أفكار وآراء

إذا كُنَّا «نحن التراث الحي»

احتفل العالم في السابع عشر من أكتوبر الحالي باليوم الدولي للتراث الثقافي غير المادي تحت شعار (نحن التراث الحي)؛ إيمانا بإنسانية التراث الثقافي وعلاقته بالمجتمعات.

فالتراث لا يمكن أن يبقى ويستمر لولا المجتمعات التي مارسته وأحيته ونقلته عبر الأجيال، باعتباره أساسا معرفيا وحضاريا من ناحية، ومكونِّا متجددا يتكيَّف مع الأزمنة المختلفة ويعكس الهُوية الإنسانية من ناحية أخرى.

فالتراث الثقافي غير المادي يكمن في الإنسان ذاته من حيث ارتباطه العاطفي والاجتماعي، الذي يكشف انتمائه، وبيئته، ومعيشته اليومية، وقدرته على التعبير عن طريق ما يقوم به من ممارسات وطقوس وعادات وتقاليد وفنون وآداب وغيرها؛ ولهذا فإن شعار الاحتفاء لهذا العام لا يجعل التراث عميقا في الفكر الإنساني وحسب بل ذاتا تعبِّر عن الإنسان وحياته وحضارته التي يورثها لأبنائه وللأجيال اللاحقة.

إن التراث الثقافي يمثلنا (نحن) كمجتمع، من حيث قدرته على ربط الأزمنة الماضية بالحاضرة بل وحتى المستقبل، لما يتضمنه من أصول ثقافية وممكنات حضارية قامت على طرائق فكر المجتمعات وعاداتهم الأصيلة وممارساتهم المعيشية، التي يمكن أن تفتح آفاق جديدة وأنماط حديثة تتناسب مع المتغيرات الحضارية الثقافية والاجتماعية، ويمكن أن تمثِّل قاطرة اقتصادية خاصة في ظل الانفتاح التقني الهائل، وتسارع برامج الذكاء الاصطناعي التي تعزِّز الإبداع والابتكار وتوفِّر مساحات كبرى للاستثمار الإبداعي في مجالات التراث الثقافي.

يؤكد المدير العام لليونسكو في رسالته التي وجهها بهذه المناسبة، أن هذا العقد يدعونا إلى «الإقرار الكامل بالتراث الثقافي غير المادي بوصفه قوة فاعلة في تعزيز القدرة على الصمود، وإقامة الحوار، ودفع عجلة التنمية المستدامة»؛ فالممارسات الحيَّة الجماعية تعزِّز التلاحم بين أفراد المجتمع، وتتيح إمكانات للحوار الذي يقرِّب البُنى الفكرية والثقافية بينهم وبين شعوب العالم، كما أنه يُسهم في تقريب التنوُّع الثقافي ويدعم السلام.

فالتراث الثقافي غير المادي في تنوُّعه وارتباطه بالممارسات الإنسانية، يعد مكونا أساسيا في التنمية الوطنية المستدامة، ولهذا فإن صونه وحمايته تشكِّل المحور الأساسي الذي يمكِّن المجتمعات من المحافظة على تلك الممارسات وتطوير أنماطها، ذلك لأن الصون لا يهدف إلى جمع التراث الثقافي وحسب بل يسهم في الكشف عن تلك الإمكانات التي ستوفِّر سوقا محلية واعدة خاصة لما يتميَز به هذا التراث من تنويع وثراء يرتبط بالمجتمعات وثقافتها وتعاقبها الحضاري.

إن إمكانات التراث الثقافي لا تنكشف سوى بإيجاد سعة من حيث برامج الصون والحماية، ومشروعات الجمع الميداني التي تهدف إلى تصنيف مجالات التراث الثقافي وتبويبها وفق منهجيات علمية تحافظ على جوهرها وتوفِّر للباحثين والمبدعين والمبتكرين مواد يمكن أن تشكِّل أساسا لابتكاراتهم؛ فالجمع الميداني الخطوة الأولى التي تكشف الفرص الاستثمارية لهذه المجالات وما يمكن أن تضيفه في عالم الاقتصاد وريادة الأعمال، فكم هي الفرص المتوفّرة في الآداب والفنون بأنواعها، والممارسات المرتبطة بالمواسم والطبيعة الزراعية والبحرية وغيرها، ذلك كله يمكن أن يخلق فرص إبداعية عدة.

