عن الكاتب والقارئ وما بينهما من خذلان
السبت / 12 / جمادى الأولى / 1448 هـ - 21:16 - السبت 24 أكتوبر 2026 21:16
قبل أيام راج مقطع قصير يظهر فيه كاتب عربي وهو يبكي بحرقة في حفل توقيع كتابه الجديد؛ حيث لم يجد في انتظاره أحدًا يحتفي بإنجازه، ويسأل توقيعه والتقاط صورة معه. ولعله جلس منتظرًا حتى آخر الوقت، مثل البائع الحزين، ينتظر وصول قارئ واحد، قارئ واحد على الأقل، أو شخصًا عابرًا يدخل القاعة عن طريق الخطأ فيصادِف كاتبًا مُتوحدًا مع كتابه، فيشد على يديه، ويهديه التهنئة المعتادة التي تُقال لأي شخص يعلن عن صدور كتابه الجديد على صفحته في مواقع التواصل، تُقال تشجيعًا في الغالب بلا خصوصية ولا تحديد ولا تنم عن معرفة أو إعجاب سابقين بالمؤلف، لكنها تهنئة قد تفي بتأدية بعض العزاء للكاتب المنفي في قاعة خالية من القراء. فكيف للكاتب ألا يشهر دموعه الحرّى وقد عزَّ حتى هذا المتسكع العابر الذي يراود أحلام يقظته عن القدوم؟
لقيتْ دموع الكاتب تعاطفًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، فلمشهدٍ كهذا وقعه الخاص حينما يصور كاتبًا عربيًا يبكي؛ لأنه بلا قُراء فتعترف عيونه بالهزيمة، ما فتح النقاش أيضًا عن غربة المثقف العربي اليوم أمام كل تبرجاتِ الجهل، وفي ظل تراجع قيمة الكِتاب بين خيارات المتعة والتسوق الأخرى.
نعول على صدق تلك الدموع في مشهدٍ نادر الصراحة؛ فهي تحرر الكاتب العربي قليلًا من صورته الشائعة كشخص متضخم النرجسية، معتدّ الذات، صَلِف الكبرياء. وهي تجرح من حيث تفضح ما اعتاد الكاتب على إخفائه من هزائم مهنته وكآباتها عن الناس، والأعمُّ أنها تكشف جوانب من حياتنا الثقافية التي يصلح ذلك المشهد الحزين تعبيرًا عنها.
تذكرتُ على الفور حلقة طريفة من حلقات المسلسل السوري الكوميدي «بقعة ضوء»، يؤدي فيها أحمد الأحمد دور الشاعر الذي يُدعى إلى أصبوحة شعرية في قاعة بالجامعة. يدخل الشاعر للقاعة فإذا هي خالية ويظل ينتظر، حتى تصل طالبة فضولية يسألها عن سر مجيئها، فيدور نقاش عن الشعر ومستقبله يبدأ من عبارة «بيجوز متل ما بيقولوا إن الشعر مات»! وسيحاول الشاعر تقديم تفسير ملهم مفاده أن الشعر لم يمت، بل لا يمكن أن يموت، إنما هو محتاج إلى استعادة موضته فقط.
في تجربة كل كاتب أو شاعر هناك خيبات أمل كبيرة، تُطوى في الخاطر، حين يتعلق السؤال برهاناته على القراءة والقراء. وربما تظهر مرارة تلك الخيبات خفيةً في مواقف قهرية جانبية، في تعبيرات سخط وكبرياء جريح ونقد/ هجاء تعميمي للزمانِ وأهله. وهناك دائمًا شكوى من سوء الفهم أو التفاهم مع القارئ. وهناك أيضًا أمل وشوق إلى ذلك القارئ النادر الذي سيقرأ النص مرتين... فمن ذلك الذي بوسعه أن يقرأنا مرتين في عُجالة هذا الزحام؟ لكن الغريب أنه -بالرغم من الخذلان المتكرر- لا نكاد نلحظُ الكتَّاب من حولنا يحكون أو يعترفون بحرية كافية عن خذلان القراء لهم!
يخذلنا القُراء بقدر ما نعلق الآمال عليهم بقدر ما نتزود بمعنى الكتابة من استقبالهم لنا ومن فرحتنا بصورهم وهم يتصفحون كتبنا أو يقتبسون من حبر دمنا ما يعينهم على تدبر حياتهم. ويخذلنا القُراء المتخيلون لسبب آخر أشد خطرًا، وذاك لسلطتهم كجمهور متخيل على وعينا ساعة فعل الكتابة، ولقدرتهم التدميرية أحيانًا على تغيير كتابتنا. إنهم مجموع مخيف للأمانة، كيف لا وهم أصحاب الحق الأخير في التأويل؟!
في فيلم وثائقي فرنسي من إخراج سيمون بيتون بعنوان «محمود درويش: الأرض تُورَث كاللغة» يتحدث الشاعر عن ضرورة تأسيس ثقة متبادلة مع القارئ؛ فهي التي تمنح الشاعر شرعية التحديث وحرية الذهاب في غموض معانيه حيث يشاء مُطمئنًا إلا أن بيته الشعري هو بيت بالفعل، يسكنه الناس واجدين فيه العزاء والعوض عن خسارة الواقع: «ولا أعتقد أنه من حق الشاعر أن يطلب سعادة أكثر من ذلك»!
مع التقدم في العمر وفي التجربة يتعاظم قلق الشاعر من أن يظل بيته الشعري مهجورًا، ولكنه يخشى في الوقت ذاته أن يُسلم مفاتيحه كلها للقراء فيفقد وجوده في نصه، كمن يؤثث بيته للغرباء وينسى نفسه خارجًا. وقلما استطاع شاعر عربي معاصر أن يتمرد على قرائه ويحتويهم في جملة شعرية واحدة، كما فعل محمود درويش باقتدار واتزان. مع أن أدونيس -الذي يلح ذكره وينشط الجدال حوله مع كل موعد نوبلي- كان أكثر تمردًا من محمود درويش، ليس على جمهور الشعر العربي فحسب، بل على السياق الثقافي السائد برمته، إلا أنه كان يجد لشعره معنى أوفر بقدر تعاليه وابتعاده عن ابتزاز القارئ الكسول الذي يطالب دائمًا بالفهم الفوري.
علاقة المبدع بالمتلقي لا تخلو من ابتزاز خفي، وذلك يتوقف على طريقة المبدع في إدارة هذه العلاقة، وعلى ثقته بنفسه أيضًا. وكنتُ قد كتبت مؤخرًا مقالًا يستدعي المقام إعادة التذكير به: «لو قلتُ إنني أكتب لنفسي». فإعادة الاعتبار للكتابة عن الذات وللذات، وهي الركيزة التي أدافع عنها في تعريف الكتابة، تتطلب يأسًا زاهدًا من القارئ المتخيل المجهول. ذلك اليأس هو ما يمنحنا حرية الكتابة أثناء الكتابة، لكننا بحاجة إليه أيضًا لنصون هشاشتنا في حفلات التوقيع الخالية من القراء، حيث لا بدَّ أن نفتعل ذلك اليأس والصفح عن الآخرين أسلوبَ وقاية نفسية متقدمة تحمينا من الخذلان.
سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني