أعمدة

عزيزي الكاتب.. لا تنسَ أن تبكي!

يحدث الترند أحيانًا من أمر غير متوقع، كأن يذهب الكاتب إلى حفل توقيع كتابه فلا يجد أحدًا إلا صديقه الذي رافقه إلى موقع الحفل، فيحزن ويبكي، ويصوره ذلك الصديق وهو في نوبة البكاء ليصبح بين عشية وضحاها حديث القاصي والداني: القنوات الفضائية تغطي الحادثة الغريبة (هل هي غريبة حقا؟)، والصحف تخصص تقاريرها عن الواقعة دون حتى أن تهتم بعنوان الكتاب الذي كان مزمعًا توقيعه، والكتّاب الحقيقيون يتبارون مع كتبة الذكاء الاصطناعي لتدبيج مقالاتهم في الصحف أو فيسبوك، مبدين التعاطف التام مع الكاتب، وأحيانًا السخرية منه.

ما يُدهِش في الأمر أن معظم من تفاعل مع الحادثة من الكتّاب، وهي بالمناسبة حادثة حقيقية وقعت الأسبوع الماضي، تعاملوا معها وكأنها تحدث لأول مرة، وليس على أنها تتكرر بصورة شبه يومية في عالمنا العربي المنكوب في ثقافته كما في كل شيء آخر. الفرق هنا هو أن عدد حضور الفعاليات التي سبقت فعالية حامد ياسين (وهذا هو اسم الكاتب الجزائري بطل الواقعة) كان أكثر بقليل من واحد، وأن الكاتب الذي خذله الجمهور اختار في المرات الماضية أن يبكي في داخله بصمت لا أن يجهش أمام الكاميرا.

تذكرتُ وأنا أقرأ ما طقطقتْه الأصابع عن حكاية ياسين عشرات الفعاليات الثقافية التي حضرتُها في «النادي الثقافي» منذ أكثر من ثلاثين عاما إلى اليوم، وكيف أن الجمهور كان يُعَدُّ في معظم الأحيان على أصابع اليد الواحدة، وإن بلغ أصابع يدين اثنتين فهذا يعني أن الكاتب المعني بالفعالية أحضر معه بعض أصدقائه أو أفراد عائلته، أما إن بلغ عدد الحضور أصابع أيدٍ ثلاث أو أربع فهذا يعني أن الفعالية نجحت جماهيريا بامتياز!

أنا أتحدث هنا عن مسقط، ولكن لا يظنن ظانّ أن هذا العزوف عن حضور الفعاليات الثقافية هو حكر على سلطنة عُمان، فقد حضرت بنفسي فعاليات في القاهرة والشارقة والدوحة والكويت والرياض، ولم يكن الجمهور هناك أفضل حالا. وأذكر أن أول مرة تأكدتُ فيها أننا «كلنا في الهمّ شرق» كانت في دولة مغاربية، وتحديدًا خلال الأسبوع الثقافي العماني في الجزائر عام 2007، عندما حضرتُ حفل توقيع لكاتبة عربية مشهورة، فلم يحضر حفلها ذاك إلا 21 شخصا فقط أحصيتُهم بنفسي، وكنتُ الثاني والعشرين، ويومها شعرتُ بالكثير من العزاء، كمريض طمأنه الطبيب قائلا: «لا تقلق، هذا فيروس يصيب الجميع، وستُشفى منه سريعا».

