبادئ والممارسات والمواقف.

ويستلزم التميز في العمل المؤسسي وجود خطط وبرامج محددة وواضحة ومدروسة ومتفق عليها موثقة ومكتوبة ومعروفة للجهات التي ستتعامل معها.

ويكثر الجدل عن التخطيط والخطط ورسم المسار والتنبؤات والسيناريوهات واختيار البديل الأفضل. ويبقى السؤال: ما حجم ثقافة التخطيط في أقسام المؤسسات والمنظمات وفروع الإدارات، والقدرة على تشغيل الخطط الإستراتيجية وصياغة الأهداف المحققة لها؟إن العمل المؤسسي معني بصناعة قرار رشيد يسهم إيجابيا في التنمية الوطنية؛ فالقرار الإداري سواء الحكومي أو الخاص يبقى تأثيره وتداعياته إيجابا أو سلبا في المجتمع لأمد طويل.

لذا كان من الضروري زيادة الوعي بالعمل المؤسسي إذا ما أردنا كمجتمع تحقيق نقلة نوعية في التنمية الإدارية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ فالعمل العشوائي غير المؤسسي لم يعد له مكان في زمن التغيرات السريعة والتنافسية والعولمة.

إن تهيئة الأرضية لإدارة التغيير باتجاه ثقافة العمل المؤسسي تتطلب تطوير يقتضي بالضرورة الوعي والانتباه وإعمال العقل والتفكير النقدي؛ مما يتطلب بذل طاقة وجهد فكري ونفسي وخوض تجارب جديدة والمخاطرة بمنجزات الحاضر البسيطة من أجل مستقبل أفضل ونجاح أكبر.

وسر المخاطرة أن البعض قد لا يدركون المقصد من التطوير، ولا يفهمونه ولا يستوعبونه في حينه، فيقفون ضده ويحاربونه من داخل المنظمة ومن خارجها، وهم إنما يضيعون الفرصة على أنفسهم من غير وعي؛ فالمرء عدو ما يجهل.

وفي ظل هذه الصعوبات التي تحيط بعملية التطوير والتغيير يكون العمل المؤسسي استثناء لا يستطيعه إلا قلة من القياديين والأفراد الذين آثروا أن يأخذوا زمام المبادرة، وقرروا ألا يقفوا عند محطة واحدة من النجاح، أو أن يرضوا بما حققوه من إنجاز، ليشدوا الرحال نحو استكشاف آفاق جديدة، ويتوقوا إلى سبر المجهول، والوصول إلى حيث لم يصل قبلهم أحد.

والقيادات الناجحة هي القيادات التي تدعم العمل المؤسسي؛ لأنها تعلم علم القين أنه ليس باستطاعتها إدارة التغيير دون عمل جماعي يقوم على مبادئ الحوكمة، وروح الفريق، والرؤية المشتركة المؤسسة على فكر تنظيمي وتخطيطي مدروس.

د. خالد الحمداني كاتب عماني