ولقد أسهم الانفتاح التقني اليوم في دعم إمكانات جمع التراث الثقافي غير المادي وحمايته من خلال الصون الرقمي، الذي يظهر بوصفه إحدى أدوات ووسائل الصون الرئيسة التي تسهم في حماية أنواع التراث ومجالاته بأشكال رقمية أكثر قربا من أفراد المجتمع خاصة الشباب؛ حيث يظهر التوثيق السمعي والبصري، والمستودعات الرقمية وقواعد البيانات، إضافة إلى برامج الذكاء الاصطناعي التوليدي، والواقع الافتراضي (VR)، والواقع المعزَّز (AR)، والنمذجة ثلاثية الأبعاد وغيرها الكثير.

إن هذه التقنيات أتاحت إمكانات هائلة للصون الرقمي للتراث الثقافي غير المادي، ونحن نجد أن هناك مبادرات مؤسسية وشبايبة متعددة، قدَّمت أشكالا من نماذج هذا الصون؛ فهناك مبادرات عدة قدمها كرسي اليونسكو لـ(إدارة التراث العالمي والسياحة المستدامة في المنطقة العربية) في الجامعة الألمانية بمسقط، كالتوثيق الرقمي لقلعة بهلاء، وما توفره وزارة الثقافة والرياضة والشباب من قوائم الحصر الرقمي للتراث الثقافي، وكذلك المبادارات الفردية المتعددة بأشكالها المختلفة التي تندرج ضمن الصناعات الإبداعية مثل الألعاب الإلكترونية (لعبة القلعة، ولعبة سراج)، والأرشفة الرقمية لمجالات متخصصة كالتراث البحري أو الفنون وغير ذلك.

فهذه الجهود والمبادرات مهمة يمكن البناء عليها لتخطيط أثر مجالات التراث الثقافي غير المادي في الصناعات الإبداعية، وإعداد رؤية واضحة لمراحل الصون والحماية بدءا من الجمع الميداني مرورا بالتصنيف والدراسة وليس انتهاء بالاستثمار والإبداع والابتكار وما يعكسه ذلك على سوق ريادة الأعمال، ودعم القطاعات التنموية خاصة السياحة والاقتصاد، وما يمكن أن يوفِّره من وظائف إبداعية ووظائف مساندة عدة؛ فالجمع الميداني للتراث الثقافي يحتاج إلى خطة واضحة ورؤية تستوعب التنوُّع الهائل لهذا التراث في عُمان.

إن الاحتفاء باليوم الدولي للتراث الثقافي غير المادي، يستوجب التوقُّف على هذه الأهمية التي يحظى بها على المستوى الوطني، ولأن التراث الثقافي ينطلق من الإنسان وإليه، فإن الكثير منه مرتبط بذاكرته الشفاهية التي تتأثَّر بالمتغيرات الحضارية من ناحية، وترتبط بكبار السن الذين رحل أغلبهم – رحمهم الله – من ناحية أخرى، ولهذا فإن التعجيل في توثيق هذا التراث وصونه، سيوفِّر إمكانات وطنية للاستثمار والابتكار، وسيربط الشباب بثقافتهم الوطنية ويعزِّز انتمائهم لمجتمعهم.

ولقد حرصت عُمان على تراثها الثقافي، وعملت على إحيائه من خلال العديد من الجهود الوطنية والدولية، ولعل جائزة اليونسكوـ السلطان هيثم لصون التراث الثقافي غير المادي، التي تم إطلاقها هذا العام، واحدا من تلك الشواهد الكثيرة التي تعكس الحرص السامي لتعزيز هذا القطاع المهم، ودعوة صريحة للاهتمام بالتراث الثقافي وصونه بكافة الطرائق والوسائل:

ولهذا، فإن هذا الاهتمام الدولي يكشف الحاجة إلى إيجاد برامج معنية بهذا الصون على المستوى الوطني قبل فوات الأوان، فكثير من التراث الثقافي غير المادي خسرناه بوفاة الرواة أو بالتغيُّر الاجتماعي المتسارع الذي يطرأ على مجتمعاتنا.

إننا اليوم بحاجة ماسة إلى إيجاد برنامج وطني يتخذ رؤية واضحة لصون التراث الثقافي، لا يعتمد على المبادرات – على أهميتها – بل يرسم خطة تستفيد من تلك المبادرات والجهود الحكومية والمدنية في هذا المجال، ويحدِّد ملامح المرحلة المقبلة من هذا الصون بما يتواءم مع الرؤية الوطنية عمان 2040، ويفتح فرصا جديدة مع الرؤى والاستراتيجيات الوطنية القائمة؛ فالتراث الثقافي غير المادي رأس مال ثقافي، يمكن توظيفه في كافة القطاعات.

عائشة الدرمكي باحثة متخصصة فـي مجال السيميائيات وعضوة بمجلس الدولة.