هيأتني تلك الحادثة نفسيا لتقبل أي جمهور ضئيل فيما بعد، على اعتبار أنه الأصل، وأن الجمهور الكبير في فعالية ثقافية هو الاستثناء عن القاعدة، وأن الأفضل للكاتب في هذه الحالة أن يعزي نفسه بأنه من «الأقلية الهائلة» التي تحدث عنها خوان رامون خيمينيث، وأنه ينطبق عليه قول الشاعر: «تُعيِّرُنا أنَّا قليلٌ عديدُنا / فقلتُ لها إنَّ الكرامَ قليلُ»، وأن الأجدى من ذرف الدموع على جمهور لم يأتِ، البحث عن عذر مقنع يحفظ كرامته المهدورة ككاتب. وقد طبقتُ هذا حرفيا حين علقتُ في نص لي على الحضور القليل لأمسيتي والكاتبة بشرى خلفان في مقر رابطة الأدباء الكويتية بالعديلية في مطلع 2009، والتي كان حضورها أكثر بقليل من حضور حفل توقيع ياسين. إذ ربطتُ ذلك بالمباراة التي كانت قائمة في الوقت ذاته بين المنتخبين العماني والكويتي في استاد السلام والصداقة بنادي كاظمة المجاور لمقر الرابطة. ورغم أن المباراة تزامنت بالفعل مع الأمسية، إلا أنني أكاد أجزم أن الأمسية، حتى لو لم تتزامن مع المباراة، ما كانت لتحظى بجمهور أكبر!

ولكن، هل يقع اللوم في العزوف عن حضور الفعاليات الثقافية على الجمهور وحده؟ ماذا عن المؤسسات التي تنظم هذه الفعاليات؟ هل تعلن عنها بشكل مُرْضٍ؟ وهل تفكر في طرق مختلفة (ولا أقول مبتكَرة) لتقدم بها فعالياتها؟ وهل تحرص على اختيار الموضوعات الجاذبة والأوقات المناسبة؟ والسؤال الأكثر إلحاحا: هل ما زالت الأمسية الثقافية بصورتها التقليدية قادرة على إغراء الناس بالخروج من منازلهم ليشاهدوا مثلا كاتبًا يجلس وراء منصة، ويستمعوا إليه يقرأ نصًّا أو نصين، ثم يُفتح المجال لأسئلة ومداخلات الحاضرين؟ هذا الشكل الذي عرفناه منذ سنين طويلة ما زال حاضرًا في مؤسساتنا الثقافية العمانية والعربية، بينما تغيرت وسائل التلقي، وتضاعفت الخيارات المتاحة للجمهور.

ثم من قال إن عدد الحاضرين إلى أمسية يوقع فيها أديب كتابه هو المقياس لعدد قراء هذا الكاتب، أو لمكانته الأدبية؟ ألا يمكن أن يكون له قراء في عشرات المدن، لكنهم لا يستطيعون الحضور إلى المدينة التي يقام فيها حفل التوقيع لبعد المسافة؟ ألا يحدث أحيانًا أن يمتلئ مسرح بكامله للاستماع إلى كاتب لم يقرأ نصف الحاضرين له سطرًا واحدًا؟ إننا نخلط أحيانًا بين جمهور القراءة وجمهور المناسبات، مع أن البون بينهما شاسع. وربما كان في وسع كاتب أن يبيع مئات النسخ من كتابه دون أن يحضر حفل توقيعه أحد، وفي المقابل فإن كاتبًا آخر بمقدوره أن يوقع عشرات النسخ لأشخاص لن يفتحوا كتبه بعد عودتهم إلى بيوتهم.

على أن المفارقة المؤلمة في حكاية حامد ياسين هي أن الجمهور الذي غاب عن حفل توقيع كتابه حضر بقوة إلى فيديو البكاء! فجأة صار للرجل جمهور واسع، وتحوّل غياب بضعة أشخاص عن قاعة صغيرة في مدينة بئر العاتر الجزائرية إلى حكاية يتداولها آلاف الأشخاص في قاعات افتراضية لا تتسع لها أكبر قاعات الثقافة العربية. ولكن كم واحدًا من هؤلاء سأل عن عنوان الكتاب؟ وكم واحدًا بحث عنه ليقرأه؟ أخالُ أن الكاتب حصل أخيرًا على الجمهور الذي تمناه، ولكن من الباب الخلفي الذي عادة ما يغري الناس بالدخول إليه: باب الترند! وأظن أن حامد ياسين لو أعلن اليوم عن حفل توقيع ثانٍ بعد كل هذه الضجة فستمتلئ القاعة بالجمهور المتعطش، لا لقراءة كتابه، بل لرؤية الكاتب الذي أبكاه غياب الجمهور!

سليمان المعمري كاتب وروائي عُماني